مقالات
الازدهار الأميركي في لبنان يتطلّب نزع السلاح.. الحرب واردة إلا إذا..

يشي تصريح الموفد الأميركي توم براك عقب زيارته بمعية وفد أميركي رئيس الجمهوريّة اللبناني جوزاف عون بدلالة واضحة توفّر عناء الشرح والتحليل.
قبل أن ينقلب براك على آرائه ويتحدث لاحقاً عن دولة فاشلة في لبنان، نقل أواخر آب/ أغسطس الماضي عن دونالد ترامب قوله “إنّه يريد أن يكون لبنان مزدهراً ومستقرّاً، وأن يتمّ نزع السّلاح غير الشّرعي”، لافتاً إلى أنّ الرّؤساء الثّلاثة يحاولون القيام بأفضل ما لديهم “للبدء بحقبة من السّلام والرّفاهيّة”.
يتّضح من هذا المضمون أن الازدهار والاستقرار وفق الرؤية الأميركية يمرّان حكماً عبر نزع سلاح المقاومة، فهناك علاقة ارتباطية بين المقدمة، أي نزع السلاح، وبين النتيجة، أي الازدهار.
ليس غريباً أن يتماهى موقف برّاك في هذا الإطار مع موقف آخر، وإن كان أكثر تقدماً، أدلى به رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل ذلك بيومين فقط. أعلن مكتب الأخير في 25 آب/ أغسطس الآتي:
“الآن هو الوقت المناسب لإسرائيل ولبنان للمضي قدماً بروح التعاون، والتركيز على الهدف المشترك المتمثل في نزع سلاح حزب الله وتعزيز الاستقرار والازدهار في كلا البلدين”.
هذا ما يفسّر على الأرجح سبب تركيز أحد أوجه حملات الدعاية الموجّهة ضد المقاومة على أن العائق الذي يحول دون قيام لبنان المزدهر هو السلاح فقط؛ السبب الحصري والوحيد لكل المعضلات.
مرحلة جديدة من الهيمنة
يتجلّى حكماً في هذه الحالة السؤال حول الضمانة المطروحة أمام الدولة اللبنانية في سبيل الازدهار الموعود، والذي يشترط انتزاع ورقة قوة وتفاوض ثمينة يمثّلها السلاح، وعما إذا كنا في صدد الحديث هنا عن ازدهار يخصّ “إسرائيل” والولايات المتحدة أم لبنان؟
هناك سبب وجيه يدفع إلى هذا السؤال.
إذا كانت هناك أطراف يحفل سجلها بخرق الاتفاقات وعدم الالتزام بالمعاهدات، فيأتي على رأسها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. تدعم وثيقة الأمن القومي الأميركية الجديدة هذا التوجّه، وتؤشر إلى استعداد للانسحاب من أي التزام لا يخدم المصالح الأميركية بصورة واضحة وفورية. الاقتناع بذلك من عدمه لا يلغي ما سيأتي لاحقاً.
في ضوء التحوّلات التي طالت البيئة الإقليمية لـ”إسرائيل” والتي ترجمها رئيس حكومتها من خلال شعار “تغيير وجه الشرق الأوسط”، كانت الاستعدادات تجري لترتيب المنطقة من خلال مشروعين استراتيجيين، يكمّل أحدهما الآخر ويعكسان التصور الأميركي لمستقبل المنطقة. مستقبل قد يكون قريباً أو بعيداً، ويبقى رهناً بمجموعة ظروف وشروط.
جاء “طوفان الأقصى” وقوّض هذا المسار ظرفياً من دون أن يلغيه تماماً. المشروع الأول ما زال حاضراً في خطاب إدارة ترامب تجاه المنطقة، بينما يحتمل الثاني الانتظار لأكثر من سبب، أبرزها أولويات الإدارة الأميركية الحالية التي تركز على المكتسبات الفورية والمباشرة التي تتيح لها تثميرها في السياسة الداخلية.
المشروع الأول، يتمثّل في توسيع “الاتفاقات الإبراهيمية” التي تلازم مع نسختها الأولى توسيع حدود الكيان الإسرائيلي عبر اعتراف أميركي بضمّه مرتفعات الجولان والقدس الشرقية، مجمّداً خطوات أخرى من دون أن يلغيها.
هناك ما يكفي من مؤشرات تدلّ على أن شهية التوسع الجغرافي ما زالت مفتوحة، ليس بفعل طبيعة الكيان الاستعمارية والإحلالية فقط والظروف المستجدة، إنما مع وجود إمكانية محتملة من قبل ترامب إلى توفير الغطاء لها خلال المدة المتبقية من ولايته، فالأخير سبق أن أشار إلى ضيق مساحة “إسرائيل” مرتين على الأقل (وعقب طوفان الأقصى)، في حين عبّر نتنياهو عن تطلعه إلى تحقيق “إسرائيل الكبرى”، وهو أقدم على التوسع فعلاً باتجاه سوريا، فيما يتقدم الاستيطان في الضفة الغربية بموازاة الاستعداد للسيطرة على جزء كبير منها، ناهيك بما يمكن أن يحدث في غزة.
المشروع الثاني، يتمثّل في الممر الهندي- الأوروبي الذي طرحته إدارة جو بايدن خلال قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في نيودلهي عام 2023، وأحد أهدافه احتواء المنافس الصيني.
في غضون ذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى إقفال ملف الشرق الأوسط حتى يتسنى لها التفرّغ لتحديات أخرى داهمة وأساسية، وهو توجّه عبّرت عنه وثيقة الأمن القومي الصادرة حديثاً عن الإدارة الحالية.
وفي حين تسعى الأخيرة إلى ترسيخ المعادلات الاستراتيجية وموازين القوى الجديدة في المنطقة وتثبيت هيمنتها عبر التخلص نهائياً من مشروع المقاومة وتعبيد الطريق أمام مشاريعها، فإن نتنياهو، كما يجادل البعض، يجد نفسه أمام فرصة تاريخية لتحقيق الحسم على أعدائه، ما يمهد لمرحلة جديدة من الهيمنة الإسرائيلية عنوانها “إسرائيل الكبرى”.
بين اعتبارات نتنياهو الشخصية والاعتبارات المهنية الخاضعة للمؤسسات الأمنية والعسكرية داخل الكيان، تشي التسريبات التي تقصّدت الدوائر الإسرائيلية ضخّها في الإعلام خلال الأسابيع الأخيرة بوجود مساحة كبيرة من التلاقي على الهدف: حرب موسّعة على حزب الله الآن.
فقط في الأيام الأخيرة، بدأت تسري معلومات أخرى من دون أن تنفي احتمال الحرب.
رغم تغيّر العقيدة الأمنية الإسرائيلية وإمكان شنّ حرب استباقية ومباغتة في أي وقت، فإن ذلك لا يلغي أن التوقيت يبقى عاملاً خاضعاً للملاءمة والاستنسابية وفق الظروف الموضوعية ومتغيراتها. من قرأ، ويقرأ حافزية “إسرائيل” إلى حرب مُوسعة اليوم، ينطلق من أن الأخيرة بزعامة نتنياهو تجد أن فرصتها التاريخية بتحقيق الحسم التام، أو على الأقل، تقويض حزب الله إلى الحد الأقصى، محدودة بنافذة زمنية يصعب بعدها العودة إلى الحرب المفتوحة، بسبب جملة اعتبارات على رأسها تغيّر الأولويات الأميركية، ومن ضمنها أيضاً برود الجبهة الداخلية وصعوبة إعادة تعبئتها نفسياً ومعنوياً لجولات إضافية، عدا عن اعتبارات أخرى.
أسباب تغذّي دوافع الحرب
من دون شكّ، يتقدم العامل الأمني داخل “إسرائيل” على الاعتبارات الأخرى، كالاقتصادية وغيرها من مشاريع في المنطقة. ومع لحاظ المستجدات في العقلية الإسرائيلية وهامش المناورة لدى “تل أبيب”، إضافة إلى درجة تقاطعاتها وتبايناتها مع الولايات المتحدة، هل هذا يقوّض الفرضية المطروحة حول الهندسة الأميركية للمنطقة التي جرى التطرق إليها في جزأين سابقين؟ وينفي علاقتها باحتمالات الحرب؟
ربما. هذه محاولة لإعادة ترتيب الأفكار، بعدها عودة إلى هذه النقطة في نهاية الفقرة.
يمرّ طريق الحسم السريع من خلال القضاء، بشكل منجز وتام، على القدرة العسكرية للخصم، وهو الحل الأمثل والمُشتهى لدى كل من “إسرائيل” وأميركا، لكنّه باعتراف توم براك غير متاح. يمكن أن يجري الحسم أيضاً على مراحل، ومن خلال خطوات متدرجة تتيح السيطرة العميقة على المنطقة العربية، ليس سياسياً وأمنياً فقط، بل بما يؤمن هيمنة مستدامة تخضع الشعوب أيضاً، وهذا ما تحاجج فيه هذه السلسلة.
ليس بالضرورة احتلال المنطقة بأسرها لتحقيق ذلك، بل يكفي تكبيلها من خلال الربط الاعتمادي على “تل أبيب” عبر مشاريع حيوية تتشابك فيها شرايين المنطقة، ويكون مركز التحكّم والهيمنة فيها انطلاقاً من المركز الإسرائيلي المتفوّق عسكرياً وتقنياً واقتصادياً، والذي يحظى بدعم أميركي وبما يكفي من مصادر المياه العذبة التي قد تتحوّل بعد سنوات إلى معضلة وجودية في المحيط.
في هذا الإطار، تأتي أيضاً مشاريع الغاز قبالة السواحل اللبنانية والسورية، الأمر الذي يحتاج إلى التوسّع فيه لاحقاً. لكن خلاصة القول مما سبق، إن كل هذه المشاريع تنطوي على استثمارات ضخمة بعشرات مليارات الدولارات، الأمر الذي يحتاج إلى بيئة آمنة لاستقطابها وتأمينها (شركات التأمين)، وهو ما يتعذّر بلوغه إلا من خلال أحد الاحتمالات الآتية:
إما صفقة مع الأطراف التي يمكن أن تهدّد هذه المشاريع،
أو كبحها عبر إجراءات رادعة لا تستأصل السلاح لكن تحيّده.
أو التخلّص نهائياً من أدوات القوة العسكرية والمقدرات التي يحوزها الأطراف الذين يرفضون الاستسلام للهيمنة والخضوع.
هل يعزّز هذا الأمر فرضية الحرب الجاثمة فوق أجواء لبنان؟
إذا وضعنا في الحسبان أن لاحتمالات الحرب كوابح وحوافز من طرف أميركا و”إسرائيل”، فإن القراءة الآنفة تشكّل دافعاً إلى الحرب انطلاقاً من اعتبارات الفرصة التاريخية السانحة من وجهة نظر “تل أبيب” لإنهاء التهديد العسكري على “إسرائيل” مرة واحدة وإلى الأبد، ولأن السلاح الدقيق والكاسر للتوازن في أيدي مجموعات المقاومة في لبنان والمنطقة يمثّل تهديداً للمشاريع الاستراتيجية الأميركية وسيفاً مسلطاً على الاستثمارات والمصالح.
تتضافر في هذا السياق الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية مع العوامل الاقتصادية، لكن.. من دون أن يلغي ذلك اعتبارات أخرى مضادة، الحديث عنها مؤجّل إلى الجزء المقبل.
احتمالان
لا شكّ أن القراءة الآنفة تحتمل أكثر من اعتراض وقابلية للطعن. من ذلك السؤال الآتي:
لقد جرى طرح مشروع الممر الهندي قبل “طوفان الأقصى” حينما كان محور المقاومة في ذروته وكان مدى صواريخ حزب الله يطال تهديده البحر الأحمر وقبرص، لكن، رغم ذلك، لم يشكّل ذلك مانعاً أمام طرح المشروع المذكور كما لم يقف حائلاً أمام “صفقة القرن” وتوقيع “الاتفاقيات الإبراهيمية”، فلماذا الآن يتم ربط هذه المشاريع بإزالة تهديد المقاومة نهائياً؟
تحتمل الإشكالية أكثر من جواب، منها:
أولاً، من قال إن الحرب على محور المقاومة لم تكن مُبيّتة قبل بدء هذه المشاريع؟ يدعم ذلك ما حصل لاحقاً ضد إيران وحزب الله، إذ تشير الوقائع إلى وجود خطط واختراقات وهندسات أمنية جرى الإعداد لها على امتداد سنوات طويلة، وكانت تنتظر فقط الظرف المواتي فعجّل فيها “طوفان الأقصى”.
يجدر في هذا السياق التمييز بين مشروع الممر الهندي طويل الأمد الذي طرحته الإدارة الديمقراطية، وهو ينطوي على استثمارات وبنى تحتية وشبكات تتجاوز مشروع “صفقة القرن” الذي طرحته إدارة جمهورية، وهو مشروع يركّز على إنهاء الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. وللتذكير نصت “صفقة القرن” على وجود مرحلة انتقالية من أربعة أعوام، “وذلك انتظاراً لمتغيرات سياسية ستدفع السلطة الفلسطينية إلى التخلي عن موقفها الرافض للخطة حالياً”، واقترحت إعلان سيطرة “إسرائيل” على 30 في المئة من الضفة الغربية ضمن المناطق التي تعرف باسم “ج”.
كما لحظت الخطة إنفاق 9 مليار دولار في مصر، و7 مليار في الأردن، و6.3 مليار في لبنان! الآن كل هذا تغيّر.
ثانياً، الاحتمال الثاني هو أن هذه المشاريع يمكن أن تتعايش مع وجود سلاح المقاومة من خلال قواعد الردع التي كانت قائمة وأصبحت الآن أكثر رجاحة إلى جانب الطرفين الإسرائيلي والأميركي، وهو ما يدعم المعلومات الأخيرة المتداولة حول المقاربة الأميركية المستجدة التي تستبعد الحرب وتحيّد السلاح.
في كلتا الحالتين يبقى صحيحاً أن مسألة السلاح ترتبط بالسياق التاريخي للصراع بما يتعدى مشاريع الاستثمار والمشاريع الاقتصادية الاستراتيجية العابرة للمنطقة، لكن المختلف ضمن هذه المقاربة هو علاقتها بالحديث عن الازدهار والتكامل ومرحلة الهيمنة الجديدة.
علي فواز-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



