مقالات

شروط الانسحاب من مخيمات شمال الضفة، ومائدة التشريح الصهيونية؟

يتجلى الطابع الأيديولوجي في الأداء السياسي الإسرائيلي، عبر ضغط عسكري غير مسبوق في شمال الضفة، وهو ضغط بالنار يتقنع فيه هذا الأداء بالتحديات الأمنية، خصوصاً ما يتصل بمخيمات جنين وطولكرم، حيث واجه فتية هذه المخيمات “جيش” الاحتلال طوال أربع سنوات متصلة وسط حاضنة شعبية ترفض الاحتلال ومداهماته الهمجية، لتتكشف حقيقة هذا الأداء السياسي العبري باعتباره الأيديولوجي في أولوية القضاء على رمزية المخيمات وما تمثله من تعبير مكثف عن أصل القضية الفلسطينية ومظلوميتها التاريخية.

قدم الكيان الإسرائيلي شروطه الخمسة للانسحاب من مخيمات شمال الضفة، وإعادة سكانها النازحين قسراً منذ قرابة العام، وجاء طرح هذه الشروط عبر مفاوضات سرية جرت مع السلطة الفلسطينية لتستلم هذه المخيمات وقد تغيّرت خريطتها الجغرافية، بعد عمليات واسعة من الهدم والتدمير وشق الطرق على حساب مئات البيوت المتلاصقة في أزقة هذه المخيمات، وجوهر هذه الشروط أن تتحوّل إدارة المخيمات لتكون تحت سلطة البلديات وليس منظمة “الأونروا” الدولية لرعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين، بعد أن تم حظر هذه المنظمة عبر الكنيست الإسرائيلي.

وكان الاحتلال سبق أن تقدم في شهر آب المنصرم بسلسلة شروط طويلة، انصبت في معظمها على عدم عودة أي مواطن فلسطيني له ماض أمني في مقاومة الاحتلال، والكل يعرف أنه ليس ثمة بيت في هذه المخيمات يخلو من مواطن واحد على الأقل له ملف نضالي عند مخابرات الاحتلال وأجهزتها الأمنية، وهو ما جعل تلك الاشتراطات تبدو وكأنها مجرد تبريرات لإطالة زمن التهجير والتدمير.

الجديد في الاشتراطات الأخيرة أن يجري التفاوض حولها، ثم الترويج لها، وما صدر عن ضباط الاحتلال خلال هذه الأيام من محاولة جس نبض الأهالي في الشوارع بشكل ميداني، وهم يوقفون المارة ويتحدثون مع المواطنين في بعض المحال والمقاهي المكتظة بالمهجرين حول هذه الشروط، ويتذرعون أن المشكلة ليست عندهم بل عند السلطة الفلسطينية التي ترفضها، وقد تناقلت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية خبراً مفاده أن حسين الشيخ نائب رئيس السلطة أشار في نهاية هذا التفاوض، إلى ترك الاحتلال يتصرف بشكل أحادي، وهو يتوقع أن الاحتلال مضطر للتصرف وفق الإرادة الدولية التي ما زالت عين رهان السلطة الحصري.

يحاول الاحتلال عبر هذه التسريبات وما يتداوله ضباطه ووسائل إعلامه، خلق مشهد أو هو مخاض انتقالي للسيطرة على المزاج النفسي الشعبي الفلسطيني، بما يشبه مائدة تشريح للواقع الفلسطيني المهشم على وقع الإبادة في غزة، أو عملية قلب مفتوح ينفذها “جيش” الاحتلال بحيث تتداخل هموم المهجرين وأولوياتهم مع هذه المستجدات، بعد ما تعرضوا له من قمع على يد أجهزة السلطة، وما تبعه من عملية “السور الحديدي” الإسرائيلية وقد طال عليها الأمد، بحيث يصبح استلام أجهزة السلطة مقاليد الأمور في قلب المخيمات مطلباً واقعياً، بعد أن كان أمراً مرفوضاً من أهل المخيمات وحتى من السلطة نفسها لأسباب سياسية تتصل بحساسية ملف اللاجئين وما تمثله المخيمات من حقيقة عجز اتفاقية أوسلو وكل أنواع التسوية حتى الآن عن تجاوزها.

تبدو مقاربات السياسة الإسرائيلية الراهنة في الضفة، بين حقيقة سيطرتها العسكرية الأمنية، وبين خطط الضم المستقبلية في ظل همجية المستوطنين، وهي تلعب على عامل الزمن باعتبار أن ملف الضفة وفق الأجندة الأميركية، ملف ساخن يتطلب إنجازه بعد الانتهاء من تنفيذ خطة ترامب في غزة، وهي مقاربة تعي إشكالية هذا التداخل، وما سينتج عنه حتى في سياق الأزمة الداخلية الإسرائيلية.

وليس ثمة اختلاف جذري بين فرقاء السياسة الإسرائيلية حول المشروع الإسرائيلي تجاه الضفة، خصوصاً بعد تصريح أحد زعماء المعارضة الإسرائيلية غانتس حول مشاركته المرتقبة هذا الأسبوع في جلسة للكونغرس الأميركي تتناول السيادة الإسرائيلية على الضفة، وهو يعبّر عن مدى فخره أنه يمثل مئات الآلاف من المستوطنين في الضفة، لأن إدارة ترامب بحسب رأيه هي الأفضل للاستيطان منذ تأسيسه.

أجهدت السلطة الفلسطينية نفسها في محاولة إرضاء “إسرائيل” وأميركا طوال عامين مضيا، خصوصاً على الصعيد الأمني في المواجهة مع مخيم جنين من دون طائل، وما زال العشرات من أبناء المخيم معتقلين في سجن جنيد التابع للسلطة في ظروف تحاكي سجن جلبوع الإسرائيلي، من حيث قسوة المعاملة حد الإذلال المنهجي، إضافة إلى السعي نحو تغيير منهاج التعليم الفلسطيني وقطع رواتب الأسرى والشهداء، في وقت تعلن “إسرائيل” صبح مساء أن إجراءات السلطة خادعة، بل وتزعم أن السلطة ضاعفت رواتب الأسرى والشهداء وهذا غير صحيح قطعاً، وقد ثبت أنها قطعت رواتب ثلاثة آلاف أسير منذ شهور عدة، وتتلاعب في مواعيد صرف مخصصات الشهداء وبقية الأسرى والأسرى المحررين منذ شهرين.

تأتي الاشتراطات الإسرائيلية للانسحاب من مخيمات الشمال، ولا سيما شرط القطيعة مع “الأونروا” والمؤسسات الدولية، في سياق تزييف الوعي العالمي تجاه موقع الضفة من القضية الفلسطينية، وشطب قضية اللاجئين بتحويل المخيمات إلى مجرد أحياء على هامش المدن، تتولى بلديات هذه المدن إمدادها ببنية تحتية من كهرباء وماء ومجارٍ ونظام تعليم وصحة، والأهم تثبيت نتائج عملية “السور الحديدي” المتعلقة بالمزاج الشعبي الفلسطيني وما أصابه من صدمات عصبية عقب هجوم أجهزة السلطة على مخيم جنين، بحيث يمكن تجميع قوات “جيش” الاحتلال في معسكر صانور، وفق ما ورد في الموازنة الإسرائيلية لعام 2026، من دون السماح بفراغ أمني يتيح قدرة جنين وطولكرم وشمال الضفة على استعادة زخم المواجهة السابق.

يعكس الترويج الإعلامي والميداني للاشتراطات الإسرائيلية، حقيقة وجود خطط يجري العمل عليها لطمس روح المقاومة، خصوصاً في ظل انحناء كثير من بلديات شمال الضفة لعاصفة الهجوم الإسرائيلي، وتماهيها مع جزئيات كثيرة من هذا الهجوم، ما يشير إلى محاولة تهيئة المواطنين الفلسطينيين للتعاطي مع التغيرات، لا سيما تلك المتعلقة بإعادة هندسة جغرافيا المخيمات أو تبعيتها للبلديات، بما يهدد جوهر القضية الفلسطينية في ثوابتها حتى تلك التي نصت عليها اتفاقية أوسلو.

الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى