مقالات

عن الجامعة الأميركية في بيروت وهندسة الخضوع

في تظاهرة أول من أمس تضامناً مع غزة في الجامعة الأميركية في بيروت، وقف شابٌ بعيداً منّا، يحدّق فينا بعينين تبحثان عن متعةٍ ما كأننا مشهدٌ يُشبع فضوله.

اقتربنا منه وسألناه إن كان يرغب في الانضمام إلى الوقفة، فأجاب: «لا أتعاطى سياسة». نطقها بالإنكليزية، طبعاً، فرددتُ عليه: «أنت لابس صباط نايكي، هيدا مش سياسة؟»، ليُجيب مناقضاً نفسه من من دون أدنى وعي: «كل شيء في العالم سياسة».

هكذا تجلى مستوى الوعي السياسي لطالبٍ في الجامعة الأميركية في بيروت إزاء مسؤوليةٍ ملقاة على كاهله: خمسمئة شهيدٍ في غزة ومشروعٌ استيطاني يتمدد في الجنوب ودولة منبطحة أمام الإمبريالية.

الأنكى من ذلك أنّ شربل نحاس مرّ بشارع «بليس» في خضم الوقفة، فأدار وجهه نحو الأرض ومضى في طريقه. وفوق كل ذلك، انهالت علينا امرأةٌ من سيارتها بالسباب والشتائم.

وكي تكتمل لوحة التناقضات، تعرّض أحد الطلاب للاعتداء من قبل الدرك ورئيس أمن الجامعة نفسه فادي غريّب. مُنعنا من الوقوف على بوابة الجامعة لكي لا «نزعج» الطلاب.

وعند انتهاء الوقفة، يبدو أن غريّب كان قد طلب من الأمن عدم السماح لأي شخص من المتظاهرين بدخول الجامعة قبل فضّ الوقفة.

بعد ساعة من انتهاء الوقفة، وبينما كنت متوجّهاً خارج حرم الجامعة، أوقفني غريّب وطلب مني بطاقة الجامعة، ثم سحبها بقوة من يدي ليتأكد من صحتها، كأنّي أصبحت عدوّه.

هذا مستوى الهشاشة الأخلاقية والفكرية الذي تعيشه الجامعة اليوم. والمثير للشفقة أنّ بعض الطلاب والموظفين يشعرون بالإهانة الشخصية كأنهم هم الفئة المستهدفة عندما نرفع شعار «الموت لإسرائيل».

ثمة الكثير مما يستحق الحديث عنه هنا، والكثير مما يستحق التأمل والتفكير فيه. لكني أريد تسليط الضوء على فكرة تغيب دوماً من سردياتنا اليومية والأكاديمية معاً: دور الجامعة في إعادة «تشكيل» الذات الإنسانية للطالب.

ليس التعليم معزولاً عن السياسة، ولا منفصلاً عن السلطة، وهذا ما لا نقاش فيه.

يعمل التعليم ومؤسساته على إنتاج نمط محدد من الذات الإنسانية وبنائه، وفي المقابل، تطمس وتُقصى ذوات أخرى متشابكة مع منظومات القيم الأخلاقية والتراثية والمعرفية والروحانية والكوسمولوجية المحلية وغير الغربية و/أو المتغربنة.

يعمل التعليم الحديث على تفريغ الذات الإنسانية من محتواها عبر تكرار الممارسات الأكاديمية – من نظم التقييم إلى أساليب البحث عن التمويل الغربي والعربي لإنتاج العلم وأساليب المراقبة وآليات الضبط والترهيب وغيره – مؤدياً إلى استبطان للنموذج المعرفي الغربي للذات المفرَّغة.

هكذا، يخضع الطالب لعملية استيعاب داخلي مستمرة تجعله قابلاً لاستقبال القيم النيوليبرالية وتبنّيها بشكل طوعي، من تنافسية وكفاءة وإنتاجية، ما يحوّل وعيه ومعرفته وصولاً حتى إلى وجوده وعواطفه، إلى ساحة لترسيخ النظام الحداثي/ الكولونيالي. يتحول الإنسان من طالب علم إلى ذات فارغة قابلة للتعبئة، ليصبح متناغماً مع النظام العالمي المهيمن، ويتحول إلى نسخة مصغّرة من الواقع الإمبريالي الأكبر. هذا ما نراه بوضوح عندما تفتخر إدارة الجامعة بوزرائها الجدد المتخرجين من الجامعة، وتغيّب متخرجين آخرين وشهداء أمثال: ليلى خالد، كمال ناصر، جورج حبش، وادي حداد والطالبة الشهيدة فرح مقداد والمتخرج الشهيد هادي كمال. ويتجلّى دور الجامعة في النظام المحلي – العالمي عندما يريد فضلو خوري شراء ردم ضاحية بيروت الجنوبية ليتمتع بتوسيع الحرم الجامعي.

يهيكل الطالب نفسه وفقاً لمتطلبات السوق الاستهلاكية الرأسمالية الاستعمارية ليصبح «مصلّحاً» للنظام، لا ناقداً له. هنا، تتحول العقول إلى أورام لا تسمح ببروز وعيٍ سياسي، ولا مسؤوليةٍ اجتماعية، ولا تفكيرٍ نقدي. إنها مساحةٌ مظلمة، هاويةٌ لا قاع لها، حيث تُطبَّع الإبادة الجماعية وتصبح معاناة الآخرين متعةً للمستهلك. وعليه، تصبح الجامعة آلةً لتحويل الطالب إلى كائنٍ إمبريالي، إلى فردٍ صامتٍ لا يرى إلا النص الذي كُتب له والمسار الذي رُسم له، والجامعة تترقّى إلى مشروع سلطوي وعنصري وكولونيالي لتسهيل الهيمنة وترسيخها في المنطقة.

كشفت البرقيات الديبلوماسية المسرّبة عبر «ويكيليكس» سنة 2011 عن تورّط الجامعة الأميركية في بيروت في قمع الطلاب ومواءمة مصالحها مع الهيمنة الأميركية خلال سبعينيات القرن الماضي.

من أبرز ما كشفت عنه هذه التسريبات الضغوط المباشرة التي مارسها السفير الأميركي ويليام بوفوم على إدارة الجامعة للحد من نشاط الطلاب.

ففي آذار (مارس) 1973، حذر بوفوم رئيس الجامعة، ستانلي سوينسون، من أنّ «التعبير الراديكالي» من قبل الطلاب، مثل دعم عملية الخرطوم، قد يعرّض الدعم الأميركي للجامعة للخطر.

وتكشف البرقيات أنّه تحت ضغط السفارة الأميركية، سعت الجامعة إلى قمع الحركة الطالبية التي كانت تطالب بإلغاء زيادة الرسوم السنوية.

كتب السفير الأميركي آنذاك، ماكمورتري غودلي: «في ربيع عام 1974، شهدت الجامعة الأميركية في بيروت أطول وأكلف إضراب طالبي في تاريخها.

وعلى مدار ستة أسابيع تقريباً، بدءاً من 18 آذار (مارس)، تم احتلال المباني الرئيسية في الحرم الجامعي من قبل طلاب متشددين».

ما حدث أول من أمس لا يشبه ما حدث عام 1974، إلا أننا نرى مساراً تاريخياً متكاملاً: دور الجامعة الأميركية في بيروت في قمع الاحتجاجات الطالبية التي تسعى إلى زعزعة وتعرية دور المؤسسة في ترسيخ الهيمنة الاستعمارية في المنطقة.

الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى