مقالات
بعلبك: لائحة الثنائي تحصد أصواتاً سنّية غير مسبوقة

في انتخابات الأحد الماضي، استماتت السعودية وبعض القوى السنية من خارج بعلبك لدفع سنّة المدينة نحو الضفة المقابلة للائحة «تنمية ووفاء»، المدعومة من الثنائي والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي. لحشد الدعم للائحة «بعلبك مدينتي»، ضُخّت أموال ووُزّعت إعاشات وسُخّر خطباء مساجد وأُصدرت فتاوى «تُحرّم» التصويت للائحة المنافسة!
استُحضرت كل أدوات التدخل في استحقاق بعلبك، قبل تشكيل اللوائح عبر تفكيك التحالفات التقليدية في المدينة، وبعدها عبر شراء الأصوات وتغذية الانقسام المذهبي. لكن هذه المحاولات لم تُترجم فوزاً في صناديق الاقتراع، بل ارتدّت إيجاباً على لائحة الثنائي، إذ تحوّلت الانتخابات إلى استفتاء شعبي، أفرز «تسونامي» انتخابياً تجلّى بفارق شاسع اقترب من ستة آلاف صوت بين آخر الفائزين وأول الخاسرين. كما ظهر ذلك في «صلابة» جمهور الثنائي الذي منح «بعلبك مدينتي» نحو 790 صوتاً فقط، رغم وجود 12 مرشحاً شيعياً ضمنها، مقابل «بلوك» بلغ 11290 مقترعاً شيعياً من أصل 12080 مقترعاً، صوّتوا بنسبة شبه كاملة لـ«تنمية ووفاء».
إذاً، لم ينجح المال الانتخابي ولا اللعب على الوتر الطائفي في تحويل الاستحقاق من مسار إنمائي إلى مواجهة سياسية «سنّة – شيعة»، بهدف تحفيز التصويت السنّي لتغيير المشهد العام في بعلبك. فقد بدا هذا الصوت وكأنه محكوم بسقف معيّن، لا يتحرّك كثيراً صعوداً أو نزولاً، وهو ما أظهرته الأرقام التي أفرزتها صناديق الاقتراع الأحد الماضي، مقارنة بانتخابات عام 2016.
فرغم كل الحملات، لم تتجاوز نسبة ارتفاع الإقبال السنّي 1.18% فقط، من 48.54% (5192 من أصل 10696 ناخباً) إلى 49.72% (6333 من أصل 12735). وتؤشّر هذه المعطيات إلى فشل «الطارئين» السياسيين على المدينة في التأثير في المزاج السنّي الذي بقي بمعظمه خارج الاصطفافات. كما تكشف الأرقام عن يقين المكوّنات البعلبكبة، من خارج «البلوك الشيعي»، بعدم القدرة على قلب المعادلة في ظل التفوّق العددي للصوت الشيعي الذي يشكّل ضعف الصوت السنّي.
ويبلغ عدد الناخبين الشيعة في بعلبك 22,573 مقابل 12,735 ناخباً سنّياً، ما يعني أن الصوت السني، حتى لو بلغ أقصى مستويات الإقبال، يبقى عاجزاً عن ملامسة الوزن العددي للصوت الشيعي. ولم يعد هذا الأمر محل نقاش، ليس فقط بسبب الفارق العددي، بل أيضاً نتيجة القدرات التجييرية الكبيرة لدى الثنائي الذي يحوّل أي استحقاق، حتى في ظروف استثنائية كالتي واكبت انتخابات بعلبك، إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي.
ويستدل المتابعون على هذه القوة عبر نسب الاقتراع في أقلام المدينة، إذ بلغت في أحد أقلام حي النبي انعام 90.67%، وسجّلت 70% و66% و60% في عدد كبير من الأقلام الأخرى. في المقابل، لم تتجاوز أعلى نسبة اقتراع سنّية حاجز الـ67%. وانعكس هذا التفاوت في النسبة العامة للمشاركة، إذ بلغ الإقبال الشيعي 53.51% (اقترع 12,080 من أصل 22,573)، مقابل 49.72% لدى السنّة (اقترع 6,333 من أصل 12,735). وهذه المؤشرات تُعد دليلاً واضحاً على أن التكتّل السعودي ـ «السنّي الخارجي» لم يُحدث اختراقاً فعلياً في صناديق الاقتراع، ولم ينجح في تعديل المزاج السنّي العام، على الأقل في الظاهر.
واللافت أيضاً تمكّن لائحة «تنمية ووفاء» من كسب أصوات سنّية فاقت ما كان متوقعاً لها في ضوء تجارب الاستحقاقات السابقة. فقد ارتفعت أصوات السنّة المؤيّدة للائحة من نحو 800 صوت في الانتخابات الماضية إلى ما يقرب من 1400، بينما تؤكد مصادر متابعة أن الحصيلة بلغت 1580 صوتاً.
وتعيد المصادر الفضل في هذه القفزة إلى ما وصفته بـ«الذكاء الانتخابي» في تجيير أصوات فئة «محسوبة ومش محسوبة» على السنّة، وهم المجنّسون، انطلاقاً من ترشيح ابراهيم العجم، من المجنّسين (التركمان)، الذي جلب ما يقرب من 500 صوت دفعة واحدة للائحة.
هذا التجيير رفع نسبة تصويت السنّة لمصلحة «تنمية ووفاء» إلى نحو ربع المقترعين السنّة، مقابل 4550 صوتاً ذهبت لـ«بعلبك مدينتي». ويُعزى هذا التحوّل أيضاً إلى دخول المجنّسين للمرة الأولى في لائحة الثنائي بعدما كانوا في دورات سابقة يصطفون في الجهة المقابلة. كما أسهم الحياد العلني لبعض الأحزاب السنّية الفاعلة في المدينة، وأبرزها تيار المستقبل وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش)، في فتح هامش حرية أوسع للناخبين، من دون توجيه مباشر.
وبحسب المتابعين، فإن هذه العوامل مجتمعة أحدثت تحولاً ملحوظاً، لكن من دون أن تغيّر المعادلة التاريخية التي لم تجعل الصوت السنّي يوماً «رافعة» انتخابية لأي لائحة مدعومة من الثنائي. ففي أفضل الحالات، لم يتجاوز عدد الأصوات السنّية المؤيّدة للثنائي الألف، مع تسجيل 970 صوتاً عام 2010، و865 صوتاً عام 2016.
راجانا حمية _ الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



