مقالات

وفاضت مجارير الطائفية على شاشة mtv

رصد التقرير الذي بثّته قناة المرّ أول من أمس حول ضاحية بيروت الجنوبية سرديةً تقوم على التغافل عن السياقات التاريخية والاجتماعية، مع توظيف خطاب طائفي وتنميطي يختزل منطقة كاملة في صورة أمنية مشوّهة. كل يوم، تبرهن القناة أنّها تحولت إلى أداة تأجيج داخلي، تُعيد إنتاج الانقسام وتخدم مناخات التحريض ضد المقاومة

لا تنضب النفايات الإعلامية التي تصبّها mtv يوميّاً فوق رؤوس اللبنانيّين. أول من أمس، بثّت تقريراً لماريو الدويري تحت عنوان «كيف خُطفت الضاحية؟ ومَن غيّر وجهها؟». المكتوب يُقرأ من عنوانه.

الطائفية تفتتح التقرير: «ضاحية بيروت الجنوبية، المنطقة التي أصبحت اليوم مخبأً للسلاح غير الشرعي وتتعرّض لقصف الجيش الإسرائيلي، كانت في أحد الأيام منطقة مسيحية مزيّنة بالخَضار وبساتين الليمون».

تغافل عن التاريخ والاجتماع

يتقيأ معدّ التقرير عنصريّته على وقع مشاهد مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تتخيّل الضاحية، أو «ساحل المتن الجنوبي» و«ساحل النصارى» كما عُرفت سابقاً وفق ما يشير، في ستّينيّات القرن الماضي.

يلقي «الاختلاف» على «تعاظم نفوذ الفصائل الفلسطينية المسلّحة حول المخيّمات». يستعرض مداخلات من نساء مسنّات يدعمن سرديّته، وطبعاً يتغافل كلّيّاً السبب الأساسي لتكاثر السكّان في الضاحية، وهو أنّ مَن لجأوا إليها إنّما نزحوا من القرى الجنوبية التي تخلّت عنها الدولة بل وتآمرت مع محتلّهم عليهم، ثمّ تركتهم لشأنهم بعد نزوحهم!

يحاول التقرير نسب آفات اجتماعية موجودة حتّى في «المناطق المسيحية» إلى فعل المقاومة نفسه

يدّعي التقرير أنّه بعد الإعلان عن إنشاء «حزب الله» من منطقة بئر العبد عام 1985، «ترسّخ المشهد: مربّعات أمنية، سلاح متفلّت، مافيات وقرار فعلي بيد الأحزاب». تزعم إحدى المسنّات: «تغلغلوا داخل المناطق كلّها، وما عادت نزلت المسيحيّي لتحت».

علماً أنّ تصريحها غير واقعي أوّلاً بسبب استمرار الوجود المسيحي الذي تُوّج باتّفاق مار مخايل عام 2005 والذي لا يعجب mtv وشلّتها، وثانياً بسبب تراجع أعداد المسيحيّين لأسباب اجتماعية وديموغرافية، وكذلك بالنسبة إلى تزايد لجوء غير المسيحيّين إلى المنطقة. ويدّعي رجل أنّ «ضيعتي الشيّاح هي الآن كناية عن وكر سلاح وأحزاب ورصاص متفلّت ومخدّرات وسيّارات بلا نمر. ضيعتي صار فيها هيك من ورا «حزب الله» و«حركة أمل»».

تنميط طائفة بأكملها

المشكلة ليست في صحّة ما يقال من عدمها، بل في السفسطائية والطائفية واستغلال مشكلات اجتماعية يعانيها الوطن على امتداده، ولصقها بطائفة معيّنة.

وللمصادفة أنّها طائفة غالبية مَن يقاومون الاحتلال الصهيوني في الوقت الحالي. على طريقة حقّ يُراد به باطل، يحاول التقرير نسب آفات اجتماعية موجودة حتّى في «المناطق المسيحية» (بل عند mtv نفسها) إلى فعل المقاومة نفسه، أكان يساريّاً أم فلسطينيّاً أم إسلاميّاً، ويركّز على الأخير لزوم التنميط. فوق ذلك، يكرّس منطق الطوائف والإشارة إلى كلّ طائفة من اللبنانيّين كأنّها قطيع متجانس، كما اللغة الطبقية الاستعلائية المقيتة التي تحكم على الفقراء وتلقي عليهم اللوم في معاناتهم، كما عادة الطبقة المحدثة الثراء التي ينتمي إليها القائمون على mtv.

الأسوأ من ذلك كلّه أنّ القناة «تطعّم» عقول مشاهديها لإدخالهم في نفق حقد دفين ظالم، لا ينتهي سوى بتبرير العدوان وصولاً إلى تمنّي جزء من اللبنانيّين قصف جزئهم الآخر، أو حتّى تمنّي الاقتتال الداخلي!

خدمة مجّانية للعدوّ

الحملة المسعورة على المقاومة تعدّت حدود السياسة لتصل إلى ترسيخ الانقسامات في لحظة حرجة من تاريخ الوطن، علماً أنّ mtv تدرك تماماً تعطّش العدوّ إلى هذه الانقسامات وسعيه إليها تسهيلاً لمهمّته، لكنّها لا تأبه، هي الطامحة إلى ثلاثين من فضّة ربّما لن تحصل عليها قطّ، على ظهر شعب بأكمله! القناة التي تحرّض على المقاومة و«مغامراتها»، لا تزال تحنّ إلى زمن المغامرات الفاشلة من بطولة ميليشياتها المفضّلة، وهي للمفارقة من الأسباب الرئيسة وراء تراجع أعداد المسيحيّين.

لكنْ كما يقول هيغيل: «نتعلّم من التاريخ أنّنا لا نتعلّم من التاريخ». باختصار، أرادت mtv ضرب عصفورَين بحجر: من جهة تكمل حربها النفسية وحملة البروباغندا دعماً لمجهود العدوّ الحربي، ومن جهة أخرى تصرخ: «أكلونا المحمودات»!

نزار نمر

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى