مقالات
الحرب الإيرانية ـ “الإسرائيلية”… تداعيات وجودية على الكيان

لعلّه من المبكّر جداً الحديث عن الآثار الاقتصادية للحرب الدائرة حالياً بين إيران وكيان العدو “الإسرائيلي”، لأنّ الحرب لا تزال مستمرة وليس معروفاً بعد موعد نهايتها أو مستوى التصعيد الإضافي الذي يمكن أن تصل إليه، أو احتمال تدخل دول أخرى في الحرب وتحديداً الولايات المتحدة التي تطالبها “إسرائيل” بالتدخل لأنها أصبحت على يقين أنها بمفردها لن تستطيع الصمود كثيراً أمام الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية.
وقد بدأت الأصوات المنادية بهذا التدخل ترتفع بالفعل في داخل الكيان، ذلك أنّ جمهور المستوطنين الذين يشكلون ما يُسمّى “المجتمع الإسرائيلي” لم يعتادوا على رؤية الدمار والخراب والقتلى والجرحى داخل المدن والبلدات والأحياء التي بنوها في أرضنا الفلسطينية المحتلة، ولا هم اعتادوا كذلك على توقف العمل في المطارات والمرافئ ومختلف المرافق العامة التي توفر لهم الحياة المريحة، وهم في الأصل تركوا بلدانهم الأصلية وجاؤوا إلى “أرض الميعاد” لأنهم وُعدوا بأن يحصلوا على كلّ التسهيلات والتقديمات التي توفر لهم حياة مرفّهة وعملاً مريحاً ومستقبلاً آمناً… ولذلك نرى الازدياد الكبير في أرقام الهجرة المعاكسة، وهذا يمثل تهديداً وجودياً للكيان.
هذا هو الفارق الأول من فوارق كثيرة وعديدة بين إيران وكيان العدو، الفارق هو في الناس، حيث يعرف الجميع أنّ أبناء الشعب الإيراني تمرّسوا على الصمود والتأقلم مع التحديات والتهديات والعقوبات المستمرة منذ نحو خمسين عاماً، وقد حوّلوا كلّ ذلك إلى فرصة وحققوا معجزة التقدّم في القطاعات كافة، الاقتصادية والعلمية والتقنية… ولا سيما في الصناعة والتكنولوجيا وصولاً إلى التقدّم الهائل في الصناعة النووية… كلّ هذا جعل إيران تقف في مصاف الدول العظمى في الإقليم بل في العالم.
وهنا إشارة إلى أنّ إيران تنتج كلّ أنواع الأسلحة والصواريخ، وكلّ ما تستخدمه في حربها اليوم هو من إنتاجها وليست بحاجة إلى انتظار أحد لكي يأتيها بأطنان القنابل والذخائر والعتاد كما هي الحال في الكيان الصهيوني الذي يعجز بمفرده عن خوض أيّ مواجهة.
فارق آخر مهمّ جداً وهو في الأحجام، حيث أنّ المساحة التي يقوم عليها كيان العدو هي حوالي 22 ألف كيلومتر مربع من أصل 27 ألف كيلومتر مربع هي مساحة أرض فلسطين التاريخية، ويبلغ عدد المستوطنين في الكيان حالياً أكثر قليلاً من 7 ملايين نسمة.
أما إيران فتبلغ مساحتها أكثر من 1.65 مليون كيلومتر مربع، وعدد سكانها يزيد عن 90 مليون نسمة. ونظراً للفارق الكبير في المساحة وعدد السكان فإنّ الأضرار التي تلحق بإيران جراء الضربات الصهيونية المعادية هي أضرار محمولة وقابلة للترميم، وبالتالي لا يمكن أن تقارَن بحجم ما يلحق بالكيان من خسائر جسيمة على كلّ المستويات وليس فقط في المباني المهدّمة والأضرار في الطرقات والجسور وغير ذلك.
ولن يستطيع الكيان العاجز اقتصادياً في الأساس والذي يعيش على المعونات الخارجية، لا سيما من الولايات المتحدة، والذي يستورد نسبة كبيرة من المواد الأساسية التي يحتاجها أيّ مجتمع، وخاصة المواد الغذائية، وهو الآن مُجبر على استيراد المزيد والمزيد نظراً إلى توقف عمل المصانع والمزارع الأمر الذي يعني أنّ الكيان مُقبل على أزمة معقدة وصعبة جداً، حتى لو توقفت الحرب غداً، أما إذا طالت الحرب أكثر فإنّ الأزمة ستكون أكبر حجماً وأكثر عمقاً وربما يحتاج علاجها إلى سنوات…
ولا بدّ هنا من لفت النظر إلى أنّ الكيان يعاني أساساً من أزمات اقتصادية كبيرة، وقد تحوّلت بعد طوفان الأقصى والحرب مع المقاومة في لبنان إلى أزمات خانقة، حيث ارتفع العجز المالي إلى أكثر من 70% من الناتج المحلي، وهناك توقعات بأن يصل إلى نحو 90% بعد الحرب الحالية، وربما أكثر من ذلك إذا طالت هذه الحرب واستمرّ هروب رؤوس الأموال والإحجام عن الاستثمار في اقتصاد الكيان الذي لا يمكن أن يعيش من دون استثمارات ومساعدات خارجية.
وإذا كنا ذكرنا توقّف العمل في قطاعات الصناعة والزراعة فإنّ القطاع السياحي يعاني من انهيار تامّ، وهو قطاع يدرّ على الخزينة العامة في الكيان نحو 6 مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن تأثيره الكبير في دورة الاقتصاد وفي توفير آلاف فرص العمل الثابتة والموسمية.
ومثل السياحة يعاني قطاع البناء شللاً تاماً. كما يقع قطاع التكنولوجيا تحت ضغوط هائلة وتحديات جسيمة لعدة أسباب منها فقدان العمالة المؤهّلة بسبب التجنيد، والأهمّ صعوبة جذب استثمارات جديدة في ظلّ خوف رؤوس الأموال وخروجها من الكيان كما سبق ذكره.
أما إيران فإنّ اقتصادها قائم على الإنتاج في كلّ المجالات، وهي لديها اكتفاء ذاتي بنسبة كبيرة جداً، ولا تحتاج إلى استيراد أيّ من السلع الأساسية التي يحتاجها المواطنون في حياتهم اليومية مثل المواد الغذائية والأدوية والمحروقات وغيرها، إضافة إلى توفر الخدمات الأساسية… الكهرباء والاتصالات والمواصلات وغير ذلك من أمور لم تتوقف ولن تتوقف لأنّ دورة الحياة تسير بشكل عادي في كلّ أرجاء الجمهورية المترامية الأطراف…
ولعلّ الموقع الجغرافي المميّز لإيران، والخيرات والموارد التي تختزنها أرضها، يجعلها دولة محورية ليس في الشرق الأوسط فقط، بل على المستوى العالمي أيضاً، ولذلك نجد أنّ الدول الكبرى تحسب لها ألف حساب، سواء في الصداقة أو في الخصومة، فأصدقاؤها يعرفون تماماً مدى قدرة إيران على مساعدتهم والوقوف إلى جانبهم، وهذا ما يلمسه جيداً أهل فلسطين ولبنان ومعهم كلّ أعداء “إسرائيل”، وهي اليوم تواجه ما تواجهه لأنها نصرت المقاومات العربية والإسلامية، واتخذت الموقف المبدئي المشرّف إلى جانب الحق الفلسطيني في مواجهة الباطل الصهيوني منذ انتصار الثورة الإسلامية في شباط 1979.
وكذلك فإنّ الخصوم والأعداء يهابون دائماً أن يقعوا في أيّ خطأ في الحسابات مع إيران، وها هي الولايات المتحدة اليوم، ورغم تأييدها الكامل لـ “إسرائيل” ومدّها بكلّ المساعدات والإمكانيات العسكرية التي تحتاجها، فإنها تصدر مواقف عدة يومياً، على لسان رئيسها ترامب وغيره، لتؤكد أنها لا تشارك “إسرائيل” في عدوانها على إيران، لأنّ واشنطن تدرك جيداً أنّ مشاركتها المباشرة في الحرب تعني أنّ إيران ستصعّد أكثر فأكثر، وربما استدعى ذلك تدخل أطراف آخرين إلى جانب إيران أو إلى جانب أميركا، مما يعني تدحرج الأمور إلى ما يشبه الحرب العالمية مع كلّ ما قد يتبع ذلك من تداعيات على كلّ المستويات، لا سيما إقفال المعابر والمضائق أمام حركة النقل الجوي والبحري، وخاصة مضيق هرمز الذي يُعتبر أهمّ ممرّ بحري للطاقة في العالم، حيث يمرّ عبره معظم نفط المنطقة إلى العالم، بنسبة أكثر من 20% من تجارة النفط العالمية.
كلّ ما تقدّم سوف يجعل الولايات المتحدة وأوروبا ومَن يدور في فلكهم يضربون الأخماس بالأسداس، ويعملون على لجم “إسرائيل” التي تتلقى الهزيمة وحدها، وليس معها إلا بعض مَن غطت الغشاوة أعينهم وساروا كالعميان خلف عصبياتهم وأطماعهم ببضعة أموال تضيع كما ضاعت كراماتهم على الشاشات والصفحات والمواقع ووسائل التواصل…
أحمد بهجة
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



