مقالات

الجيش بين الولاء للوطن والطاعة للسلطة

الجيش، في تعريفه الأصيل، هو جيش الشعب والوطن، وليس أداة طيّعة في يد السلطة السياسية.

وظيفته الحماية والدفاع، لا أن يتحوّل إلى عصا غليظة تضرب المجتمع إذا ارتأت حكومة مطعون في شرعيتها ودستوريتها أن تزجّه في مواجهة أبناء بلده.

فالجيش، منذ تأسيسه، لم يكن ليبقى صامداً لولا تلاحمه مع بيئته الشعبية. وكل محاولة لخلع هذه الصلة العضوية بينه وبين الناس تعني تحويله من مؤسسة وطنية جامعة إلى طرف في صراع داخلي يهدد وحدة البلاد.

لقد أثبت التاريخ اللبناني القريب أن السلطة السياسية ليست معصومة عن الخطأ ولا محصّنة من الارتباك.

فقد سبق لحكومة أن تراجعت عن قرار يتعلّق بالتوقيت الصيفي لمجرّد أن طائفة كبرى اعترضت عليه، فما بالنا اليوم أمام قرار أخطر وأفدح يطال الدماء والسلم الأهلي ومصير الوطن؟ إذا كانت هذه الحكومة وجدت نفسها مضطرة إلى تعديل قرار إداري تقني استجابة لاعتراض مذهبي، فكيف تجرؤ على الإصرار على قرار يقذف الجيش في مواجهة طائفة كبرى من اللبنانيين، بما ينذر بحرب أهلية شاملة؟

المسؤولية الملقاة على قائد الجيش

في هذا المنعطف الخطير، تقع على عاتق قائد الجيش مسؤولية وطنية كبرى. فهو أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يطيع قرار حكومة غير شرعية وغير دستورية، فيفتح أبواب الحرب الأهلية، وإما أن يصون الجيش الذي اؤتمن عليه، ويحمي الوطن والمواطنين من انزلاق قاتل.

قائد الجيش ليس موظفاً مأموراً، بل هو قائد وطني يختزن في يمينه العسكري القسم الذي أدّاه: الدفاع عن الوطن والشعب والدولة.

إن تنفيذ قرار متهوّر لحكومة حمقاء، كما يبدو، لا يدخل في صلب هذا القسم. فالقسم ليس التزاماً بالطاعة العمياء للسلطة، بل التزام بالذود عن سيادة البلد وسلامة أرضه ووحدة مجتمعه.

وإذا كان القسم يقضي بحماية الوطن، فإنّ أولوية القائد العسكرية والأخلاقية تكمن في منع الانجرار إلى حرب أهلية مدمّرة، لا في تنفيذ أوامر مشبوهة تملى من الخارج.

التناقض الفاضح في سلوك الحكومة

ما يثير الذهول أنّ هذه الحكومة تتهرّب من واجبها الأساسي: الدفاع عن الوطن ضد العدوان الإسرائيلي.

تلوّح بالحرص على الجيش عندما يتعلّق الأمر بالتصدي للعدوان، وكأنها تحاول إبقاءه على الهامش، ولكنها في المقابل لا تجد أي غضاضة في زجّه في قتال داخلي ضد أبناء الوطن أنفسهم. أي منطق أعوج هذا؟

أليس الدفاع عن الوطن ضد عدو خارجي أولى من الدخول في صراع داخلي يفتك بالبلاد من داخلها؟
إنها مفارقة صادمة تكشف ازدواجية المعايير التي تتحكم في عقل هذه السلطة: تخشى من مواجهة إسرائيل بحجة الحفاظ على الجيش، بينما تسعى إلى توريطه في مواجهة شعبه من دون أي تردّد.

ما أشبه هذا السلوك بمن يحمي العدو ويتغاضى عن خطره، ثم يوجّه سلاحه إلى صدر أخيه.

الجيش أمانة في يد قائده

إن الجيش اللبناني ليس ملكاً لحكومة عابرة ولا رهينة لمبعوث أجنبي. هو مؤسسة وطنية جامعة، أمانة في يد قائده، ومستودع الثقة الأخيرة للشعب.

ومتى فقد هذه الصلة، صار جسداً بلا روح. لذلك، على قائد الجيش أن يتذكر أن تاريخه العسكري ومكانته الوطنية لا يقاسان بعدد الأوامر التي يطيعها، بل بقدرته على إنقاذ بلده من الانزلاق إلى الاحتراب الأهلي.

القرار اليوم ليس قراراً إدارياً ولا إجراءً روتينياً، بل خيار مصيري: إما أن يكون الجيش صمام أمان للبنان، أو أن يتحول إلى أداة فتنة وحرب. على القائد أن يزن كلماته وخطواته بميزان الوطن لا بميزان السلطة، فالتاريخ لا يرحم من أسهم في إراقة دماء الأبرياء، والشعب لا يغفر لمن خان قسمه.

الخاتمة: اليمين العسكري والواجب الوطني

إن المهمة الملقاة على قائد الجيش اليوم واضحة: حماية الوطن والشعب والدولة، لا تنفيذ قرار أخرق لحكومة حمقاء. كل المؤشرات تقول إن أي انصياع أعمى لقرار غير شرعي سيضع الجيش في مواجهة مع طوائف كبرى، ويعيد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية التي دفع لبنان أثمانها الباهظة.

وعليه، فإن الموقف الذي ينتظره اللبنانيون ليس طاعة لحكومة تعمل بأوامر الخارج، بل قرار تاريخي ينقذ البلاد من شرور الانقسام والاقتتال.

قائد الجيش، بصفته رأس المؤسسة العسكرية، مدعو إلى أن يثبت أن يمينه لم يكن كلاماً عابراً، بل عهداً وطنياً راسخاً: الدفاع عن الوطن، الشعب، والدولة. هذه هي الشرعية الحقيقية، أما قرارات الحكومات الفاقدة للشرعية والدستورية، فمصيرها السقوط مهما طال الزمن.

هامش: من معاني رودولف صاحب المجد، فليكن حامل الاسم مجيداً.

كريم حداد-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى