مقالات
هدنة على الورق… وذكريات لا تهدأ في قلوب البقاعيين

في الذكرى السنوية لوقف إطلاق النار في لبنان، تختار «الديار» أن تعود إلى الوجع الحقيقي… إلى الناس الذين حملوا الحرب على أكتافهم، لا بالأرقام ولا بالتقارير العسكرية، بل بالتجربة الحيّة والدم والدموع.
من البقاع، من قلب المناطق التي تعرّضت لأعنف الغارات، يخرج صوتٌ واحد ليعيد رسم صورة ما عاشه أبناء هذه الأرض.
عبدالله حمية، ابن بلدة طاريا، يفتح ذاكرة الأيام السوداء، ويروي حكاية الحرب كما عاشها لحظة بلحظة… بلا تزيين، بلا حذف، بلا مبالغة.
شهادةٌ مؤلمة، لكنها صادقة الى حدّ الوجع، وتختصر ما حلّ بالأهالي من مجازر، وتشريد، وصمود، وإيمان، وانتصار.
مجزرة مكتملة
يبدأ عبدالله حديثه قائلاً: “عصر 23 أيلول 2024 بدأت غارات العدو الصهيوني على البقاع. الناس كلها كانت تتابع ما يحصل، إلى أن بدأت الغارات تقترب شيئاً فشيئاً من بلدتنا طاريا.
وما هي إلا لحظات حتى ارتفع الدخان والانفجار من عدة بيوت في البلدة، وجاء الاتصال: بيت جدي راحوا. هرعنا إلى المكان… كان المشهد يوم القيامة.”
ويصف اللحظة كما لو أنها ما زالت أمام عينيه: “كل شيء أسود، سيارات الإسعاف، جثامين الشهداء على الأرض… كبار السن، الأطفال، الشباب. استشهدت الجدة، وابنتاها الاثنتان، وحفيداها، وزوجة أحدهما وولدهما.
استشهد الجيران أيضاً. كانت مجزرة مكتملة… عائلة لم يكن ذنبها إلا أنها تجتمع كل أسبوع بمحبة، تتبادل الأحاديث المفرحة، حتى فرقها الحقد والظلم.”
اضاف «لم يكن أمامهم وقت للبكاء، المشهد أكبر من القدرة البشرية على الاستيعاب. نُقلت الجثامين إلى المستشفيات، التي كانت تضج بالناس والدماء. وفي اليوم التالي بدأ التشييع والدفن، وفتح بيت أخيهم للعزاء.
الناس كلها كانت تأتي للمواساة… لكن الحرب لم تهدأ، والقصف مستمر.”
خدمة الناس
وتابع : «عند هذه النقطة، تغيّر مسار الأيام في البلدة، وجدنا أنفسنا أمام مسؤولية جديدة: خدمة الناس. خدمناهم بكل ما نستطيع. تحوّل البيت إلى مقر للمساعدات الطبية والغذائية. الشباب الواعي والمقاوم كانوا يجتمعون لتوضيب الأغراض وتوزيعها. سيارات الإسعاف كانت تأتي بلا توقف، تحت ضغط هائل من كثرة الإصابات ومن استهداف العدو لكل شيء.”
ويضيف بفخر: “الوالدة كانت تطبخ يومياً لكل هؤلاء. البيت صار مقراً للمقاومة بكل معنى الكلمة… وهذا ما يشرفنا… لكن الحرب كانت تزداد ضراوة: لم يمرّ يوم إلا ونالت بلدتنا غارة. ارتقى من البلدة ٣٢ شهيداً بين رجل وامرأة وطفل وشاب.”
منزل الشهداء والمجاهدين
ويصل إلى أكثر اللحظات التي هزّته، فيقول “في 23 تشرين الثاني 2024، قبل وقف إطلاق النار بأربعة أيام، كنا نحضر تشييع أحد الشهداء. بعد انتهاء المراسم توجهنا إلى البيت. الوالد والوالدة وعمّي وزوجة عمّي (أهل الشهيدين محمد وقاسم بهيج حمية) دخلوا ليستريحوا قليلاً. لكن الراحة لم تُكتب لهم. فجأة أغار الطيران الحربي الصهيوني على شمسطار وطاريا بصاروخين. أحدهما انفجر، والآخر لم يُسمع له صوت. هرعنا إلى المنزل، وإذا بأهلنا وبقدرة الله وحده قد خرجوا من البيت.”
الصاروخ الذي سقط، كما يصفه حمية، لم يكن عادياً: “مارك 84، ضد التحصينات، وزنه 900 كلغ. سقط على بعد متر منهم فقط، لكنه لم ينفجر. استقر بعمق 12 متراً، حطّم أساسات المنزل… المنزل الذي تربينا فيه بدفء وحب، تربينا على رفض الظلم ومساعدة الفقير، منزل الشهداء والمجاهدين.”
الأرض تزلزلت
وتابع حمية «الصمت الذي سبق النجاة لم يكن طبيعياً، لم نسمع صوت الصاروخ، الأرض فقط تزلزلت. الباب الخارجي لم نعد قادرين على فتحه. إنهار كل شيء داخل المنزل، الدخان ملأ الأرجاء. لكن السكينة بقدرة الله، كانت أقوى من الخوف.”
وقال «خرج الأهل… وبدأت مرحلة جديدة من الصمود، قُطع الطريق تحسّباً من انفجار متأخر، لكن الصاروخ لم ينفجر. غادر الأهل المنزل، لكننا لم نغادر البلدة. لم نخرج رغم القصف، رغم التهديدات، رغم كل شيء. نحن ككل اللبنانيين الشرفاء، نأبى ترك أرضنا، إما النصر أو الشهادة.”
انتصر الحق… انتصر الصبر
اضاف «وعندما انتهت الحرب، بدأت رحلة أخرى: وقف إطلاق النار… انتصر الحق… انتصر الصبر… انتصر الشعب الصامد. بدأنا بإزالة آثار الحرب. المهندسون حكموا بضرورة هدم المنزل لرفع الصاروخ. قدمنا كما قدم المضحّون… لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون.”
أما عن التعويضات، فكان موقفه واضحاً: “لم نبقَ في الشارع. المقاومة قامت بواجبها رغم الضغط والاستهداف، دفعت مبالغ كافية وافية، بل أكثر مما نستحق. ولن نسميه إيواءً… بل تفضّل منهم. لم يكونوا سبب هدم بيتنا، نحن السبب في سبيل خدمة الناس.”
وعن الدولة، قال: “الدولة صاحبة الواجب الأساس… لم تكلف نفسها حتى مسح الأضرار. منشغلة عن الناس بأمور أخرى، بمن يسعى لرضا أميركا. لم تؤمّن الخدمات، ولم تقدّم للناس شيئاً. بعض النواب اقترحوا فقط إعفاءات ضريبية على خدمات غير موجودة أصلاً… مثل الكهرباء.”
سقوط دولة وتقاعس مؤسسات
ويختم بحقيقة لا تحتاج الى تفسير: “لا يمكن أن نحمّل المقاومة فوق ما تفعله في حمايتنا. الدولة يجب أن تحمي مواطنيها، لا أن تترك العدو يستبيح الأرض والسماء والماء. في الدستور: لبنان وطن سيد حر مستقل لجميع أبنائه. لكن الواقع… أنه لبعض أبنائه فقط.”
شهادة عبدالله حمية ليست قصة فردية، بل مرآة لسقوط دولة وتقاعس مؤسسات، ومرآة في الوقت نفسه لصمود شعبٍ لا يُكسر. بين الغارة الأولى وآخر ركامٍ أزيح عن منزله، يعيد حمية رسم الصورة الحقيقية لما عاشه البقاع خلال الحرب: دمٌ على الطرقات، بيوتٌ تُقصف، عائلات تُباد، وأُخرى تقف من تحت التراب لتخدم غيرها.
امل سيف الدين- الديار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



