مقالات
المدرسة الرسمية في لبنان… أزمة مناهج لا أزمة دقائق!

يشهد لبنان سجالاً تربوياً محتدماً بعد قرار وزارة التربية تقليص أيام التعليم الرسمي إلى أربعة، وتمديد الحصة إلى خمسين دقيقة بدل خمس وأربعين.
بين من يراه مخرجاً اضطرارياً لتخفيف الأعباء المالية، ومن يعتبره ضربة لمستقبل التلامذة وقيمة الشهادة اللبنانية، يتأرجح الرأي العام بين الضرورة والكارثة.
فالمؤيّدون يرون أن الأزمة الاقتصادية لا تسمح بتمويل دوام كامل، وأن الحل المؤقت أفضل من انهيار العام الدراسي، فيما يؤكد المعارضون أن زيادة الدقائق لا تعوّض فقدان الأيام، وأن تلميذاً مثقلاً بثماني حصص لن يتعلّم أكثر مما يتعلّمه في نظام أقصر وأكثر توازناً.
وتتوزع الاعتراضات بين تربويين يعتبرون أن تقليص يوم كامل يضعف جودة التعليم ويهدّد استكمال المناهج، وأهالٍ يرون فيه خللاً في تنظيم الحياة وصعوبة في رعاية الأطفال خلال يوم العطلة الإضافي، وخبراء يحذّرون من أن الحل المؤقت قد يتحوّل إلى “تكيّف قسري” يكرّس تآكل التعليم الرسمي، فيما يؤكد آخرون أن انعكاساته ستشمل النظام التربوي برمّته، مفاقمةً الفوارق بين الرسمي والخاص، ومبرزةً الحاجة إلى عدالة تعليمية تضمن تكافؤ الفرص بين جميع التلامذة.
خلف هذه السجالات يبرز سؤال جوهري: هل تُقاس فاعلية التعليم بعدد الأيام وطول الحصة، أم أنّ المشكلة في مناهج وُضعت عام 1997 ولم تعد صالحة لإعداد مواطن رقمي وناقد في عالم متغيّر؟ وهل يكفي تعديل الجداول الزمنية لإنقاذ مدرسة بلا محتوى عصري، أم أنّ المطلوب إصلاح شامل يشمل المناهج والتدريب والحوكمة؟
صحيح أن تقليص الدوام إلى أربعة أيام يثير مخاوف من اتساع الفاقد التعليميّ والنمائيّ، خصوصًا في المواد الإجرائية كالرياضة والمعلوماتية والفنون، لكن جوهر الأزمة أعمق: غياب خطة وطنية لتعويض الفاقد المتراكم منذ الإضرابات وجائحة كورونا والحرب.
أما الفرق بين 32 و35 حصة أسبوعياً فلا يعالج فجوة بهذا الحجم. فالمسألة نوعية لا حسابية: قد يقضي الطالب 35 حصة محدودة الأثر إذا استمر المنهج تقليدياً، فيما تحقق 32 حصة نتائج أفضل إذا أُدرجت ضمن خطة حديثة ومرنة.
أما الاعتقاد بأن تقليص أيام التعليم يُعوَّض بزيادة زمن الحصة إلى خمسين دقيقة فمجرد وهمٍ حسابي.
فالفاعلية التربوية لا تُقاس بمجموع الساعات، بل بنوعية ما يُقدَّم وكيفيّة تلقيه. وحتى لو ارتفع عدد الأيام إلى ستة أو مُدّدت الحصة إلى ساعة كاملة، سيبقى الناتج ضعيفاً ما دام الطالب يتعلّم بمنهج تجاوزه الزمن ولم يخضع منذ أكثر من ربع قرن لأي مراجعة تواكب التطورات.
وتُظهر التجارب الدولية أن الجودة تقوم على أربع ركائز: تحديث المناهج، تدريب المعلمين، اعتماد طرائق تدريس نشطة تحفّز التفكير النقدي والتعلّم الذاتي، وتوفير بيئة مدرسية داعمة للإبداع لا للتلقين.
المناهج في لبنان ما زالت تُدرَّس بعقلية التكديس المعلوماتي، في وقت يتّجه العالم إلى تنمية المهارات التحليلية والتفكير النقدي والابتكار الرقمي. والتجارب الدولية شاهدة: ففي فنلندا، التي تتصدّر مؤشرات التعليم، تقلّ ساعات التدريس مقارنة بلبنان، لكن النتائج أفضل بكثير بفضل التعلّم النشط والمشاريع التطبيقية والمناهج التفاعلية التي تزوّد الطالب بمهارات القرن الحادي والعشرين.
وفي سنغافورة، جعل التركيز على المهارات الرقمية والتفكير النقدي خريجيها من الأكثر تنافسية عالميًا.
في المقابل، يمكن للبنان أن يضاعف الأيام ويطيل الحصص من دون أن يحقق فارقًا ملموسًا، ما دامت بنيته التربوية ما زالت عالقة في قوالب قديمة.
وتُظهر نتائج PISA 2022 حجم الفجوة بوضوح: فقد سجّل طلاب لبنان معدلات متدنية بلغت 399 في الرياضيات، 375 في القراءة، و396 في العلوم، مقابل متوسط دول OECD البالغ 472، 476، و485 بالتوالي.
كما تبيّن مقارنة ساعات التدريس أن الجودة لا ترتبط بالكمّ بل بالنوعية؛ ففي فنلندا لا يتجاوز التزام المعلّم 595 ساعة سنويًا (أقل من متوسط OECD البالغ 706 ساعات)، ومع ذلك يحقق النظام نتائج متقدمة.
أما في لبنان، حيث يبلغ الالتزام نحو 750–800 ساعة سنويًا، فإن الأداء يبقى من بين الأدنى عالميًا، ما يؤكد أن معيار النجاح ليس في كثرة الساعات، بل في حداثة المناهج، وفاعلية أساليب التدريس، وملاءمة البيئة التربوية.
هذا ما تؤكده النظريات التربوية الكبرى. فقد شدّد جون ديوي (John Dewey) في نظرية التعلّم بالخبرة على أن التعليم الفعّال يقوم على ربط المعرفة بخبرات الحياة الواقعية لا على تكديس معلومات منفصلة عن سياقها.
وأوضح جان بياجيه (Jean Piaget) في نظرية النمو المعرفي أن الطفل يتعلّم بفاعلية حين يُتاح له التفاعل والاكتشاف، لا عبر حصص تلقينية مطوّلة تُنهكه أكثر مما تُنمّي قدراته.
وبدوره قدّم باولو فريري (Paulo Freire) نقده الشهير لـ التعليم البنكي، محذّراً من اختزال الطالب في وعاء يُملأ بالمعلومات، وداعياً إلى تحويل الصف إلى مساحة حوار تعزّز التفكير النقدي.
ويُضاف إلى ذلك هوارد غاردنر (Howard Gardner) في نظرية الذكاءات المتعددة التي أكّدت أن التعليم يفشل حين يتجاهل تنوّع القدرات الإنسانية، من المنطقية والرياضية إلى الفنية والاجتماعية.
وتكشف هذه المرجعيات أن النقاش اللبناني حول إطالة الحصة من 45 إلى 50 دقيقة يبقى نقاشًا شكليًا، ما دام الطالب يتعلّم بمحتوى متقادم لا يواكب تحديات الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة.
فالامتحانات ما زالت تقيس الحفظ بدل التفكير، والأنشطة العملية والثقافية والفنية تُعامل ككماليات، ليجد التلميذ نفسه محصورًا في صف ضيّق يتلقّى مادة جامدة لا صلة لها ببيئته الرقمية المفتوحة ولا بمتطلبات سوق العمل.
من منظور علم النفس التربوي، تشير الأبحاث أن معدّل الانتباه الفعّال لدى الطلاب يتراوح بين 30 و40 دقيقة فقط، وهو ما تؤكده دراسة [Using deliberate mistakes to heighten student attention (JUTLP, 2021)] التي بيّنت أن التركيز يبدأ بالتراجع بعد عشر دقائق في بعض المواقف التعليمية.
وعليه، فإن حصة من خمسين دقيقة، ولا سيما إذا جاءت في نهاية يوم دراسي طويل، قد تتحوّل من فرصة للتعلّم إلى عبء مرهق.
أما على صعيد العدالة التربوية، فالمفارقة صارخة: طلاب لبنان ما زالوا يدرسون بمناهج من القرن الماضي، في حين يتعلّم أقرانهم في فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية ضمن مناهج حديثة تدمج التفكير النقدي، التعاون، والمهارات الرقمية عبر التعلّم القائم على المشروعات، بما يؤهلهم لمتطلبات اقتصاد المعرفة.
وبينما يشدد التربويون عالميًا على أن العدالة تتحقق بتكافؤ الفرص وتمكين القدرات، يعيش التعليم الرسمي اللبناني تناقضًا صارخًا: شعارات عن الفكر والإبداع تُرفع في المناسبات، بينما الممارسة الفعلية تظل أسيرة التلقين، بعيدة عن التفكير النقدي وعن الذكاءات المتعددة، محرومة من أبسط مقومات التربية الحديثة.
من هنا يتبيّن أن الجدل حول أربعة أيام أو خمسة لا يلامس جوهر الأزمة.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ بـ مراجعة جذرية للمناهج وإدماج مهارات التفكير النقدي والابتكار والمهارات الرقمية، تليه إعادة الاعتبار للمعلم عبر تدريب مهني مستمر وتحسين أوضاعه المعيشية بوصفه حجر الزاوية في العملية التعليمية. كما يتطلّب اعتماد طرائق تدريس نشطة قائمة على التفاعل والمشاريع التطبيقية بدل الحفظ والتلقين، إلى جانب خطة وطنية لتعويض الفاقد التعليمي تراعي تفاوت المستويات بين الطلاب وتستفيد من الأدوات التكنولوجية المساندة.
وأخيرًا، لا بد من تجديد البنية التحتية وتجهيز المدارس بما يتلاءم مع متطلبات عصر الرقمنة. من دون هذه الخطوات المتكاملة، سيبقى النقاش حول طول الحصة وعدد الأيام تفصيلًا شكليًا يخفي جرحًا تربويًا عميقًا.
إنّ الانغماس في سجالٍ حول أربعة أيام أو خمسة ليس سوى هروبٍ إلى الأمام. فالمدرسة الرسمية لا تنهار بسبب قلّة الدقائق، بل بفعل مناهج متقادمة تجاوزها الزمن، ومعلمين يرزحون تحت ظروف معيشية قاسية بلا ضمانات عادلة، وغياب دعم جدي، وتدخّل سياسي مزمن في شؤونها وتعييناتها، إضافة إلى انهيار البنى التحتية وافتقارها إلى التجهيزات الأساسية.
جوهر الأزمة لا يكمن في طول الحصة ولا في عدد الأيام، بل في مضمون ما يُقدَّم داخل الصف، وفي غياب إرادة سياسية شجاعة تضع تحديث المناهج في صدارة الأولويات وتعيد للتعليم هيبته وفاعليته.
ومن هنا، تتكاثر الأسئلة المصيرية: هل تكون المناهج المرتقبة بداية الإصلاح الجذري الذي طال انتظاره؟ وهل يتحوّل الصف اللبناني من غرفة تلقين خانقة إلى فضاء حيّ يُنمّي مهارات القرن الحادي والعشرين؟ متى نعيد الاعتبار للمعلم عبر تدريب مستمر وضمانات تصون كرامته؟ متى نضع خطة وطنية لتعويض الفاقد التعليمي المتراكم منذ سنوات الأزمات؟ متى نتصدّى للتدخلات السياسية التي حوّلت المدرسة الرسمية إلى ساحة محاصصة بدل أن تكون مؤسسة للوطن كله؟ متى نوفّر تمويلاً عادلاً ومستداماً بدل الاتكال على مبادرات متقطّعة ودعم خارجي هش؟ متى نضمن عدالة تربوية حقيقية تكفل تكافؤ الفرص بين طالب في مدرسة رسمية متهالكة وآخر في مدرسة خاصة مجهّزة؟ وأخيرًا، هل نبقى نُهدر الوقت في نقاشات شكلية بينما جيلٌ كامل يُساق إلى المجهول في دوامة الأزمات؟
د.ماجد جابر- الديار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



