اخبار اقليمية

«غوغل» تبيع روحها لنتنياهو

في رواية 1984 للكاتب جورج أورويل، فرضت السلطة حقيقة واحدة عبر الشاشات، وكررت الأكاذيب حتى صارت بديلاً من الواقع. شاهد الناس صوراً مزوّرة وأرقاماً مختلقة، بينما تلاشت الحقيقة تحت ضجيج الدعاية.

اليوم تحاول «إسرائيل» تكرار المشهد في غزة: يفرض الاحتلال حصاراً شاملاً، يقطع الغذاء والدواء والوقود. بعد ذلك يستخدم منصات التكنولوجيا الكبرى مثل «غوغل» و«يوتيوب» لتضخيم روايته الرسمية، عبر عقد قيمته 45 مليون دولار وُقِّع في أواخر حزيران (يونيو) 2025 مع مكتب نتنياهو، حصل عليه موقع «دروب سايت نيوز». يمتد العقد لمدة ستة أشهر، ويصف الحملة صراحة بأنها «هاسبارا»، أي بروباغندا إسرائيلية.

«غوغل» ذراع الاحتلال الرقمية

وصف العقد «غوغل» بأنها «الجهة الرئيسية» التي تدعم سردية الاحتلال. أكدت الوثائق أنّ الشركة شاركت مباشرة في صياغة المحتوى الدعائي نفسه وتوجيهه.

وأظهرت البنود أنّ مكتب نتنياهو اعتمد على «غوغل» لتحديد الفئات المستهدفة من الناس بالدعاية وضمان انتشار واسع للحملة. بيّنت العقود أنّ الهدف المركزي يتمثل في تضخيم رواية الاحتلال وإنكار جرائمه. ركّز المحتوى على نفي المجاعة، وتشويه تقارير الأمم المتحدة، ومهاجمة المؤسسات الحقوقية.

شملت الوثائق أيضاً حملة لتبرير عملية «الأسد الصاعد» ضد إيران. ظهرت إعلانات تصوّر القصف عملاً مشروعاً لأمن «إسرائيل». ومع هذه البنود، تحولت الشركة من منصة إعلانية إلى ذراع رقمية في خدمة الاحتلال. بدايةً، انتشرت الدعاية عبر الهواتف والمواقع والمؤثرين. ثم استحوذت «غوغل» و«يوتيوب» على الحصة الأكبر من التمويل.

بعد ذلك، ظهر فيديو رسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية على «يوتيوب» يقول: «هناك طعام في غزة»، وشاهده أكثر من ستة ملايين إنسان. نُشر الفيديو في أواخر آب (أغسطس) 2025، وكان جزءاً أساسياً من الحملة.

رافقت هذه الحملة إنفاقات على منصات أخرى مثل «إكس»، وعلى منصات الإعلان المموّه Outbrain وTeads التي تدمج الدعاية داخل المقالات والفيديوهات الإخبارية. بلغت قيمة الإنفاق حوالى 3 ملايين دولار عبر «إكس»، وحوالى 2.1 مليون دولار لـ Outbrain/Teads.

تجويع موثّق ودعاية تنكره

مات مئات الفلسطينيين جوعاً، بينهم عشرات الأطفال، فيما أعلنت وزارة الصحة في غزة أن سياسة التجويع الإسرائيلية حصدت 367 إنساناً، بينهم 131 طفلاً حتى الآن. أعلنت الأمم المتحدة رسمياً وقوع مجاعة في محافظة غزة، وتوقعت هيئة التصنيف المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أن يتجاوز الوضع العتبة في دير البلح وخان يونس، فيما حذّر مكتب «أوتشا» من «انحدار نحو مجاعة كبرى».

تحركت الحكومة الإسرائيلية أيضاً ضد الأونروا. استخدمت إعلانات «غوغل» لتشويه الوكالة واتهامها بعرقلة المساعدات. بعد ذلك، روّجت بدائل مرتبطة بالاحتلال لتظهر كأنّها منظمات إنسانية.

استهدفت الحملة أيضاً مؤسسات حقوقية مثل «هند رجب». نشرت الحكومة الإسرائيلية تقارير تصف المؤسسة بالتطرف. بعدها، تحولت هذه التقارير إلى إعلانات ممولة. ومع كل هذا، خرج وزراء إسرائيليون يشرحون أن التجويع وسيلة ضغط شرعية، وأن على السكان إما أن يرحلوا أو يموتوا. فأي بروباغندا بعد ذلك تقنع العالم أن غزة لا تجوع؟

موقف «غوغل»

ردّ المؤسس المشارك لشركة «غوغل»، سيرغي برين، في الخامس من تموز (يوليو) على نقاش داخلي داخل الشركة. تسرّبت مداخلته من منصة النقاش الداخلية إلى الصحافة، فكشفت مضمونها للرأي العام. وصف برين الأمم المتحدة بأنها «معادية للسامية» بعد تقرير للمقررة الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي.

اتهم التقرير «غوغل» و«آمازون» بتحقيق أرباح من «الإبادة في غزة» عبر عقود سحابية مع الحكومة الإسرائيلية. أوضح أن «غوغل» شريكة في مشروع «نيمبوس» الموقَّع عام 2021 لتزويد «جيش» الاحتلال بخدمات حوسبة وذكاء اصطناعي وتحليل صور ومعالجة بيانات ضد الفلسطينيين. واجه المشروع احتجاجات واسعة من موظفي الشركتين عند توقيعه، لكنه استمر قيد التنفيذ.

كشف الربط بين المشروع وعقد الإعلانات مع مكتب نتنياهو أن الشركة تعمل في مسارين متوازيين: تضخيم الدعاية عبر المنصات، وتقديم بنية تقنية تدعم القصف والحصار. ومع هذه المعطيات، صار انخراط «غوغل» في الحرب مباشراً وموثقاً. مع كل هذه الوقائع، فقدت «غوغل» صفة الشركة التقنية المحايدة، وصارت طرفاً مركزياً في منظومة إبادة جماعية. تحولت أدواتها من محركات بحث ومنصات فيديو إلى أسلحة ناعمة، توازي الصواريخ في أثرها.

علي عواد – الأخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى