مقالات
الاحتلال يغتال الرجل الثاني في كتائب القسام… ماذا يريد؟

خلال الأسبوعين الماضيين شهدت سماء مدينة غزة ومناطقها الغربية على وجه التحديد تحليقاً مكثّفاً لطائرات الاستطلاع الصهيونية، كانت هذه العملية تجري بواسطة عدد كبير من الطائرات التي تُحلّق في وقت واحد، وفوق بقعة جغرافية محدّدة، وقد بلغ عددها في بعض المرّات كما جرت رؤيته بالعين المجرّدة سبع طائرات من أنواع مختلفة، بعضها مخصّص لجمع المعلومات الاستخبارية مثل طائرة “هيرون”، والتي كانت تطير على ارتفاعات منخفضة جداً، وبسرعة كبيرة على غير العادة، وبعضها الآخر يُستخدَم في معظم الحالات لتنفيذ عمليات اغتيال مثل طائرة “هيرمس900-“، والتي تُعتبر من أكفأ وأحدث طائرات الاستطلاع المسيّرة الهجومية التي يملكها جيش الاحتلال.
في ذلك الوقت أرجعت مصادر أمنية عمليات التحليق تلك إلى حدوث ما يُسمّى “عملية إطباق جوي” على هدف ما يتحرّك على الأرض، أو يوجد في مكان جرى الحصول على إحداثياته بطريقة أو بأخرى، وأن هناك قراراً باغتيال هذا الهدف في اللحظة التي تسنح فيها الفرصة بذلك.
بالأمس عصراً، يبدو أن الفرصة التي كانت تبحث عنها طائرات الاحتلال المسيّرة قد حانت، وأن هناك إمكانية حقيقية لاستهداف “رجل الظل” في كتائب القسام القائد رائد سعد، والذي فشلت في اغتياله أكثر من خمس مرّات، كان آخرها خلال العدوان على غزة عندما استهدفت بحزام ناري عنيف مربعاً سكنياً في مخيم الشاطئ شمال غرب مدينة غزة، ما أدّى حينها إلى استشهاد عدد كبير من المواطنين الفلسطينيين، باستثناء الرجل المطلوب نفسه، والذي كما يبدو، لم يكن موجوداً في المكان.
بعيداً من ادّعاءات الاحتلال بأن العملية جاءت ردّاً على عملية تفجير عبوة ناسفة أسفرت عن إصابة جنديين من قوات الاحتياط، هذه العملية التي لم نسمع عنها إلا بعد تنفيذ الاغتيال فقط، وهي مجرّد مبرر اعتاد الاحتلال استخدامه عند كل خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، فإن اغتيال القائد رائد سعد يُعتبر تطوراً خطيراً للغاية، ويمس بشكل مباشر بمضمون اتفاق وقف إطلاق النار، ويهدد كما لم يفعل من قبل، بسقوط هذا الاتفاق وانهياره، ولا سيّما في ظل عجز الوسطاء والضامنين عن إلزام العدو بتنفيذ ما عليه من التزامات، سواء تلك المتعلقة بفتح المعابر وإدخال المساعدات، أم بما يتعلّق بوقف العدوان وعمليات القتل والاغتيال، والتي أدّت منذ العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، موعد بدء الهدنة، إلى سقوط أكثر من ثلاثمئة وثمانين شهيداً.
يمكننا أن نشير إلى مجموعة من الأهداف التي أراد الاحتلال تحقيقها أو تحقيق بعضها من وراء عملية “العشاء الأخير ” الغادرة، والتي لم تكن العملية الأولى من نوعها منذ سريان اتفاق التهدئة، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، إذ إن شهية الاحتلال ما زالت مفتوحة لمزيد من عمليات القتل، كما يصرّح قادته في كثير من المناسبات.
اول الأهداف كما نعتقد هو التخلّص من شخصية مركزية ومؤثّرة وذات باع طويل في العمل الجهادي المسلّح في فلسطين، إذ إن الشهيد رائد سعد يُعتبر من الجيل المؤسس في كتائب القسام، وتقلّد خلال هذا التاريخ الطويل مناصب عدّة، وشغل أماكن حسّاسة، وحقّق خلالها إنجازات مهمة ولافتة، ولا سيّما في مجال التصنيع العسكري، وفي مجالات أخرى يمكن أن تكشف عنها الكتائب في الوقت الي تراه مناسباً، هذا إضافة إلى كونه أحد القادة القلائل الذين بقوا على قيد الحياة بعد عمليات الاغتيال التي طالت معظم أعضاء المجلس العسكري للقسام، وفي مقدمتهم القائد العام محمد الضيف، وقائد الأركان مروان عيسى، وإخوانهم الآخرون أيمن نوفل وأحمد الغندور ومحمد السنوار وغيرهم الكثير.
وبناء عليه يمكن فهم عملية اغتيال سعد بأنها جاءت في سياق التخلّص من الجيل الأكثر خبرة في القسام، بما يمكن أن يسهم لاحقاً، بحسب وجهة النظر الصهيونية، في إضعاف منظومة القيادة والسيطرة، وفي إحداث حالة من الشك وعدم اليقين في صفوف المقاتلين، الذين يمكن أن يتأثروا سلباً بفقدان قادتهم بهذه الطريقة، وفي هذا التوقيت الصعب والحسّاس بالذات.
هدف ثانٍ أراد الاحتلال تحقيقه، وهو استجلاب رد عسكري من المقاومة في غزة، بما يسمح له بالتنصّل من اتفاق وقف إطلاق النار، والعودة من جديد إلى حرب الإبادة التي يسعى إلى استئنافها بشدّة، وهو بحاجة فقط إلى مبرر يقدّمه للعالم، بعد ما تعرّض له من انتقادات، وما لحق به من اتهامات وصلت بعضها إلى حد اتهامه بارتكاب جرائم حرب، وجعلت رئيس وزرائه ووزير حربه الأسبق مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
في حال ردّت المقاومة على هذا العدوان السافر، وهو حق مشروع كفلته لها القوانين الدولية كافة حتى في ظل وقف إطلاق النار، فإن مسألة عودة الحرب ستكون كما يعتقد معظم الخبراء والمحللين أمراً واقعاً لا محالة، وإن كان ليس بالضرورة أن تكون على نمط الحرب السابقة، ويمكن أن تنحصر في عمليات جوية مكثفة على مناطق القطاع كافة، بعيداً من العمليات البرية الواسعة.
ما يعزّز فرضية بحث الاحتلال عن الوصول إلى مثل هذا السيناريو هو توقيت عملية الاغتيال، إذ إنها جاءت قبيل دخول المرحلة الثانية من الاتفاق حيّز التنفيذ كما يتوقّع الكثيرون، وكما صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ إن الاستحقاقات الواجب على الاحتلال تنفيذها فيها كبيرة ومهمة، منها الانسحاب إلى خارج الخط الأصفر، وهي مساحة تبلغ حوالى 32% من مجمل مساحة القطاع، إلى جانب فتح المعابر ولا سيّما معبر رفح، إضافة إلى البدء بعمليات رفع الأنقاض وإعادة الإعمار، والتي ينتظرها أهالي القطاع المنكوبون على أحرّ من الجمر.
هدف ثالث يسعى إليه الاحتلال وهو تثبيت قواعد اشتباك جديدة يعتقد أنه نجح في فرضها على المقاومة في غزة، كما هي الحال في لبنان أيضاً، وهذه القواعد تسمح له بأن يبقى مُطلق اليدين، ويضرب في المكان الذي يشاء، وفي الوقت الذي يشاء، من دون حسيب أو رقيب، فيما تبقى يد المقاومة مغلولة ومكبّلة حرصاً على عدم سقوط الاتفاق، وسحباً للذرائع التي يبحث عنها الاحتلال، ويحاول من خلالها العودة إلى الحرب.
حتى الآن، أي بعد أكثر من ستين يوماً من بدء اتفاق الهدنة في غزة، وبعد أكثر من عام على سريانه في لبنان، نجح العدو في تحقيق هذا الهدف، وباتت كل عملياته العدوانية التي يصنّفها الجميع حول العالم، ما عدا حليفه الأميركي، بأنها خرق واضح وفاضح لاتفاق التهدئة، تمر من دون أي رد يُذكر، باستثناء بعض المطالبات والمناشدات للدول الضامنة بضرورة لجم العدوان ووقف خروقاته، وهو الأمر الذي لم يثبت جدواه خلال كل الاتفاقات السابقة التي جرى التوصل إليها مع “دولة” العدو.
بعيداً عن أهداف العدو، تبدو المقاومة الفلسطينية، كما هي حال حليفتها اللبنانية، في موقف لا تُحسد عليه، وهي محشورة بين خيارين كلاهما مر، إما الصمت حفاظاً على اتفاق هش ومترنّح وقابل للسقوط في أي لحظة، وما لذلك من خطورة تتمثّل في مواصلة الاحتلال استنزافها وتمزيق مفاصلها وقتل قياداتها، وإما الرد الذي سيمنح نتنياهو وحكومته المتطرفة هدية على طبق من ذهب للعودة إلى حرب الإبادة.
يمكن أن يكون لدى المقاومة في غزة ولبنان خيارات أخرى لا نعرفها، ويمكن أن تشكّل هذه الخيارات في حال اللجوء إليها مفاجأة للصديق والعدو في آن واحد، إلا أن الاعتقاد السائد حتى الآن هو أن المقاومة ستبقى تعضّ على جرحها، ولن تنجر إلى ساحة قتال اختار العدو زمانها ومكانها، وستسعى بكل قوة، وستستغل كل الفرص من أجل ترميم إمكاناتها وقدراتها البشرية والتسليحية، حتى تحين الفرصة التي تعتقد أنها يمكن ان تُفشل فيها مخططات العدو، وأن تحافظ فيها على مصالح شعبها، حينذاك يمكن أن نرى طوفاناً جديداً، يُسقط أوهام العدو مرة أخرى، ويكتب فصلاً جديداً من تاريخ مقاومة شعوب أمتنا وقواها المقاتلة، تاريخ لن توقف كتابة حروفه صواريخ الاحتلال الحارقة، ولن تُغلق صفحاته عملياته العدوانية والإجرامية في غزة الصامدة وبيروت العزيزة.
الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



