مقالات
لبنان بين الصمود الميداني وضعف التثمين السياسي

ألقى الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون خطاباً، إثر اعلان وقف إطلاق النار المؤقت، ضمّنه عدة رسائل للداخل والخارج وتخللته صياغات إيجابية -خاصة ما تعلق بالاستعداد للتفاوض- ونبرة توحي بالعزم على تغيير وجهة لبنان “لما هو أحسن”.
هذه الإيجابية لم تمنع المتتبعين من الوقوف على رسائل أخرى قد تُعقِّد الوضع الداخلي اللبناني، الذي يعاني أصلاً من انقسام حاد، بسبب التباين إلى حد التخوين في تصنيف الحليف والعدو، وفي تصورات الحل للأزمات المتعددة القائمة.
ويرى المنتقدون، أنه بعد ملحمة بطولية خاضتها المقاومة اللبنانية، وما قدمه الشعب اللبناني من كل طوائفه من تضحيات، افترضت القوى الحية بالداخل وأحرار العالم صدور إشارة من رأس السلطة تعكس تقديراً لهذا الصمود وتسهم في التجميع تحت راية التصدي للعدو، لكن العكس تحقق من خلال عبارة “من يغامر بحياة اللبنانيين”، وكأنما الرد على الاعتداء أصبح مغامرة.
الخطاب أشار إلى “الشعارات المضللة والموت العبثي المرتبط بقضايا خارجية، وبنفوذ الدول البعيدة”؛ ويعكس هذا التوصيف في نظر الكثيرين حالة نكران تُغيّب فعل الاحتلال وإرادة التوسع ومشروع “إسرائيل الكبرى” المسنود من الولايات المتحدة الأميركية -الدولة البعيدة- المموِلة والداعمة بالسلاح والذخيرة والغطاء السياسي للكيان المحتل.
ذروة الإجحاف في حق الشهداء والمضحّين، اعتبارُ عقيدة القتال والمقاومة “غريزة انتحار”؛ وقد تبقى هذه العبارة الوقود الأبدي للحجاج والخصومة في الساحة السياسية اللبنانية.
واعتباراً لكثرة التحاليل التي تُركّز على تحديات الواقع السياسي اللبناني الداخلي وتشعب الارتباط الخارجي لمختلف الفاعلين السياسيين، سنحاول التركيز في هذه القراءة على علاقة لبنان بإيران، كعقدة مفصلية في الخلاف القائم بين فريقين متقابلين، الأول يضم الثنائي الشيعي وأنصارهما في جبهة وطنية عابرة للطوائف، والآخر يضم “المارونية السياسية الجَعجعيّة” وقسماً من السنة، التي تزاوج بين الولاء للملكة العربية السعودية والارتباط بدمشق، كعنوان جديد يرتبط بإرادة تأبيد الخلاف الأموي الطّالبي.
وتُقدَّم العلاقة بين إيران ولبنان في كثير من الخطابات السياسية المعاصرة، خصوصًا داخل بعض الأوساط المسيحية والسنية في لبنان، بوصفها علاقة اختزالية تقوم على “تدخل إيراني” في الشأن اللبناني عبر قوى محلية حليفة. هذا الطرح، رغم احتوائه على عناصر واقعية تدعمه، يشوبه التبسيط ويفتقر إلى العمق المطلوب لتفسير التعقيد البنيوي في ارتباط شيعة لبنان بإيران. فالعلاقة تاريخية وتتداخل فيها الأبعاد الدينية والسياسية والجيوسياسية، بشكل يصعب فصله أو اختزاله في بعد واحد.
الترابط لا يمكن ردّه ببساطة إلى إرادة دولة حديثة (إيران) ساعية إلى التمدد، بقدر ما هو نتاج تراكم طويل من التفاعلات التي سبقت نشوء الدول الحديثة نفسها، ويعود إلى أسس قيام الدولة الصفوية نفسها، وتعزز هياكلها منذ نصف ألفيّة.
لقد لعبت البيئة العلمية في جبل عامل (الجنوب اللبناني) دورًا بارزًا في التاريخ الشيعي، خصوصًا منذ العصر الصفوي، حيث أسهم علماؤها في بناء وتثبيت المؤسسات الدينية في إيران، وهو ما أرسى نوعًا من التواصل المعرفي والفقهي بين المنطقتين.
هذا التواصل لم يكن في بداياته ذا طابع سياسي، بل كان قائمًا على تبادل علمي مذهبي، الأمر الذي يجعل العلاقة بين إيران وشيعة لبنان أقدم من الدولة الوطنية في البلدين، وأعمق من أن تُختزل في سياق سياسي راهن.
ومع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، انتقلت هذه العلاقة إلى مستوى جديد، إذ تحولت من رابطة ثقافية-دينية إلى تفاعل سياسي واستراتيجي واضح، حيث تبنّت إيران خطابًا يتجاوز حدودها الوطنية، وقدّمت نفسها طرفاً داعماً لقضايا إقليمية، تدور حول التحرير والصراع مع “إسرائيل”. وإيران من منظور جيوسياسي ومن منطلق حتميات ثوابت أمنها القومي محكوم عليها بالصراع مع “إسرائيل” كي تضمن وزنها الإقليمي وحضورها الدولي؛ لأن خلاف ذلك يُحتّم ارتدادها الى وضعها الوظيفي -لما قبل الثورة- داخل ما تعتبره الطبقة الإيرانية الحاكمة “منظومة الاستكبار الإمبريالية الصهيونية”.
في هذا السياق، يبرز لبنان ليس كساحة نفوذ أحادي الاتجاه، بل كبيئة تفاعل مركّبة، حيث استفادت قوى محلية، وعلى رأسها ما يُعرف بالثنائي الشيعي، من الدعم الإيراني لتعزيز موقعها داخل نظام سياسي طائفي معقد، تعتبران أنه كان مجحفاً في حقها تاريخياً.
وأسهمت هذه القوى بدورها في بلورة جزء من ديناميكيات ما يُسمى محور المقاومة كضامن لفاعلية “الدفاع عبر الأطراف” في عقيدة الردع الإيرانية. بذلك، لا يكون لبنان مجرد متلقٍ أو تابع للنفوذ الإيراني، بل يصبح أيضًا مساهمًا في تكييفه وإعادة إنتاجه وتفعيله وفق خصوصياته الداخلية. واستفادة الدولة اللبنانية من قدرات إيران في الدفاع عن سلامته الترابية أمر حاصل ومتكرر، بقطع النظر عن الإطار والآليات.
في المقابل، تتبنى شرائح من النخبة السياسية اللبنانية، خاصة تلك القريبة من الغرب ومما يصنف “أنظمة السنة البترودولاريّة”، سردية ترى في هذا الدور الإيراني تهديدًا لسيادة الدولة، وعاملًا يدفع لبنان إلى مواجهات إقليمية لا تخدم استقراره، ما يفسر ميل هذه القوى إلى خيارات تفاوضية مع “إسرائيل” ورفضها العلني للدعم الإيراني؛ ولو بكلفة سيادية عالية، تصل إلى الاستعداد لتلزيم جزء من التراب الوطني لـ”إسرائيل”، والقبول بسيناريوهات ديمغرافية قد تغير وضع ملايين اللبنانيين.
والتحليل بعقل بارد، قد يوصلنا إلى أن كلا الفريقين بحاجة إلى تدوير الزوايا؛ فالكتلة الأولى القريبة من إيران قد تُغفل تواصليّا مراعاة تعقيدات التوازنات الداخلية اللبنانية ومخاوف بعض الطوائف، عندما تفعّل الورقة الإيرانية كرافعة لدورها السياسي الداخلي؛ والثانية تختزل العلاقة في بعدها الخارجي متجاهلة جذورها التاريخية والبُنى المحلية التي تأسست عليها.
والحال أن فهم هذه العلاقة يقتضي النظر إليها كنتاج تداخل بين تاريخ ديني مشترك، وبنية طائفية داخلية، ومصالح سياسية متغيرة، وصراعات إقليمية مفتوحة.
وتبرز القضية الفلسطينية هنا كعامل جامع ومعقّد في آن واحد، لا بسبب امتداد جغرافي تاريخي مباشر، بل لما تحمله من رمزية مركزية في الخطاب السياسي والأيديولوجي، سواء في إيران أم لدى القوى المتحالفة معها في لبنان، والتي تتجاوز الفضاء الشيعي لتضم مسيحيين ودروزاً وسنة.
وفي سياق محاولة تفسير أعمق لهذه العلاقة، تظهر أحيانًا سرديات تُضفي عليها طابعًا شخصيًا، من خلال ربط بعض القيادات الإيرانية بجذور لبنانية، ولا سيما تلك التي تشير إلى احتمال وجود صلة بين عائلة خامنئي والبيئة العامِليّة في لبنان، بل وامتداد هذه الصلة إلى سلالات علمية معروفة كآل الكركي.
غير أن هذه الروايات، رغم جاذبيتها الرمزية، تحتاج إلى توثيق تاريخي، يتعذر التوسع فيه في هذه الورقة. ويبقى ما سبق، أقرب إلى الفرضيات الفكرية التاريخية منه إلى الحقائق المثبتة.
وهذا لا يمنع تأثير المئات من السّادة (أصحاب العمائم السود) في إيران، والمنتسبين الى آل البيت عموماً (بما في ذلك في الحرس الثوري) في نوع العلاقة ومستواها مع العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وكل دول الخليج.
ومن يتعمق في دراسة المنظومة السياسية الإيرانية، يدرك أن مجريات الميدان والعلاقة مع الدول تخضع إلى حد كبير لأبعاد عقائدية ولثنائيّة صِفّين وكربلاء، بشكل يصعب على الكثيرين تصوره واستيعابه.
إلا أن تحميل هذه الأبعاد وزنًا تفسيريًا إطلاقياً في فهم السلوك السياسي الإيراني، كربطها مثلًا بحزم طهران في إدراج ملف لبنان ضمن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، قد ينطوي على قدر من المبالغة.
فالقرار السياسي في إيران، وإن أثبتت التجربة قوة منطلقاته وثوابته الأخلاقية، يتشكل ضمن منظومة مؤسسية معقدة تحكمها اعتبارات استراتيجية صلبة تتعلق بالصراع الإقليمي وتوازنات القوة، أكثر مما تحكمه اعتبارات نسبٍ أو انتماء تاريخي.
وما يسري على علاقة تيار المقاومة بلبنان، وخاصة الثنائي الشيعي، بإيران يمكن إسقاطه على العلاقة مع اليمن وأنصار الله، إذ لا يكفي التركيز على التقاطعات بين المذاهب والمدارس الإسلامية لتفكيك المشهد الإقليمي وتوازناته. فالتحالفات تتجاوز البعد الفقهي الصرف، وتتصل بتوازنات إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة تشكيل البنية الرمزية والسياسية للمنطقة. فإلى جانب محاولاتِ تجاوز ثقل تجارب التاريخ في العلاقة بين الإسلام السني والشيعي، برزت في السنوات الأخيرة محاولات لتقديم أطر خطابية جديدة للتقارب الديني تسير بالتوازي مع الترويج للتطبيع.
ولعل ما أثار نقاشًا واسعًا واحترازات داخل المؤسسات الدينية التقليدية، بما في ذلك الأزهر، وداخل بيئات سياسية وفكرية متنوعة، هو ما يُعرف بالخطاب “الإبراهيمي” أو بالأصح ” البَرَاهِمي”، الذي ينظر لطروحاته كمحاولة لإعادة تعريف المشترك الديني خارج الثوابت العقديّة وبعيداً عن السياقات التراثية المتفق عليها. وليس خافياً أن الهدف قد يكون تمرير مخططات مشبوهة مرتبطة بدوائر تستهدف المنطقة، في محاولة لإعادة إنتاج سيناريو التجديد الفقهي الذي ظهر في القرن التاسع عشر، الذي راوح بين النفس المسالم الرافض للخروج على الاستعمار الإنجليزي (الأحمدية في الهند)، أو التكفير الشامل للسنة والشيعة وأولوية محاربتهم (الوهابية في الجزيرة العربية).
وتتعامل أطراف عديدة في المنطقة – تضم قوى منضوية ضمن محور المقاومة- مع هذه الطروحات بحذر شديد، معتبرة أنها قد تفتح الباب أمام إعادة صياغة المرجعيات العقدية بشكل يتجاوز البُنى التاريخية للإسلام في تمثُّلاته السنية والشيعية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم التركيز المتزايد على إبراز الخصوصيات المذهبية والتاريخية ليس فقط بوصفه تعبيرًا دينيًا، بل أيضًا كجزء من تفاعل سياسي – محترز- مع مشاريع تستهدف إعادة تشكيل المنطقة، ورسم الخرائط بحيث تتداخل الاعتبارات العقدية مع الحسابات الجيوسياسية.
الخوف مرده خاصة الخشية من تحول المفاهيم الدينية من حدود إيمانية مغلقة ورادعة ضد التطبيع، إلى عناصر رخوة في صراع سرديات. ونجاح تجربة “إسرائيل” في اجتزاء قسم من الدروز الموحدين من فضائهم العربي المعادي لها، واحتوائهم في مشروع الدولة الناشئة في منتصف القرن الماضي، هو خير دليل على هشاشة الجبهات في محيط مليء بالأقليات والطوائف المهووسة بالاستهداف وبتجارب الماضي، ولعل أهمها المآسي التي تلت سقوط الدولة الفاطمية والمعاناة تحت الوجود العثماني.
ويبدو أن تصوير العلاقة بين إيران ولبنان كمسألة “تدخل” أحادي الاتجاه لا يعكس واقعها المركب، تمامًا كما أن تقديمها كتحالف عقائدي صرف يتجاهل بدوره حسابات الدولة والمصالح. إن ما يحكم هذه العلاقة هو تداخل مستمر بين الرمزي والواقعي، بين التاريخي والآني، وبين المحلي والإقليمي، وهو ما يجعل أي محاولة لحصرها في تفسير واحد، سواء كان سياسيًا أم دينيًا أم حتى شخصيًا، محاولة قاصرة عن الإحاطة بطبيعتها الفعلية.
وبالتالي، فإن مقاربة أكثر توازنًا تقتضي الاعتراف بهذا التعقيد، والنظر إلى العلاقة بوصفها شبكة ديناميكية من التأثيرات المتبادلة، لا مجرد امتداد لإرادة طرف واحد أو انعكاسًا لسردية سياسية بعينها.
وختاماً، رجوعاً إلى خطاب الرئيس اللبناني، فقد يكون افتتاحاً مرتبكاً لمسار مفاوضات مع طرف يرى في التفاوض آلية للمطالبة وللإخضاع.
خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الكثير من المحللين، في لبنان وفي الإقليم، اعتبروا الخطاب تعبيراً لـ”إسرائيل” عن الاستعداد للالتقاء الجبهوي معها في التصدي للنفوذ الإقليمي الإيراني، من خلال التضييق على حزب الله والشيعة وأنصارهم في الجبهة الوطنية في لبنان.
والأجدر، والمنصوح به استلهاماً من تجارب شعوب كثيرة مرت بتجارب التحرير من الاستعمار، هو الرجوع لأبجديات تقنيات التفاوض وأولها تجميع أوراق الضغط.
وأهم ما يمتلكه لبنان الوحدة الوطنية والقدرة على المواجهة العسكرية في البر (بمعزل عن هوية الطرف المحارب)، مع الاستفادة من التوازنات الإقليمية، وخاصة موقع إيران والجبهة السنية الرباعية الباكستانية التركية المصرية السعودية، التي هي بصدد التشكل تحت ضغط الاستهداف الإسرائيلي وخطورة مشاريع التوسع المعلنة للكيان الصهيوني.
حامد بن ابراهيم-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



