مقالات
السلطة التي هجّرت شعبها تسعى اليوم وراء أصواته

يتصدر الأخبار في لبنان هذه المدة، إلى جانب «النضال» اليومي لتنفيذ أوامر نتنياهو بتدمير سلاح المقاومين، خبر سعي بعض القوى الطائفية إلى إقرار قانون يسمح للمهاجرين بالاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة.
من حيث المبدأ، المطالبة بهكذا قرار طبيعية، لكن دونها شروطاً جد واقعية، منها على سبيل المثال لا الحصر أن يكون المهاجر الهارب من «جنتهم» قد سدّد أسوة بكل مواطن مهاجر من دول أخرى ما يتوجب عليه من ضرائب للخزينة اللبنانية.
وهذا الأمر حتماً غير وارد في أذهان المطالبين بمساعدة المهاجرين لإبدأء رأيهم الانتخابي.
والسبب أنه بمجرد مطالبة المهاجر بدفع ضريبة سيكون بمنزلة وضع بنزين على نار مشتعلة، خاصة أن نهب أموال المهاجرين تم من قبل المصارف ومافيا السلطة التي يحاول المطالبون بتشريع القانون التستر عن جرائمها، وما صمتهم عن إطلاق سراح رياض سلامة إلا خير برهان.
أثناء مراجعتي جريدة «القبس» الدمشقية (العدد 3، في 10 تشرين الأول 1913) قرأت تحقيقاً صحافياً أجراه مراسل الصحيفة في منطقة جبل عامل يتحدث فيه عن أسباب الهجرة إلى أميركا وأفريقيا بعد جولته في قرى المنطقة، قال: «إن المهاجرين هم العاملون النشيطون، ومن بقي منهم في القرى هم الشيوخ والأطفال.
وفي مشرق كل يوم عشرات بل مئات يهاجرون وطنهم إلى الغربة».
وأضاف: «أن أسباب الهجرة كثيرة ويشترك في معرفتها العالم والجاهل والقروي والمدني والحاكم والمحكوم عليه.
وقد رأيت أن أستطلع طالع أفكار المهاجرين أنفسهم وكلهم من العامة لأقف على ما يرون من الأسباب، فرأيتهم يجيبون بأجوبة تتشابه وتتماثل ولا تختلف بجوهرها عن أجوبة الباحثين في المسائل الاجتماعية. يقولون إن أسباب الهجرة:
1- الظلم الضارب سرادقه في البلاد العاملية من المأمونين ممَّن لا أخلاق لهم.
2- مشقّة خدمة الجندية.
3- انسداد أبواب الارتزاق لقلة الوسائل الاقتصادية بل لعدم وجود أساس له رأساً».
الأسباب التي تحدث عنها أبناء جبل عامل هي نفس الأسباب التي واجهت أبناء جبل لبنان ولم تتبدل حتى يومنا هذا.
الظلم والفساد وانعدام الأخلاق عند أهل السلطة الأتراك انتقلت إلى أهل السلطة الحاليين.
وانعدام اهتمام السلطة الحاكمة في بيروت وإهمال الريف لا يزال هو هو، والفارق الوحيد أن الخدمة الإجبارية التركية أصبحت من الماضي، وحل مكانها تجنيد القسم الأكبر من عناصر القوى الأمنية من أهل الريف الذين يواجهون خياراً من اثنين: إما البقاء والقناعة براتب زهيد أو الهجرة.
آخر استفتاء رسمي جرى في لبنان، كان تحت حراب الفرنسيين عام 1932. ومنذ ذلك التاريخ، يُحرّم إجراء أي استفتاء لأنّ نتيجته الحتميّة خللٌ فاضحٌ، لغير مصلحة القيادات التي تتولّى وتتوارث زعامة المسيحيين
هذه هي وقائع الماضي، ويجدر التذكير بأنه في ثلاثينيات القرن الماضي جرت محاولة فاشلة في لبنان لتشريع مشاركة المغتربين في الانتخابات النيابية.
سبب المحاولة طائفي بحت كما هو اليوم، وهذا أمر مكشوف مهما حاولوا تغطيته. في ذلك الوقت كانت الأكثرية الساحقة من المهاجرين من المنتمين إلى الطوائف المسيحية الذين هاجروا بسبب انعدام فرص الحياة على الأرض التي ولدوا فيها.
واليوم هناك محاولة جديدة تتغطى بشعارات عدة والمضمون واحد، كما في محاولة ثلاثينيات القرن الماضي. ومن سخريات القدر أن معظم المطالبين بحماسة منقطعة النظير بالموافقة على تشريع اقتراع المهاجرين هم الذين بجرائمهم وتغطيتهم على نهب أموال معظم المهاجرين، كانوا السبب الرئيسي لهجرة اللبنانيين من جراء قمعهم وإفقارهم.
وهم مصرون على ملاحقتهم حيث هم وحيث لا نفوذ لهم عليهم للاستعانة بهم في معارك طواحين الهواء التي يخوضونها مع فئات أخرى من أبناء لبنان.
نزيف الهجرة في لبنان تحديداً متواصل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت الأكثرية في البداية من المسيحيين، ثم بدأت أعداد كثيفة من مختلف الطوائف بالهجرة. لكن تجار جميع الدكاكين الطائفية اليوم يريدون الاستعانة بأصوات طوائفهم لخوض معاركهم الجديدة.
والأمر لا يقتصر على القيادات المذهبية المسيحية بل ينخرط فيها بعض القيادات الإسلامية التي لا يتمايز موقفها السياسي عن مواقفهم، فالمعلّم والممول واحد.
تحت طبقات الثرثرة اليومية والحرص على أصوات ورأي المهاجرين هناك السبب الرئيسي لذلك «الحرص» لا يتحدث عنه أحد مباشرة وهو موضوع تعداد الطوائف اللبنانية التي جرى بموجبها تركيب وإطلاق مشروع لبنان الكبير في أول أيلول 1920 من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي.
رُسمت حدود هذا الكيان وأطلق عليه اسم «مشروع لبنان الكبير، الوطن القومي للمسيحيين» وفقاً لما خطّط له الضباط الفرنسيون الذين تدخلوا في أحداث 1860 كما ادعوا، «لمصلحة المسيحيين» الذين تعرضوا للقتل.
لكن منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، ماذا بقي من ذلك «الوطن المسيحي»؟ تبخرت مشاريع تقسيم الشعب الواحد وبالتالي تقسيم بلادنا الذي كان جوهر الإستراتيجية الفرنسية في سوريا.
من ادعوا «حمايتهم» هرب معظمهم من الدويلات التي رسموا حدودها، والقسم الأكبر منهم قطعوا كل صلة لهم بالبلد الأم.
وتكفّل زعماؤهم والأنظمة القمعية التي أورثوها لشعبنا بشرذمة وتقسيم ما تبقى من هذه البلاد.
والوضع في الشام واضح ليس بحاجة إلى المزيد من الشرح، فالوعاء، كما يُقال، ينضح بما فيه.
أما في فلسطين فقد اقتلعوا شعباً من أرضه ومارسوا ولا يزالون بحقه حرب إبادة جماعية.
نعود إلى لبنان، آخر استفتاء رسمي جرى كان تحت حراب الفرنسيين عام 1932.
ومنذ ذلك التاريخ يُحرّم إجراء أي استفتاء لأن نتيجته الحتمية خلل فاضح لغير مصلحة القيادات التي تتولى وتتوارث زعامة المسيحيين.
وللعلم لمن لا يعرف أن الاستفتاءات التي أجرتها السلطات الفرنسية أثناء فترة الاحتلال تصنّف اللبنانيين وفقاً لطوائفهم بالدرجة الأولى وليس على أساس كونهم مواطنين يعيشون على هذه الأرض.
وهذا ما اعتمده الفرنسيون أيضاً في تقاريرهم الأمنية عن الزعامات اللبنانية. يبدأ التقرير باسم الشخص ثم اسم والدته ووالده يتبع ذلك فوراً إلى أي طائفة ينتمي.
هكذا شيّدوا وبكل وقاحة نظاماً سياسياً طائفياً عنصرياً انتهى مفعوله ولا يزال كثيرون يحلمون بإحياء العظام وهي رميم.
هذه هي الحقيقة المرّة التي يرفضها دعاة الاستعانة بالمهاجرين الذين كانوا هم سبب تهجيرهم في حربهم الحالية. ولكي أكون أكثر وضوحاً لمن لا يريد أن يتذكر، خلال الحرب التي فجرها لبنانيون لمصلحة إسرائيل وأميركا في سبعينيات القرن الماضي، كان شارون وبيغن يدّعيان أن التدخل الإسرائيلي في لبنان هدفه فقط «حماية المسيحيين».
واليوم يكرر نتنياهو النغمة ذاتها بقوله إنه يحتل الأرض السورية لحماية أمن إسرائيل، ويتغنون بشعار «حماية الدروز والأكراد»، وفي لبنان منع الشيعة من حكم لبنان… والحبل على الجرار.
ختاماً، سواء نجحت محاولة إشراك المهاجرين في الانتخابات اللبنانية لربح بضعة مقاعد أم لا، فإن ذلك لن يبدل إطلاقاً حقيقة أن النظام المذهبي العنصري سواء كان بصيغة ما سمّي «الميثاق الوطني» أو «اتفاق الطائف» أو «اتفاقية الدوحة» أو أي اتفاقية قادمة ليس إلا محاولات للمزيد من الهيمنة والتقاتل الذي لا نهاية له.
لن ينفع أي طائفة أن تسيطر، وفقاً للمفهوم الطائفي المتخلّف على لبنان، حتى لو فازت بمعظم المقاعد النيابية سواء اعتمدت سياسة قرع الأجراس أو رفع أصوات المآذن أو بانتظار تدفق مالي هائل لضمان نجاحها.
المجالس النيابية في بلادنا ليست تعبيراً عن إرادة الشعب اللبناني المرهق بالنهب الذي يُمارسه أهل النظام طوال عقود.
كل ما في الأمر أن الطائفيين يوهمون أنفسهم بأن تجرّع دواء مخدر قد يطيل مرحلة السقوط الحتمي لمشروع لبنان الطائفي. لبنانيون كثر يعيشون على أمل أن يُقتلع يوماً ما هذا النظام من جذوره، لأن دون ذلك المزيد من الخراب وفتح القبور.
بدر الحاج- الديار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



