هل يتحمل المودع مسؤولية خسائر قد تحصل أو حصلت!

يسعى لبنان بشكل حثيث إلى إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي يخوله الحصول على الدعم المالي للخروج من أزماته المتعددة، من خلال القيام بالخطوات الإصلاحية المطلوبة، وإعادة صياغة خطة التعافي بمعزل عن الجهة التي تطلبها للاستحصال على برنامج مع صندوق النقد الدولي.
وشكلت الزيارة الأخيرة لبعثة صندوق النقد إلى لبنان بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، والتي تأتي من ضمن الزيارات التي قام بها الصندوق في أوقات سابقة، فرصة التقت خلالها المسؤولين اللبنانيين واتسمت بتبادل الآراء حول الواقع الاقتصادي الراهن والآفاق المستقبلية، لكي يستعيد لبنان الثقة والعافية الاقتصادية قبل المفاوضات المباشرة في أبريل المقبل خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي.
وفي الإطار، وصف الخبير السابق في صندوق النقد الدولي منير راشد لـ«الأنباء» زيارة بعثة صندوق النقد الدولي الأخيرة بـ «الاستطلاعية واستجابة لطلب الحكومة اللبنانية لمساعدتها على إعداد برنامج مالي واقتصادي للحصول على التمويل من الصندوق، ولكن هناك شروطا يضعها الصندوق سبق وطرحها منذ بداية الأزمة للوصول إلى اتفاق معه، وهو على موقفه القائل بوجوب تحرير سعر الصرف للعملات الأجنبية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتخفيض الدين العام إلى مستوى قابل للاستمرار في سبيل الحصول على مبلغ 3 مليارات دولار.
وهذه الوسيلة الوحيدة، أي ما كان سبق وأورده الصندوق في تقريره الرسمي الأخير عام 2023».
وأشار راشد إلى أن «بعثة الصندوق قالت في زيارتها الأخيرة انها سوف تتابع البحث مع المعنيين في لبنان، بعد أن وقفت على رأي الحكومة الجديدة حيال الإجراءات التي تنوي القيام بها لمساعدتها على وضع برنامج إصلاحي، بالاعتماد أولا على نفسها ثم على الصندوق، والمباشرة فورا بالإصلاحات المطلوبة التي تنوي إعدادها لتشكل مؤشرا ايجابيا لمساعدة لبنان».
ولفت إلى أن «الدين العام في لبنان هو 110 مليارات دولار (سندات اليوروبوندز التي هي 35 مليارا) بالإضافة إلى دين مصرف لبنان للمصارف الذي لا يمكن شطبه.»
وأكد «أن صندوق النقد الدولي طالب بإقرار قانونين: الأول يتعلق برفع السرية المصرفية، اذ يرى أن التعديلات التي أدخلت على القانون غير كافية، وأنا أقول أن السرية المصرفية ليست بعمل إصلاحي كبير ولا هي إنجاز، وكل الحسابات في المصارف معروفة، ومصرف لبنان يعرف أين تذهب الوديعة، ورفع السرية يساعد في مكافحة تبييض الأموال أو القيام بتجارة غير قانونية أو تهرب ضريبي، ويسهل الوصول إلى ذلك في حال كانت هناك شكوك، فترفع الدولة دعوى أمام القضاء للوصول إلى الحسابات ومن ثم الملاحقة».
واعتبر «أن صندوق النقد الدولي يتحدث بكلام غير واضح في موضوع حماية أموال المودعين. والسؤال: هل حماية صغار المودعين أم كل الودائع؟ هناك أموال لمودعين عرب، وهو يقول بحمايتها من خلال صندوق لاسترداد الودائع، وهذا كلام غير شفاف في عمله مع لبنان.»
ولفت إلى أن «وزير المال ياسين جابر تحدث عن البرنامج الإصلاحي، وهو الحفاظ على صغار المودعين، ولم يقل من هم، وأيضا أشار صندوق النقد منذ أربعة أعوام إلى صغار المودعين، أي أصحاب حسابات 100 ألف دولار. والحسابات الأكبر تسحب من القطاع المصرفي إلى صندوق استرداد الودائع، ويجري تعويضها من ايرادات الدولة. وهذا الأمر أشار اليه أيضا وزير الاقتصاد في حديثه عن صندوق خاص لم يسمه صندوق استرداد الودائع».
من جانبه، قال رئيس لجنة الشؤون المصرفية وحماية حقوق المودعين في نقابة المحامين د. علي زبيب: «زيارة بعثة صندوق النقد الدولي قبل أيام إلى لبنان لا تختلف في جوهرها عن الزيارات السابقة، وعنوانها تقصي الحقائق قبل المفاوضات المباشرة التي ستعقد في أبريل المقبل، والتي يأمل الصندوق أن يكون الحاكم الجديد لمصرف لبنان الذي سيعين، هو من سيقود هذه المفاوضات إلى جانب وزير المال اللبناني».
وأشار إلى أن «صندوق النقد قد حدد جملة من الإصلاحات التي لم تختلف على الإطلاق عن الإصلاحات التي كان طالب بها منذ اندلاع الأزمة في العام 2019.
وهذا يثبت بأن الدولة اللبنانية بكل أطيافها وبمعزل عن الظروف التي مرت بها، لم تقم بأي إصلاحات جذرية، ما دفع صندوق النقد إلى إعادة طرح واشتراط تحقيق هذه الإصلاحات لاستحصال لبنان على أي خطة أو برنامج مع الصندوق».
وتناول زبيب جملة الإصلاحات المطلوبة «وأولها تعيين حاكم جديد للمصرف المركزي. وهذه ليست بندا من بنود الإصلاح، بل شرطا، وكذلك إعادة صياغة خطة التعافي وترشيق القطاع العام وتقليص الموازنة، ورفع السرية المصرفية.
وأبدى صندوق النقد اعتقاده بأن التعديلات القانونية التي سرت على القانون، لا تكفي للارتقاء إلى مقتضيات الصندوق الذي ركز أيضا على مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومنع التهرب الضريبي، وعلى إعادة صياغة رؤية عامة من قبل الحكومة لخطة التعافي، وعلى صياغة التشريع المرتبط بإعادة هيكلة القطاع المصرفي من أجل إنتاج قطاع مصرفي سليم.
وهذا الأمر سبب حرجا وجنونا للوبي المصرفي الذي يديره القطاع المصرفي الحالي، والذي سيحاول الإطاحة بالمفاوضات وبأي جهد إصلاحي، لأن أي إصلاحات ستطول بالدرجة الأولى القطاع المصرفي الذي يتنافى مع مصالحه ويعرضه للمسؤولية».
وأوضح «أن صندوق النقد الدولي لم يكن في وقت من الأوقات متحمسا لشطب الودائع.
ودفعت لجنة الشؤون المصرفية وحماية حقوق المودعين في نقابة المحامين في اجتماعاتها مع صندوق النقد، باتجاه الضغط عليه لذكر استعادة أموال المودعين.
وقد أنتج تدخل نقابة المحامين وبعض هيئات المجتمع المدني، فجرى ذكر قضية المودعين ثلاث مرات في الاتفاقية التي وقعت مع الصندوق على مستوى الموظفين في العام 2022».
وأكد أن المودع «يجب ألا يتحمل فلسا واحدا، وهو غير مسؤول عن خسائر قد تحصل أو حصلت، لأن المسؤولية القانونية تقع مباشرة على المصارف وخلفها تقع المسؤولية على مصرف لبنان والدولة اللبنانية».



