مقالات
لقاء فلوريدا وسجن التماسيح
يأتي اللقاء السادس بين نتنياهو وترامب في فلوريدا تتويجاً لسلسلة من اللقاءات الحميمة على وقع الحروب الإسرائيلية الأميركية في الشرق الأوسط؛ لقاءات يراد منها ابتلاع القوى الحية في أمتنا، في وقت تسيطر عقلية الابتلاع على صانع القرار السياسي في البيت الأبيض، وهو يتحرش بالجارة فنزويلا، ويهدد إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية، ويستقبل نتنياهو باعتباره العصا الغليظة التي تفتك بالعدو المشترك، ليخططا معاً مستقبل المنطقة.
وقد حوّل هذا التحالف المشترك حياتها بما يشبه مستنقع ألكاتراز في فلوريدا الذي يغص بالتماسيح، وهي تحيط المهاجرين غير الشرعيين بعد اعتقالهم.
سبق لترامب أن تفاخر بقرب إنجاز هذا السجن في فلوريدا، وخصوصاً أنه محمي بالتماسيح، وهو ما شجع المسمى وزيراً للأمن القومي في الكيان الإسرائيلي بن غفير على الإعلان عن خطط افتتاح سجن إسرائيلي محاط بالتماسيح اقتداء بالتجربة الأميركية، وهو المهووس بإنتاج أساليب جديدة في تعذيب الأسرى الفلسطينيين.
ما بين لقاء فلوريدا بين نتنياهو وترامب لوضع خطط الفتك بهذه الأمة، وما بين سجن تم إنجازه وآخر يتم التخطيط لإنجازه، تبرز سياسة التمساح وقد صار رمزاً عالمياً في مواجهة الإنسان، سواء كان مكسيكياً يبحث عن فرصة عمل في أرض الجارة، أو كان فلسطينياً ينشد حريته فوق أرضه. يأتي هذا اللقاء صريحاً حد الوقاحة في رسم مستقبلنا وفق الأجندة الإسرائيلية على مقاس نتنياهو.
لم يتفق نتنياهو وترامب على وضع الضفة الغربية 100% في ظل تصاعد عدوان المستوطنين وجرائم جيش الاحتلال، كما لم يتفق الطرفان على الدور التركي في غزة، ولا على طبيعة العلاقة مع النظام الجديد في سوريا، ولكنهما متفقان تماماً على نزع سلاح حماس وحزب الله والتصدي لبرامج إيران الصاروخية، وليس فقط النووية، وهو اتفاق صريح في مواصلة الحرب على المنطقة، وهذه المرة بغطرسة التمساح وثقافة الابتلاع، والأخطر بسماكة جلد العقل الإسرائيلي الأميركي، الذي لا يأبه لمظلومية الشعب الفلسطيني، فمنذ متى يرى التمساح بعينيه الواسعتين غير ما يريد التهامه؟
سخر الإعلام الإسرائيلي من خطط بن غفير لإنشاء سجن التماسيح، وهو العاجز حتى عن فهم سياقات (التمسحة) الأميركية، وهي تتفتق عن تحويل المستنقعات إلى سجون يتم فيها حشر كل مهاجر يخترق الجدار الأميركي الشاهق الذي يبنيه ترامب لحماية أميركا من جيرانها، بينما الحال في فلسطين أن سجون بن غفير تحولت إلى مسالخ تعذيب على يد فرق أمنية خاصة.
فما الجديد الذي يمكن إضافته عبر التماسيح، وهي في أميركا تغص بالمستنقعات، بينما في فلسطين يراد أن يتم استجلابها كما تم استجلاب ملايين المستوطنين عبر أصقاع الأرض، لتقوم هذه التماسيح بحمايتهم من أسير في يديه قيد صناعة أميركية، وفي رجليه قيد صناعة بريطانية.
يكثف مقترح بن غفير حول سجن التماسيح آفاق لقاء فلوريدا وخلفيته النفسية التي ينطلق منها، وكأن العالم رقعة شطرنج يتم تحريك قطعه وابتلاع مقدراته دون أدنى اكتراث بهذا المهاجر الذي دخل أميركا يغسل صحون مطاعمها وينظف قذارة شوارعها.
وفجأة، يعتبره ترامب مجرد تاجر مخدرات يستحق القصف من الجو في عمق المحيط، وليس له ذنب إلا أنه كائن من شعب فقير تحت وطأة العولمة الأميركية الغربية وهي تقتات على لحمه الطريّ في تقوية عضلات بطشها.
سرعة اتفاق الرجلين على قضايا اللقاء، وكلها غير ثنائية، فقد اتفقوا على ثلاث قضايا من أصل خمس خلال بضع دقائق وفق ما قال ترامب معبراً عن سعادته بمستوى الانسجام، ولماذا يختلفان ما دامت مجمل القضايا غير ثنائية؟ فما من شيء داخل الولايات المتحدة أو داخل الكيان الإسرائيلي يبحثانه أصلاً ليختلفا بخصوصه، وخلافهما حول الشرع وإردوغان، لخصها ترامب بجملة مكثفة: “إردوغان يستحق ثناءً كبيراً على مساعدته إسرائيل في التخلص من نظام كان يعمل ضدها في سوريا”.
لذا، يقيم هناك الداهية العجوز توم برّاك ليعيد صياغة عقارب الساعة الشامية وفق المصالح الإسرائيلية العميقة، لكن نتنياهو في عجلة من أمره، فهو يريد تعبيد ممر داوود كتمساح يندفع مسرعاً نحو فريسته، ليستفيد من إنجاز كهذا في الانتخابات القادمة في حزيران أو أكتوبر.
ترى كيف يتوقع لهذا اللقاء الأميركي الإسرائيلي أن تكون لمساته الأخيرة؟ وأين سيتم الإعلان عن نتائج اللقاء؟ هل يمكن لخيال ترامب أن يشطح ليقوم بدعوة نتنياهو لزيارة سجن التماسيح في فلوريدا، فهو ليس بعيداً أصلاً عن مكان انعقاد اللقاء الثنائي؟
أو يعلن دعمه لفكرة بن غفير، وخصوصاً أن ترامب عبر عن سعادته بنيل جائزة إسرائيل للسلام، والمقدمة من وزير التعليم الإسرائيلي، والتي لأجلها سيزور دولة الكيان في عيد استقلالها للحصول عليها!
يُفضّل التمساح الأميركي بالعادة الاختباء وانتظار مرور فرائسه. وما إن يصل إليها حتى ينقضّ عليها ويمسكها، مُحكماً قبضته عليها، ثم يسحبها تحت الماء، ويكسر عظام ساقيها وكاحليها، ويلفّها حول نفسها ليمزق أطرافها.
بعد ذلك، يمسك بالمناطق الحيوية الأخرى كالرأس أو الرقبة، ويُنهي الأمر بعضّته القوية، وقد يذرف الدموع حين يلتهمها، وخصوصاً إذا كانت كبيرة جداً، ويرجع ذلك إلى أن فتح الفكين بالكامل يضغط على الغدد الدمعية، ما يؤدي إلى إفراز الدموع، هذه الظاهرة ليست تعبيراً عن مشاعر أو ندم، بل هي استجابة بيولوجية طبيعية.
تحاكي سياسة ترامب الصريحة في جانب، والمخادعة في جانب آخر، ما يسمى في أميركا بـ”لفة التمساح”.
قليل من الدموع مع حركة استدارة، تشبه تصريحاته عن إعمار غزة وتخفيف التوتر في الضفة والتفاوض مع إيران، فيما هو يقتات على عظام غزة ويخادع إيران وعينه مع نتنياهو ترقب فرائسه لينقض عليها ويلفها حول نفسها ليمزقها، فهل ينجح في ذلك ليتم الإعلان عن قبر المواثيق الدولية بشكل نهائي ساخر؟
محمد جرادات – الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



