مقالات
” جمعية كفى ” معجبة بأسلوب أدرعي… هذا ما نشرته!

جمعية «كفى» المعنيّة بمناهضة الاستغلال والعنف اللذين تتعرض لهما المرأة، مُعجبة كثيراً بأسلوب أفيخاي أدرعي. الظاهر أنّ الناطق باسم «جيش» الاحتلال، بالنسبة إلى «كفى»، ليس معنِّفاً، ولا مبتزّاً؛ عندما كان يخرج على منصّات التواصل الاجتماعي ويصدر تهديدات الإخلاء- صدر كثير منها بعد منتصف الليل- ليشنّ الطيران الإسرائيلي عدوانه الهمجيّ، فقد كان حريصاً على سلامة المواطنين، و«مرجعاً أميناً»، يكفي أنه حذّر من الأماكن «المستهدفة» ودعا إلى عدم الاقتراب منها لأنها ستُستهدف.
يا له من «منقذٍ» قدير، ألا يبدو كذلك؟ أفيخاي أدرعي الذي أطلق صفّارات الإنذار قبل سقوط القنبلة – التي يرميها جيشه – على رؤوس الأحياء، يمتاز بتلك المزية «السامية» التي يتشدّق بها المؤنجزون، ومراهقو جمعيات المجتمع المدني مثل «كفى»: (إنه) يتدخّل حين وقوع الكارثة، ويحول أمام وقوعها.
الإعلان الذي نشرته جمعية «كفى» على مواقع التواصل الاجتماعي أول من أمس يقوم على محاكاة «المنقذ» أفيخاي أدرعي: ثمة خريطة تظهر مجموعة من الأبنية، ومربّعٌ أحمر يحيط بإحدى الأبنية الموجودة داخل هذه الخريطة، أمامنا «إنذار» أيضاً: «أنتنّ متواجدات في أماكن تقع تحت سيطرة شخص معنِّف، من أجل سلامتكن يجب وضع خطة إخلاء للخروج من دائرة العنف»
. وفي آخر الصورة، دعوة ملحة من قبل الجمعية إلى إقرار القانون الشامل لمناهضة العنف ضد المرأة.
الآن، بعد الاستعانة بـ«إبداع» أفيخاي أدرعي، حيث تحضر «جمالية» الخرائط، ونبرة التهديد، صار دور الدولة. المجتمع المدني كثير الإعجاب بالسطوة العسكرية، أترى؟
سرعان ما محت «كفى» الإعلان عن صفحاتها.
أثار الإعلان السخط واستهجان كثيرين، تعرّض لحملة تنديدٍ واسعة دفع الجمعية إلى إزالته عن صفحاتها، وقد ألحقته ببيانٍ رديء ورد فيه ما معناه؛ أنّ الإعلان نشر عن قصد للفت نظر كثيرين لأنه ذكّرهم بما عايشوه في مدة الحرب الإسرائيلية، فهناك 17 امرأة قُتلن على يد أقربائهن وأزواجهن وثلاثٌ أخريات قد انتحرن.
بعض المتابعين انتظروا من الجمعية اعتذاراً إذا كان لا بدّ من بيانٍ مرفق، غير أنهم اعتبروا التبرير أفظع من الإعلان نفسه، فيما الغالبية رأت أنّه ليس هناك من رابطٍ يجمع بين الحرب الإسرائيلية وتعنيف المرأة، إلا إذا كان المراد تسخيف «الأسرلة»، أي التعاطي مع أيّ جرمٍ باعتباره لا يختلف عن الجرائم الإسرائيلية، بالتالي، تغييب العداء للصهيونية، وهكذا يصبح التعاطي مع إسرائيل كالتعاطي مع صاحب مولدات اشتراك الكهرباء المعروف بغشّه ومكره.
في حالة «كفى»، وهي جمعية حقوقية كما تعرّف عن نفسها، فإنّ الاستعانة بمقولة «كل إعلان سيئ هو إعلان جيّد» هو سوء مقاربة المسائل بعينه.
هذا لا يسمح بتشييء القضية التي يتبنّونها فقط، ورمي هذه القضية في سوق الأسهم، بل إنه قفز أخلاقي فوق ما يعتبر محظوراً لأنه تلاعب خفيف واعتباطي مع الفاجعة.
نتحدّث عن ذاكرة مأهولة بصورة «الخرائط»، ومربعات سكنيةٍ لا تزال حطاماً، والكثير من المباني التي كانت في الأمس القريب نقطة «حمراء».
نتحدّث عن جمعيةٍ ترفض العنف، بيد أنها تنكأ جرحاً غائراً سبّبه العنف؛ هناك من يذكّرنا بفاجعةٍ للتنويه بفاجعةٍ أخرى، يا له من خرابٍ جميل.
على أنّ مغامرةً متهوّرةً مثل الإعلان المحذوف قد يكون أقرب إلى زلّةٍ اقترفتها الجمعية تساعد على كشف المخبوء الذي لا يخرج في العادة.
هناك جمعية حقوقية تتغاضى عن عنف أدرعي وابتزازه، بل تتقمّص دوره «الإنقاذيّ» حيث ترى في «إنذاراته» سبيلاً للخلاص، فتصير بدورها ــ بعدما أنذرت ـــ منقذِةً.
على ما يبدو، إنّ طريق الجمعيات مثل «كفى»، أقصر طريق حتى يصير الضحية جلاداً. عدا عن كون مجتمع المجتمع المدني يزاوج بين جميع القضايا، ويوازي بين أزمة انقراض الديناصور وفعل إبادة السكّان والمدن، ثمّ يقدّم لنا نفسه بديلاً وحلّاً «للكارثة» التي غالباً ما يكون جزءاً منها، إنّنا نشهد مع «كفى» كيف يغدو الوحش ملهِماً لجمعيّةٍ تناصر المرأة المعنَّفة. إنه حدث تراجيكوميدي في عالم الرأسمالية المتأخرة.
كيف يبرّر الحقوقيّ جلب أفيخاي أدرعي الذي ينطق باسم «جيش» الاحتلال؛ «الجيش» المعروف بقتله للنساء، وبقره بطونهن ونحره رقابهن، إلى عالم «القضايا»؟ كيف لجمعية حقوقية تنبذ العنف وتحاربه، أن تستمدّ أسلوب طرحها من قاتلٍ كأدرعي؟
إنه إعلان خبيث طافح بالخبث. لسنا إزاء «أنسنة» للقاتل فحسب حيث يجري التطبيع مع أدرعي كشخص موجود بيننا بشكلٍ طبيعيّ وفي إمكاننا «تقليده»، إنّنا أمام مُشتغِلٍ في الشأن الإنسانيّ يستمدّ من القاتل لغته ليطرح قضاياه الإنسانية. وهذا عنفٌ فظيع جداً.
بول مخلوف- الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



