مقالات
العدالة اللبنانية تتصدى لمحاولات … رفض تسليم السجناء السوريين

في توقيت سياسي دقيق يعيشه لبنان، خرج وزير العدل بموقف واضح: “لن نسلّم سجناء سوريّين قتلوا لبنانيين”. هذا التصريح، رغم بساطته الظاهرة، يحمل دلالات عميقة تتجاوز الإطار القضائي، ليطال مستويات أوسع تتعلق بالسيادة، والعدالة، والأمن الداخلي، والتوازنات الحساسة بين المكوّنات اللبنانية المختلفة.
لا شك أن تمسّك وزير العدل بعدم تسليم سجناء أجانب ارتكبوا جرائم قتل بحق لبنانيين، يُعدّ تمسّكًا مشروعًا بالسيادة القضائية. إلا أن قراءة أعمق لهذا التصريح توحي بأنه ليس مجرد إعلان قانوني، بل رسالة سياسية داخلية أيضًا، تستهدف طمأنة الرأي العام اللبناني في لحظة يشعر فيها المواطنون بأن الدولة متراخية في فرض سلطتها.
البيئة السياسية في لبنان حساسة تجاه ملف اللاجئين السوريين، حيث تنقسم الآراء بين من يرى في بقائهم خطرًا ديموغرافيًا وأمنيًا، ومن يدافع عن ضرورة احترام حقوقهم الإنسانية. في هذا السياق، يأتي الموقف الوزاري ليوازن بين العدالة للضحايا والسيطرة على الضغط الشعبي المتصاعد.
في دولة يشكو فيها الناس من الفساد والتسيّب الأمني، يصبح خطاب العدالة عنصرًا سياسيًا بامتياز. عندما يصرح وزير العدل بعدم التساهل في قضية قتل مواطنين لبنانيين، فهو يوجه رسالة مفادها: “الدولة موجودة، والعدالة ستتحقق”. هذا النوع من الخطاب يُستخدم أحيانًا لتهدئة شارع غاضب أو لتأكيد حضور الدولة في ملفات غالبًا ما تطغى عليها السياسة والطائفية.
المشكلة ليست في الموقف، بل في قدرة الدولة على تنفيذه بثبات. هل يملك القضاء اللبناني الإمكانات اللازمة لمحاكمة كل من ارتكب جريمة؟ هل هناك تعاون فعّال بين الأجهزة الأمنية والسلطات القضائية لضمان بقاء هؤلاء السجناء ضمن قبضة القانون؟ وهل سيتمكن لبنان من الصمود أمام أي ضغوط إقليمية أو مطالبات دبلوماسية بهذا الشأن؟
هذه الأسئلة تضع الموقف الوزاري في دائرة التحدي، وتُظهر أن التصريحات القوية يجب أن تترافق مع إصلاحات حقيقية في بنية الدولة الأمنية والقضائية.
رفض تسليم السجناء السوريين المتورطين في قتل لبنانيين هو قرار سيادي بامتياز، لكنه سياسي في توقيته ودلالاته. وبينما يبدو للوهلة الأولى أنه مسألة قضائية، إلا أنه يعكس تفاعلًا مع مشاعر الناس وضغوط الداخل، أكثر مما يعكس علاقة مباشرة بالسياسة الخارجية أو العلاقات الثنائية.
وفي بلد تُحسب فيه كل كلمة ضمن ميزان الطوائف والسياسة، فإن كل قرار قانوني هو أيضًا بيان سياسي، سواء أُريد له ذلك أم لا.
زينب وهبي
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



