ما الذي يدفع رئيسًا للجمهورية إلى أن يفعل ما يفعله جوزيف عون؟ قد يبدو السؤال ساذجًا، أو كأنه يطرح أمراً غير مألوف في الحياة السياسية اللبنانية. غير أن عون ليس أول رئيس للجمهورية يذهب بعيداً في معاداة شريحة واسعة من اللبنانيين.

فقد سبقه إلى ذلك رؤساء تجاوزوا حدود الخصومة السياسية إلى مستوى إدارة الحرب.

وهذا ما فعله، في ثمانينيات القرن الماضي، أمين الجميل الذي كان في صدام مع كلّ المسلمين لا الشيعة فقط، وهدّد يومها بتدمير الضاحية الجنوبية.

استحضار تلك التجربة لا يأتي من باب المقارنة اللفظية، بل لأن أمين الجميل كان يومها جزءاً من المشروع الأميركي – “الإسرائيلي” الأوسع في لبنان والمنطقة. وقد أقنعته قوى داخلية وإقليمية، إلى جانب الولايات المتحدة ودول غربية، بأن موازين القوى تسمح بإعلان الطلاق مع بقية اللبنانيين وإخضاعهم.

لم يكتفِ رئيس الجمهورية في تلك المرحلة بالتمهيد لعودة الحرب الأهلية في لبنان، بل تعدّاه إلى التهديد بقصف دمشق، قبل أن يتبيّن له، في أقلّ من عامين، أنه ليس سوى ألعوبة بيد أميركا و”إسرائيل”، وأنه لا يمثّل سوى جزء من اللبنانيين، لا لبنان كله، قبل أن يبدأ مشوار خسارة غالبية تمثيله السياسي، وصولاً إلى خروجه من الحكم ودخول حزب الكتائب مرحلة الأفول.

جوزيف عون ليس أمين الجميل. فهو ليس زعيماً سياسياً يمتلك تمثيلاً شعبياً حقيقياً، كما أن خبرته أظهرت محدودية تجعل حتّى ميشال سليمان أكثر تعقّلاً في إدارة التوازنات اللبنانية. أمّا ما راكمه من معرفة وخبرة خلال تولّيه قيادة الجيش، فلم ينعكس فهماً لتعقيدات الواقع السياسي اللبناني وتشابكاته.

وعون، الذي وصل إلى الرئاسة بقرار أميركي – سعودي، وغصباً عن غالبية واسعة من القوى السياسية واللبنانيين، يبدو مقتنعاً فعلياً بأنه يعبّر عن مشاعر الغالبية اللبنانية، ولا سيما في ظل دائرة من المستشارين وحده الله يعلم كيف يقيسون الأمور.

وهو لم يخلع البزّة العسكرية، ولم يكلّف نفسه عناء قراءة الدستور، ولا الاستماع إلى تجارب من سبقوه في موقعه.

وتوحي التجارب معه على مدى سنوات طويلة بأنه يتصرّف انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الدعم المباشر الذي يحظى به من الولايات المتحدة والسعودية، والدعم غير المباشر من إسرائيل، كفيلان بأن يضعاه في موقع القادر على فرض الوقائع على بقية اللبنانيين.

بهذا المعنى، يصبح النقاش مع جوزيف عون بلا جدوى ومضيعة للوقت. ولكن، لأن الواقع اللبناني لا يتيح قواعد لعبة تسمح بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة وإعادة إنتاج السلطة، يتعامل قادة «الجماعات اللبنانية» مع الأمر باعتباره مصيبة حلّت بهم، وليس أمامهم إلا التعامل مع حالة مرضية مخيفة اسمها جوزيف عون، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

لذلك، سيبقى نبيه بري ووليد جنبلاط في موقع من يمكنه مدّ السلم إلى الرجل للنزول عن الشجرة، أو تنبيهه إلى أنه يذهب بعيداً إلى حيث لن يكون أحد قادراً لاحقاً على مساعدته. أمّا اتّكاله على حكومة يديرها «الناشط الباهت» نواف سلام فلم ولن ينفعه في شيء، إذ إن للأخير عداء عقائدياً مع المقاومة، ولا يكترث بما يُسمى التمثيل الشعبي، وهو مجرّد طارئ يقوم بمهمة قبل أن يسافر إلى حيث يحب أن يمضي بقية وقته.

حان الوقت لإعادة النظر في صيغة الحكم القائمة بعدما تجاوز الزمن «وصفة» الطائف وصار لبنان بحاجة إلى «جردة شاملة» قبل صياغة نظام جديد

مع مرور الوقت، سيجد عون نفسه مضطراً إلى التعايش مع واقع جديد. وسيكتشف أنه استهلك كلّ الرصيد الذي وفّرته له واشنطن والرياض، وأن ما استولى عليه حتّى الآن من صلاحيات ونفوذ لن يبقى على حاله. والرجل الذي يسكن في القرن التاسع عشر، لا يعرف – عن جهل أو عن سابق تصوّر وتصميم – بأن سرقة صلاحيات مجلس الوزراء، تُنذِر بما هو أكثر خطورة على صعيد إدارة البلاد. وسيكون هناك رئيس حكومة يعيد عون إلى حجمه الطبيعي، وإلّا ستتجه البلاد إلى صدام سياسي يطيح باتفاق الطائف من أساسه.

وفي كلّ الأحوال، حسناً فعل عون في ضرب الجنون الأخير. وبينما يعتقد كثيرون بأن ما يجري ليس أكثر من نوبة غضب ستزول، إلّا أن الأفضل لمستقبل لبنان أن تأخذ هذه النوبة مداها، وأن نرى منه مزيداً من الإبداعات في توزيع التمثيل والوطنية، وأن يُتحِفَنا بأفكاره النيّرة عن السيادة. وخلافاً لرغبة كثيرين، ربّما من الأفضل للبنان أن يستمر الرجل في ما يقوم به حاليًّا، لأن ذلك يساعد على إزالة الغشاوة عن أعين من لا يزالون يعتقدون بأنه يمثّل فرصة إنقاذ للبنان، بمن في ذلك من انتخبوه، ومن دعموه، ومن يدفعونه اليوم إلى الهاوية غير آبهين به، للإفادة من النار التي يشعلها.

فوجئ كثيرون بما كشفه نائب حزب الله إيهاب حمادة أول من أمس، حول تقييم نواب الحزب للرجل قبل انتخابه رئيساً، غير أن في الأمر مناسبة لكشف المزيد من المستور حول ما كان الرجل يعد حزب الله به خلال النقاش معه كمرشّح لرئاسة الجمهورية.

وقد يكون مفيداً إطلاع الجمهور، في لبنان وخارجه، على محاضر الجلسات التي جمعت حزب الله به عندما كان قائداً للجيش، وما التزم به ووثّقه بما خصّ موقفه من مستقبل المقاومة في لبنان، ونظرته الحقيقية إلى بقية الأطراف، من جبران باسيل وسمير جعجع إلى نبيه بري وسعد الحريري ووليد جنبلاط، ناهيك عن رؤيته «العنصرية» الواضحة إلى «التطرّف السنّي» في سورية ولبنان.

يقال إن الكذاب «المكشوف» هو من يفتقر إلى ذاكرة جيدة، فيقول الكثير وينسى الكثير مما قاله. غير أن جوزيف عون ليس من المهتمّين بذلك، وما يعرفه هو أمر واحد: قال لي الأميركيون إن القرار اتُّخذ بتصفية حزب الله ولن تغادر “إسرائيل” لبنان قبل إنجاز هذه المهمّة، وإن أحمد الشرع ينتظر إشارة للقيام بدوره في هذه المعركة، قبل أن يضيف إليه أصحاب هذه الأفكار المُذهِلة أنه يمكن للجيش اللبناني القيام بدور خشن في مواجهة حزب الله!

الخلاصة، أن اندفاع جوزيف عون في مسلسل الخطايا، يفيد بكشفه بصورة كاملة، قبل تقييده بالوقائع اللبنانية الصعبة. وحتى من منظور المصلحة الوطنية العليا، فإن جنون جوزيف عون، يفيد بكسر «تابو» النقاش حول مستقبل صيغة الحكم في لبنان، إذ يبدو أن اتفاق الطائف قد أدّى مهمته الفعلية، بعد التمديد القسري له منذ اتفاق الدوحة عام 2008، وبات لبنان بحاجة إلى جردة بكلّ موجوداته البشرية والاقتصادية، قبل صياغة نظام داخلي جديد لهذه الشركة التي اسمها لبنان!

ابراهيم الامين-الاخبار

وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، دعاه فيها إلى إنقاذ لبنان من يد عدوه الحقيقي.

وقال عراقجي، عبر منصة «إكس» رداً على تصريحات عون: «قد يُفهم من تصريحات السيد عون أن إيران هي التي تحتل خُمس لبنان وتهجّر ربع اللبنانيين وتقصف بلاده يومياً».

وأشار إلى أنّه «لو كان لبنان مجرد أداة أو ورقة مساومة لإيران، لكنّا قد توصلنا إلى اتفاق منذ زمن بعيد»، مضيفاً: «أنقذ لبنان من عدوه الحقيقي، سيادة الرئيس».

وكان عون قد اتهم إيران باستخدامها لبنان كـ«ورقة مساومة»، واعتبر أن «الدبلوماسية التي تنتهجها الحكومة اللبنانية اليوم هي الحل للخروج من الأزمة».

الاخبار

على الرغم من إصرار الأطراف المعنية بالاتفاق الذي أُعلن عنه من واشنطن، عقب الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية – “الإسرائيلية”، على التمسك به واعتباره خارطة طريق للحل، إلا أن خروج حزب الله ليعلن رفضه جملة وتفصيلا، وليضعه في خانة السعي لإبادة قسم من اللبنانيين، يجعله اتفاقا ولد ميتا.

وتشير مصادر واسعة الاطلاع الى “استياء رسمي لبناني كبير عبّر عنه بكثير من الوضوح رئيسي الجمهورية والحكومة في الساعات الماضية، بهجومهما على حزب الله وايران”، لافتة الى أن “عون وسلام يعتبران أن اصرار الحزب على نسف مسار واشنطن التفاوضي، رغم كل الجهود التي تبذل للضغط على “الاسرائيليين”، يعطي رئيس الوزراء الاسرائيلي حجة ومبررا لتوسعة الحرب من جديد، وحتى العودة لاستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت”.

وتعتبر المصادر أن “حزب الله يعول على تفاهم أميركي- ايراني بات وشيكا يلحظ الوضعية اللبنانية، وسيكون لا شك أفضل بكثير للحزب من اتفاق واشنطن الحالي”، مشيرة الى أن “الموقف الايراني العالي النبرة، والذي يصر على أن يشمل أي تفاهم انسحاب اسرائيلي من الاراضي اللبنانية المحتلة، يؤخر انجاز هذا التفاهم… لكن استماتة ترامب لإنهاء الحرب في المنطقة، نتيجة الضغوط الداخلية الأميركية الهائلة التي يتعرض لها، قد تؤدي قريبا الى اتفاق يأخذ بمعظم الشروط الايرانية، وضمنا ما هو مرتبط بملف لبنان”.

بولا مراد – “الديار”

في وقتٍ لا يتراجع فيه رئيسا الجمهورية جوزاف عون، والحكومة، نواف سلام، عن دفاعهما عن «اتفاق الذل»، يواصل العدو الإسرائيلي عدوانه على جنوب لبنان بلا أيّ رادع. فالغارات لا تتوقف، والمجازر تتكرر، والشهداء والجرحى يسقطون يومياً.

وبينما يُطلب من المقاومة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، لا يجد الاحتلال من يُلزمه بوقف اعتداءاته.

فأين الضمانات التي وُعد بها اللبنانيون؟ ومن يضع حدّاً لآلة القتل الإسرائيلية التي لم تلتزم يوماً بأي اتفاق؟ وما الطريقة التي سيلجأ إليها رئيس الجمهورية لتحميل العدو مسؤولية عدم تنفيذ الاتفاق؟

في هذه الأجواء، كان لافتاً اليوم اللقاء الذي جمع الرئيس عون بالسفير الإيراني، حسن عباس، حيث أعلنت رئاسة الجمهورية أنّ ‏العلاقات اللبنانية – الإيرانية كانت محور بحث بينهما خلال اللقاء.

يأتي ذلك فيما امتنع المجلس الوزاري المصغّر عن التصويت على قرار وقف إطلاق النار في لبنان، متذرعاً بموقف الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الرافض له، رغم أن سجلّ العدو الحافل يُظهر عدم التزامه بالقرارات والاتفاقات، سواء في لبنان أو في غزة.

تصعيد عسكري إسرائيلي في الجنوب

أما ميدانياً، فقد شهد جنوب لبنان، منذ فجر اليوم، تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً واسعاً تمثل بسلسلة غارات جوية وقصف مدفعي، ما أدّى إلى سقوط شهداء وجرحى وأضرار مادية جسيمة، فيما واصل جيش العدو إصدار أوامر الإخلاء لسكانه، وآخرها لبلدات الصرفند، تفاحتا، البابلية، قعقعية الصنوبر، المروانية، السكسكية، عرنابة، عنقون وكفرفيلا وطلب من السكان إخلاءها ما أدّى إلى حركة نزوح كثيفة في المنطقة.

وشهد جنوب لبنان، منذ فجر اليوم، تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً واسعاً تمثل بسلسلة غارات جوية وقصف مدفعي، ما أدّى إلى سقوط شهداء وجرحى وأضرار مادية جسيمة.

في التفاصيل، استهدفت مسيّرة إسرائيلية بلدة كفردونين في قضاء بنت جبيل، فيما أسفرت غارة على بلدة برج قلاويه عن سقوط شهيد وجريح. كما شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارة على محيط مستشفى جبل عامل في مدينة صور مستهدفاً مبنى بنك «عودة»، ما أدّى إلى تدميره وإصابة 12 مواطناً بجروح متفاوتة بين المتوسطة والطفيفة، نقلتهم فرق الدفاع المدني إلى المستشفى لتلقي العلاج.

وفي قضاء النبطية، استشهد الشاب حسن يوسف سرحان (عبود) جراء غارة جوية استهدفت بلدة الدوير فجراً، وأدت إلى تدمير مبنى سكني، فيما أفيد عن إصابة حرجة. كما استشهد الدكتور محمد جعفر أحمد سعيد نعمة في غارة استهدفته في بلدته حبوش، إلى جانب استشهاد الشاب حسن نضال جوني في غارة ثانية على البلدة نفسها.

وشن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات صباحية استهدفت بلدات النبطية الفوقا وزبدين وشوكين وجبشيت، بالتزامن مع قصف مدفعي متقطع طال بلدة كفرتبنيت. كما أغارت مسيّرة إسرائيلية فجراً على منطقة البراك عند مفرق العدوسية، فيما تعرضت بلدة دير الزهراني لغارتين ليليتين استهدفتا مبنيين على الطريق العام.

وفي قضاء صور، أغار الطيران الإسرائيلي على بلدة مجدل زون، بينما استهدفت مسيّرة منطقة مستديرة حاروف – تول. كذلك نفذت المسيّرات الإسرائيلية منذ ساعات الصباح الأولى سلسلة غارات بصواريخ موجهة استهدفت دراجة نارية عند مفرق النجدة الشعبية في النبطية، إضافة إلى منطقتي حبوش وعبا، ما أدى إلى وقوع إصابات.

كما أغار الطيران الحربي ليلاً على مبنى في محيط مخفر الدرك في بلدة الدوير، مدمراً إياه، وأوقع شهيداً وجريحاً، في حين استهدفت مسيّرة فجراً دراجة نارية على طريق حبوش، ما أدى إلى إصابة شخص.

بالتوازي، واصلت المدفعية الإسرائيلية قصفها لبلدات كفررمان والنبطية الفوقا وأطراف شوكين وميفدون، إضافةً إلى محيط برج قلاويه وديركيفا.

وفي قضاء مرجعيون، نفذ جيش الاحتلا الإسرائيلي ليلاً عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة الثقيلة في بلدة الخيام، تخللتها عملية نسف كبيرة في منطقة باب الثنية داخل البلدة.

المقاومة تواصل عملياتها

في المقابل، واصلت المقاومة عملياتها الميدانية ضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي المنتشرة في جنوب لبنان، مستهدفةً عدداً من تجمّعات الجنود والآليات العسكرية في محاور مختلفة، ومحققةً إصابات مباشرة في صفوفها.

وفي هذا السياق، أعلنت المقاومة استهداف تجمّعٍ لآليات وجنود جيش العدو في منطقة البالوع عند أطراف بلدة حدّاثا بقذائف المدفعية، كما استهدفت تجمّعاً آخر للجنود والآليات في أطراف البلدة نفسها بالقصف المدفعي.

وفي إطار العمليات الصاروخية، استهدفت المقاومة تجمّعاً لجنود الاحتلال في أطراف وادي الحجير بصلية صاروخية، كما وجّهت صاروخاً نوعياً نحو تجمّعٍ للجنود والآليات في محيط قلعة الشقيف التاريخية، قبل أن تعاود استهداف الموقع نفسه بصلية صاروخية نوعية. كذلك، استهدفت المقاومة تجمّعاً للجنود والآليات الإسرائيلية في بلدة القنطرة بصلية صاروخية.

ونفّذت المقاومة كميناً محكماً ضدّ قوة إسرائيلية حاولت التقدّم باتجاه الأطراف الشرقية لبلدة الغندورية. وعند وصول القوة المتوغلة إلى نقطة الكمين، فجّر مقاتلو المقاومة عدداً من العبوات الناسفة بالقوة المستهدفة، ما أدى إلى وقوع إصابات مؤكدة بين أفرادها.

وسارعت قوات الاحتلال إلى سحب المصابين تحت غطاء دخاني كثيف، قبل أن تشنّ غارات جوية وتنفذ قصفاً مدفعياً على المنطقة المحيطة بموقع الكمين في محاولة لتأمين عملية الإخلاء والتغطية على خسائرها.

الاخبار

«الاتفاق قد يكون الفرصة الأخيرة وإلا فليتحمل كل فريق مسؤوليته». هذه العبارة تخص رئيس الجمهورية جوزيف عون. وهي عنوان رسالته إلى المقاومة ورجالها وناسها. وهو كمن يقول لنا، إن هذا أفضل ما أمكنه الوصول إليه.

وإذا كان فريق رئيس الجمهورية، من مستشارين ومساعدين وفنيين وعسكريين، لا يريدون مساعدته على الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه، وقد أدى هؤلاء دوراً كبيراً في تعميق هذا المأزق، فإن على أحد أن يخرج إلى عون ويشرح له حقيقة ما يحصل.

يقول عون، إن هذا أقصى ما يمكن القيام به. وهو يصدق أو هكذا قالوا له، بأن هذا هو الخيار الوحيد لمواجهة آلة القتل “الإسرائيلية”.

ثم وافق، طوعاً أو غضباً، على أن المقاومة لم تعد قادرة على القتال، وأنه لا يقدر أحد على الوقوف في وجه “إسرائيل”. فيقبل بالاستسلام خياراً سهلاً، علماً أنه كان قائداً للجيش، فهل كنت لترفع الراية البيضاء لمجرد أن خصمك يملك قوة نارية أكبر من تلك التي لديك. وبالتالي تعلن الاستسلام وتحل الجيش وتسرح الجنود؟

أنت تعرف، أن من اختار لك اسم ندى معوض كسفيرة للبنان في العاصمة الأميركية، إنما كان يورطك في أمر كبير.

وإن كنت تعلم مسبقاً فهذه مصيبة، لكنها تهون إن كنت اكتشفت مع الوقت، بأن هذه السفيرة لا تختلف أبداً من حيث الفهم والمهارات، عما يتمتع به السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، حيث انعدام الثقافة السياسية، وحيث لا تجربة لهما في العمل الدبلوماسي، وفوق كل ذلك، فإن لهذه السفيرة مرجعية خاصة، لا علاقة لها بالدولة في لبنان ولا برئاسة الجمهورية، ولا يقدر وزير الخارجية على توجيهها في عملها، ولا يقدر أحد في لبنان على مخاطبتها…

حتى عندما اخترت السفير سيمون كرم رئيساً للوفد التفاوضي، فقد قيل لك، بأن الرجل صاحب خبرة. ومرة جديدة، نجح المستشارون من حولك، في إقناعك، بأن الرجل يملك مقومات من يقود مفاوضات تهدف إلى تحصيل حقوق لبنان. لكنك عرفت، وقد سمعت من آخرين، من خارج نادي المستشارين، بأن كرم، لديه مؤهلات في معارضة حزب الله ورفض المقاومة، وفي اتهام الحزب بالخراب والدمار في كل لبنان، حتى عندما كانت له تجربة في مفاوضات حول «جزين أولاً» في تسعينات القرن الماضي، أظهر «خفة» جعلت سفراء في وزارة الخارجية من الذين لديهم خبرة عقود، يقولون لكل من كان في الحكم، بما في ذلك رفيق الحريري الذي لم يكن معارضاً للمفاوضات، بأن الرجل غير مناسب.

هل أنت فعلاً رئيساً لكل لبنان؟
عندما قرأت مسودة الإعلان الذي صدر بالأمس، وكان فيه كل ما نشر، إضافة إلى أمور أخرى شطب بعضها وعدل بعضها الآخر، هل انتبهت، أو لفت مستشاروك انتباهك إلى أنه لا إشارة إلى عدوان “إسرائيلي”، ولا إلى أراضٍ محتلة، ولا إلى انسحاب ولا إلى إطلاق الأسرى والمعتقلين، وعودة النازحين والإعمار.. أم أنك كنت تقرأ بياناً عن أحداث تجري في بلاد أخرى؟

هل تعتقد أن الوفد “الإسرائيلي” كان ليقبل إن أشرت إلى ضرورة أن يسحب قواته خلف الحدود بمسافة كبيرة، أو يلتزم وضع سلاح جوه تحت رقابة طرف محايد لضمان عدم الاعتداء على لبنان؟ وهل كنت تعتقد أن رئيس وفد العدو كان ليقبل أن تقول له إنه ارتكب الجرائم منذ سنة ونصف السنة دون توقف؟

كيف لعاقل يريد أن يحفظ هذه البلاد، أن يصدق، أنه يوجد سلطة في البلاد لا تكتفي بتجريم قسم من شعبها، وتجعل أبطالها مجرد مرتزقة وجب اعتقالهم، ثم توفر التغطية لقتلهم مع أهلهم وكيف يمكن الوثوق بأن هذه السلطة مؤتمنة على مصير البلاد والعباد..؟ هل يوجد في هذه السلطة من فكر للحظة، قبل الموافقة على هذا البيان، أن يبيع قسماً من أرضه ويتخلى عن قسم من شعبه، وهل فكر كيف سيكون رد فعل هؤلاء، أم أنه ظل مهتماً فقط برضى الوصي الأميركي والسعودي والأوروبي؟

من يوافق على البيان الذي صدر عن واشنطن، يتجاوز بلاهة وتفاهة ندى معوض وميشال عيسى، ويلامس حد اقتراف أكبر الجرائم بحق قسم كبير من أبناء بلده

ثمة قدر من البلاهة الظاهرة في أداء السفيرة ندى معوض، وبلاهة مع تفاهة أكثر وضوحاً في إدارة السفير ميشال عيسى، لكن، لا عتب عليهما، بل يجب محاسبة كل من كان يجلس على الطاولة ويعرف لبنان جيداً، ومحاسبة كل من يجلس في غرف القرار في لبنان ويعرف لبنان جيداً أيضاً، ثم قرر بأعصاب باردة الموافقة على بيان الذل والعار الذي صدر، والذي خرج الرئيس عون ليقول إنه الفرصة الأخيرة، ثم يتبعه مساعده الحكومي نواف سلام ليقول إنه الخيار الأمثل، قبل أن يضيف بأن نزع سلاح المقاومة هو مطلب لبناني وليس مطلباً “إسرائيلياً”، وهو يفعل ذلك بينما لقتال يدور على أرض الجنوب، حيث ولد هناك من يحمل هذا السلاح.

كيف لنا أن نصدق أن عون وسلام، اللذين لا يتوقفان كل ساعة عن إدانة ما تتعرض له دول الخليج من ضربات إيرانية، ويرسلون البرقية تلو البرقية، بينما لم يبذلا جهداً منطقياً بسيطاً في تفنيد جرائم العدو والتقدم بشكوى إلى أي هيئة قضائية عربية أو إقليمية أو دولية أو حتى أميركية… هل يمكن للناس أن تنام مرتاحة لوجود هذا الصنف من الرجال في سدة الحكم؟

ما حصل لم يكن أمراً عادياً، ولن يكون، وإذا كان في الحكم عندنا من لا يأبه لخراب البلاد، وهو لا يسأل عن حياة من تقتلهم “إسرائيل”، سواء كانوا مقاومين أو مدنيين، أو عسكريين من القوى العسكرية، أو مسعفين أو طلاباً أبرياء، فإن عندنا في هذه الأرض، من يقف رافعاً سلاحه في وجه آلة الموت، ويكيل لها الصاع صاعين، أما من يقرأ التاريخ ومستقبل الشعوب بعدد القذائف التي تلقيها طائرات العدو، فليس له أن يحدثنا عن تجارب الشعوب الحرة في العالم، وعليه أن يصمت ويرحل متى خرج الناس مطالبين إياه بالرحيل…

قد يكون الكلام قاسياً، وقد يراه البعض يخدم من يرغب في تعميق الانقسام الداخلي، لكن، عندما تصل الأمور إلى حد اللعب بمصائر الناس والبلاد، فإن أقل الواجب أن تقول لهؤلاء ارحلوا غير آسفين على كل ما قمتم به.. فقط ارحلوا!

ابراهيم الامين-الاخبار

تراقب المراجع الديبلوماسية الغربية وغير الغربية ما يجري من مواجهات عسكرية محدودة بين الطرفين الاميركي والايراني على ضفاف مضيق هرمز وفي الدائرة الجغرافية للخليج. وهي لا ترى أن تلك المواجهات الطارئة تفتح الباب على حرب مفتوحة ولا على اغلاق الباب على المفاوضات وانتاج “بيان النوايا”. ولا حتى الاختبارات العسكرية الاسرائيلية في الجنوب اللبناني وعلى الساحل من “ضبط” الرئيس الاميركي دونالد ترامب تدحرج الاوضاع اللبنانية.

الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون كان قد استبق الامور في جلسة المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية الاميركية الاخيرة بأنه لن “يصدر” عنها بيان نوايا “خلافاً” حتى لتوقّعات الآخرين. وتحفّظ الرئيس عون كان في مكانه ادراكاً منه ان نتنياهو يريد استخدام التصعيد العسكري الاسرائيلي وتثميره سياسياً وديبلوماسياً وصولاً “لاتفاق سلام” مع لبنان عبر تنسيق أمني لبناني-اسرائيلي لتجريد حزب الله من سلاحه.

وبهذا المعنى فان “ممانعة” الرئيس جوزاف عون ترمي بدورها الى استثمار “الوساطة الاميركية” بما يفيد توجّه السلطة اللبنانية في “الخطوط الحمر” التي وضعها والتي يفاوض بها ببراعة متناهية السفير سيمون كرم والذي يستخدم “الصمت” احياناً كتعبير غامض ولغة محرجة للمفاوض الاسرائيلي فلا يصرّح الاميركي بموقف ملزم.

صحيح أن المفاوضات في واشنطن اقتربت من “التوافق النسبي” على اعتماد خطة “المنطقة التجريبية” والتي يفترض بها ان توقف العمليات العسكرية مصحوبة بانسحاب عسكري اسرائيلي متدرّج يعوّضه انتشار الجيش اللبناني وتتولى لجنة الميكانيزم ضبط الاختراقات. انما هنا ايضاً رفض المفاوض اللبناني فكرة التعاون بين الجيشين اللبناني والاسرائيلي في خطة “المنطقة التجريبية” وحصر الامر بأداء المؤسسة العسكرية اللبنانية على أن “توفّر له الادارة الاميركية القوة والامكانات” على اعتبار أن واشنطن تعالج موضوع حزب الله بالتفاوض المباشر وغير المباشر معه عبر قطر والسعودية وبوابة اسلام اباد لانتاج “اعلان النوايا” بين واشنطن وطهران.

وبهذا السياق كيف يمكن فهم تصريحات الرئيس الاميركي دونالد ترامب حول لبنان ونتنياهو.

فهو قال لصحيفة “نيويورك بوست” :”يقلقني الصراع المستمر بين نتنياهو ولبنان. وقلت لنتنياهو “انه مجنون” وأنه كان منزعجاً من صراع نتنياهو مع لبنان”.

وأما الوجه الآخر لهذه التصريحات:”انا معجب جداً ببيبي وأعمل معه بشكل ممتاز”

هذا يعني ان الاعتراض الاميركي هو على المدى الذي تصل اليه العمليات العسكرية الاسرائيلية في تهديدها للمسار الاميركي-الايراني وخصوصاً أن ايران تربط الوضع اللبناني بهذا المسار.

فما يريده الرئيس دونالد ترامب هو أن يكون الدور الاسرائيلي في لبنان مسرّعاً لانتزاع “مرونة ايرانية” في “الاجوبة الايرانية” على المطالب الاميركية لا معطّلاً ومعيقاً لهذه المرونة.

ذلك أن هناك تشاركاً اميركياً-اسرائيلياً عبّر عنه نتنياهو بقوله: “أنا وترامب نتشارك هدف نزع سلاح حزب الله وجعل لبنان منزوع السلاح” . لكن الافتراق بين الاثنين حاصل حول كون ترامب يغلّب الخيار الديبلوماسي ويريد ان يتجنّب معاودة الحرب مع ايران فيما نتنياهو مصلحته الفعلية هي في تأزيم الوضع ونشر الفوضى في المنطقة واستدراج الولايات المتحدة الاميركية وايران معاً الى الحرب من جديد.

معرفة حدود التلاقي والافتراق بين ترامب ونتنياهو هي نقطة يمكن البناء عليها من المفاوض اللبناني لاستعادة الارض والسيادة ودفع الامور نحو “اتفاق امني” لا “اتفاق سلام” منفرد. وهذا يفترض مقاربة المشهد اللبناني والاقليمي بالربط بين مختلف العناصر المكوّنة له.

عبد الهادي محفوظ

كتب “الأنباء” تقول: وسط مشهد محلي إقليمي بالغ التعقيد، عقد الوفدان العسكريان اللبناني والإسرائيلي محادثات مباشرة في مقر وزارة الحرب الأميركية “البنتاغون” برعاية واشنطن، في إطار إطلاق المسار الأمني الداعم للمحادثات الجارية بين البلدين.

وأعلن البنتاغون في بيان رسمي أن وكيل وزارة الحرب للسياسات إلبريدج كولبي استضاف الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي، حيث خاض الجانبان محادثات عسكرية مباشرة وُصفت بالبناءة، ركّزت على وضع أطر عملية للأمن والاستقرار الإقليميين.

 وأكد البيان أن النتائج الملموسة والتقدم الذي تحقق في هذه المناقشات من شأنهما أن يساهما بشكل مباشر في المسار السياسي الذي تقوده وزارة الخارجية الأميركية، والمقرر استئنافه الأسبوع المقبل.

 كما شددت وزارة الحرب الأميركية على تقديرها لشراكتها الاستراتيجية مع كل من الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، مؤكدة دعمها لسيادة لبنان ووحدة أراضيه بعيداً عن أي جهات مسلحة غير تابعة للدولة، ومعتبرة أن هذه الخطوات تشكل جزءاً أساسياً من رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط. كما أعلنت تطلعها إلى استئناف المسار الأمني قريباً لمواصلة هذه المباحثات.

 وكشفت مصادر لـ”الأنباء الإلكترونية” أن المفاوضات العسكرية أخفقت في تحقيق اختراق على صعيد وقف إطلاق النار أو دفع إسرائيل إلى التراجع عن عملياتها البرية المتجاوزة لقرى “الخط الأصفر”، في ظل تمسكها بذريعة استمرار “حزب الله” في أعماله العدائية.

 في المقابل، تزامنت هذه المفاوضات مع استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي على الأرض. فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال جولة في جنوب لبنان أن قوات الفرقة 36 التابعة للجيش الإسرائيلي عبرت إلى نهر الليطاني وتقدمت نحو ما وصفها بالمواقع الاستراتيجية، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية لا تقتصر على الجنوب، بل تمتد أيضاً إلى بيروت والبقاع وسائر الجبهة اللبنانية. وشدد على أن الجيش الإسرائيلي يوجه ضربات قاسية لـ”حزب الله”، معتبراً أن الحزب في حالة انهيار.

 مصادر أمنية أشارت في اتصال مع “الأنباء الإلكترونية” إلى أن الجيش الإسرائيلي الذي سيطر بالأمس على دبين القريبة من مرجعيون بعد انسحاب الجيش منها، أصبح يقترب جداً من مدينة النبطية على جبهتي زوطر وأرنون، وأن القوات الإسرائيلية أصبحت على بعد 500 متر من النبطية.

وأكدت المصادر أن لا أفق لأطماع العدو التوسعية، كما لفت إلى ذلك الرئيس وليد جنبلاط، فحذر من تفتيت لبنان وسوريا وربط احتلال إسرائيل لجنوب لبنان بجنوب سوريا لحماية شمال إسرائيل.

 وفي المعلومات الميدانية أن دخول إسرائيل إلى دبين بعد انسحاب الجيش اللبناني منها، يعني انقطاع الطريق الوحيد الذي كان يؤدي إلى مرجعيون عبر جزين، وأن التواصل مع مرجعيون والقليعة والقرى الحدودية يمر فقط عبر راشيا وحاصبيا وأبل السقي، في محاولة لقطع طرق إمداد “حزب الله”.

 ماذا دار بين عون وروبيو؟

رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي تابع بعد ظهر أمس الجمعة من بعبدا إلى جانب قائد الجيش العماد رودولف هيكل، المراحل التي قطعتها المفاوضات العسكرية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، تلقى اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جرى خلاله عرض الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة، إضافة إلى التطورات الراهنة في ظل التصعيد المستمر والجهود الدبلوماسية المبذولة لاحتواء التوتر.

 وأكد عون خلال الاتصال ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، معتبراً هذه الخطوة المدخل الأساسي للانتقال إلى أي مسار آخر، وهو الممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة. في حين جدد الوزير روبيو التزام الإدارة الأميركية بمواصلة مساعيها لتثبيت مندرجات لقاءات واشنطن السابقة، مؤكداً دعم بلاده لاستقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره.

 ترامب يفشل في تحقيق السلام الأميركي

في ما يتعلق بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بدا واضحاً أن الصورة لا تزال ضبابية، وأن مواقف الطرفين حول التوصل إلى اتفاق لفك الحصار وإنهاء الحرب على إيران وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثاني من آذار الماضي لا تزال متناقضة.

 فبعد إعلان ترامب عن مجموعة شروط وبنود تتعلق بالتفاهم المرتقب مع إيران، في خطوة تعكس تشديداً أميركياً على الملفين النووي والبحري، أكد أن إيران يجب أن تلتزم بشكل كامل بعدم امتلاك أي سلاح نووي أو قنبلة نووية، وأن هذا الشرط غير قابل للنقاش، داعياً إلى فتح مضيق هرمز فوراً أمام حركة الملاحة العالمية، مع تشديده على إزالة الألغام البحرية في المنطقة أو تفجيرها.

 كما تحدث عن رفع ما وصفه بالحصار البحري غير المسبوق عن السفن العالمية، مؤكداً أن حركة الملاحة ستعود إلى طبيعتها، وأن السفن المحتجزة يمكنها استئناف الإبحار. وقال إن المواد المخصبة المدفونة تحت الأرض سيتم استخراجها وتدميرها بالتنسيق مع إيران ووكالة الطاقة الذرية، كاشفاً أن بلاده تمتلك القدرة التقنية لتنفيذ ذلك.

 في موازاة ذلك، أعلنت الخارجية الإيرانية أنه لا اتفاق مع الولايات المتحدة بعد، وأن هناك تبادلاً مستمراً للرسائل بين الطرفين، مؤكدة أن مذكرة التفاهم لم تصبح نهائية بعد، ولا تفاوض بشأن الملف النووي في هذه المرحلة، بانتظار التحقق من مصداقية ما يتعلق بالحصار البحري.

وفي المعلومات أن تصريحات ترامب بشأن التفاهم المرتقب مع إيران وحديثه عن رفع الحصار البحري وفتح مضيق هرمز أدخلت المشهد في مرحلة ترقب جديدة، خصوصاً بعد الردود الإيرانية التي نفت أجزاء أساسية من هذه التصريحات، ما يعكس استمرار الهوة بين الجانبين رغم المساعي الدبلوماسية الجارية.

كان اسم قائد الجيش العماد جوزاف عون قد صار متداولاً كمرشح من بين المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية، وكانت قيادة حزب الله قد بدأت بتجميع المعطيات التفصيلية حول كلٍ من هؤلاء المرشحين، خصوصاً ما يتعلق منها بموقفه من المقاومة، إضافة إلى فهمه لتركيبة البلد الطائفية والسياسية، وتباعاً رؤيته لمشروع بناء الدولة.

بالنسبة إلى العماد عون، كانت تجربته كقائد للجيش مع الحزب فيها الكثير من التأرجح بين الإيجابية التي تجسدت في التنسيق المباشر على المستوى العسكري، وبين الاحتكاك السلبي في معظم الأحيان حين يتعلق الأمر بالأحداث الأمنية الداخلية.

على المستوى العسكري، كان التعاون الأول في منطقة الحدود الشرقية مع سوريا، بعد أن قرر عون التحضير لإطلاق معركة «فجر الجرود» التي كانت تنتظر إشارة من حزب الله حول الانتهاء من تحرير منطقة جرود عرسال والتلال المحيطة بها من المجموعات الإرهابية التكفيرية، والتي كان يتباهى عون أنه شارك فيها ضمناً بتغطية مدفعية بعلم الأميركيين.

وكان أن رد له حزب الله الجميل بمساندة الجيش اللبناني عملياتياً في «فجر الجرود»، وهي المحطة الأولى الميدانية في مسيرته كقائد جديد للجيش.

لم يقتصر الأمر على ذلك، فقائد الجيش الجديد كان يعلم ويغض النظر عن عمليات نقل الأسلحة والمعدات والتجهيزات اللازمة للمقاومة على بعض معابر الحدود اللبنانية مع سوريا، وهذه شكلت مأثِرة له آنذاك، حتى أن الأبراج التي أسهمت دول غربية متعددة في إنشائها على بعض تلال السلسلة الشرقية بالتنسيق مع قيادته في الجيش لم يصل مدى تغطيتها تلك المعابر.

ناهيك بوقائع كثيرة بدأت تتناهى إلى مسامع قيادة الحزب عن أن جوزاف عون يأخذ في الحسبان دور المقاومة وحاجاتها، خصوصاً ضمان حرية حركتها على مساحة الأراضي اللبنانية كافة.

أما على المستوى الأمني، فقد اختلط الأمني بالسياسي، وخصوصاً أن مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق الحاج وفيق صفا حينها لعب أدواراً عميقة وأساسية معلنة وسرية في صياغة مقاربات الحزب ومواقفه من القضايا والأشخاص وخصوصاً منهم الذين هم في صلب مهماته الحزبية، وفي مقدمتهم قائد الجيش أياً كان.

ورغم أن الكيمياء لم تفلح في الجمع بين شخصيتي عون وصفا، غير أن حاجتهما إلى بعضهما البعض كانت دائماً المحرك لتواصلهما الإيجابي أحياناً والسلبي أحياناً أخرى كثيرة، خصوصاً أن هامش الحرية الذي كان ممنوحاً لصفا في حركته مع الكثير من الأطراف السياسية، كان يثير حفيظة عون لجهة ورود معلومات عن عدم استحسان صفا وصوله إلى سدة الرئاسة.

بين هذين الحدين الأمني والعسكري، وفي إحدى جلساتي مع السيد الشهيد هاشم صفي الدين، بادر قائلاً: «أريد أن أسألك، هل يوجد عند صديقك قائد الجيش رؤية لإستراتيجية دفاعية؟» أجبته: «لا علم لدي، ولكني سأسأله.«
في اللقاء الأول مع العماد عون في مكتبه في قيادة الجيش، والذي كنا نعقده أسبوعياً كل يوم سبت، بادرت إلى سؤاله، فأجاب بالتأكيد، مضيفاً أنه في إحدى الدورات العسكرية في الولايات المتحدة الأميركية التي التحق بها كضابط في الصفوف الوسطى، كانت رسالة تخرجه عن حزب الله كحالة مقاومة وطنية نجحت في تحرير الأرض دون شروط.

دارت مناقشات وتبادل أوراق بين العماد عون وحزب الله بشأن موقفه من المقاومة وسلاحها، قبل أن يصل إلى مسودة كاملة للمشروع التي كانت إحدى أوراقه للرئاسة

يوم الإثنين الذي تبعه، أوفد عون إلى منزلي أحد ضباطه ومعه نسخة عن نظرية «استراتيجية الأمن الوطني اللبناني» التي أشرف على إعدادها في كلية القيادة والأركان في الجيش اللبناني في 5/6/2018، والتي قامت بصياغتها لجنة مكلفة، برز منها اسم الدكتور علي فضل الله، والتي تابع إنجازها قائد الكلية آنذاك العميد بسام ياسين، كما ورد حرفياً في نص تلك النظرية المرفق.

في اليوم نفسه، أرسلتها إلى السيد صفي الدين، وما هي سوى أيام قليلة حتى أرسل بطلبي ليبلغني أنه أطلع السيد الشهيد حسن نصرالله الذي علق: «دراسة جيدة كمنطلق للنقاش حول الاستراتيجية الدفاعية التي دائماً ما طالبنا بإقرارها، ولكنها غير كافية ويجب التوسع بها». ليعود السيد صفي الدين ويقول: «فكرة صياغة استراتيجية أمن وطني موسعة خطوة مهمة»، ثم ليسأل: «من خلال حواراتك معه، كيف ينظر عون إلى سلاح المقاومة؟»

طبعاً كان من غير الممكن اختصار الجواب، لذا سأورد بعضاً مما جاء فيه، إذ قلت له: أخبرني العماد عون أنه قال للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين التقاه في الإليزيه، بعد سؤال الأخير له: ماذا ستفعل مع حزب الله في حال وصولك للرئاسة، قال: «هؤلاء شباب حرروا الجنوب، ولولاهم لما عدت إلى ضيعتي، سأجد وسيلة للتفاهم معهم». وأضفت أنه يعتقد أن سلاح المقاومة هو الضمانة إلى جانب الجيش في مواجهة الخطر الإرهابي التكفيري الكامن على الحدود الشرقية الشمالية، وكذلك لمنع إلزام لبنان بتوطين الفلسطينيين، وعلى أي حال الحوار المباشر بينكم وبينه حول مجمل هواجسكم أمر ضروري في حال قررتم دعم ترشيحه لرئاسة الجمهورية.

لكن الأهم هو ما توقف عنده السيد صفي الدين في مقدمة مقترح استراتيجية الأمن الوطني اللبناني، أقتبسه حرفياً، تحت عنوان، أولاً- التعريف:
«استراتيجية الأمن الوطني اللبناني، هي (مستند يصدر عن السلطة السياسية من أجل) تطوير واستخدام وتنسيق أدوات وعناصر القوة الوطنية لتحقيق الأهداف التي تساهم في حماية وضمان الأمن والمصالح الوطنية للدولة والشعب اللبناني».
انطلاقاً من ذلك ومن محطات أخرى سيأتي وقت الكشف عنها لتبيان الحقائق في ما يتعلق بالرئيس عون وحزب الله، كانت الفقرة التي تضمنها خطاب القسم حول تلك الاستراتيجية استكمالاً لما سبق ودار من حوارات مع العماد قبل رئاسته، والتي تقول حرفياً: «عهدي أن أدعو ألى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الديبلوماسية والاقتصادية والعسكرية بما يمكّن الدولة اللبنانية، أكرر الدولة اللبنانية، من إزالة الاحتلال الإسرائيلي ورد عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية».

حين أوردت مضمون هذه الفقرة في المسودة الأولى لخطاب القسم، تناقشت مطولاً مع العماد عون حول الغاية منها، وقلت له إنه لا يمكن دفع حزب الله للجلوس إلى الطاولة لمناقشة موضوع سلاحه إن لم نمنحه اطمئناناً بأن الهدف ليس نزع هذا السلاح ولا تسليمه، وإنما البحث حول كيفية الاستفادة منه كجزء من «القوة الوطنية» لضمان حماية لبنان والدفاع عنه في ظل وجود مخاطر كثيرة تحيط به، وإن هذه الفقرة هي الممر الأسهل لإقناع الحزب بمبدأ حق الدولة في امتلاك قرار الحرب والسلم وحدها، وبالتالي إن تثبيت الفقرة المذكورة في خطاب القسم جاء بناءً على قناعة العماد عون حينها وخلال وبعد الصياغة الأخيرة لخطاب القسم، وإلا لما كان وافق على تكريسها في هذا الخطاب.

ومن الضروري الإشارة إلى أن الفقرة التي سبقت موضوع استراتيجية الأمن الوطني، لم تتضمن مطلقاً تعبير «حصرية السلاح» أو فكرة «نزع السلاح» ولو تلميحاً، وإنما وردت حرفياً كالتالي: «عهدي أن أمارس دوري كقائد أعلى للقوات المسلحة وكرئيس لمجلس الدفاع الأعلى بحيث أعمل من خلالهما على تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح…» وهو تعبير مطاط يحتمل التفسير والتأويل، لذا تم استباق أي محاولة للاستثمار فيه من قبل أعداء المقاومة وأخصامها من خلال فقرة الاستراتيجية التي تلتها.

عاطفتي الشخصية تجاه أخ وصديق جمعنا الإيمان بإمكانية قيام مشروع لإنقاذ لبنان من مطامع أعدائه الذين يتربصون به، كذلك من براثن منظومة التسلط والفساد التي أفقرت اللبنانيين ودمرت طموحات أجيالهم، تدفعني إلى عدم التصديق أن الرئيس جوزاف عون انقلب على العماد جوزاف عون… غير أن الانقلاب قد حصل فعلاً، ليس فقط على الثوابت الوطنية والتعهدات الخطابية، وإنما على الصيغة اللبنانية بأكملها، وهو ما يهدد مستقبل الوطن، وبالتالي لم تعد الدوافع مهمة وإن وجد البعض لها تبريراً بالضغوطات الخارجية، فالحدث الجنوبي جلل والواقع خطير والمصير مجهول، ولملمة ما تبقى تحتاج إلى رجال دولة بحجم الوطن وبعمق الإيمان به وبقوة التحدي لإخراجه من أتون النار التي تأكل ثقة اللبنانيين ببعضهم البعض وقناعتهم بإمكانية استمرار العيش سوياً بلا تكاذب ولا استقواء… أين هم هؤلاء الرجال؟

*المدير العام السابق لوزارة الإعلام

مسودة استراتيجية الأمن الوطني التي وافق عليها عون

في ما يأتي نص مسودة «استراتيجية الأمن الوطني اللبناني» التي أعدت بطلب من العماد جوزاف عون يوم كان قائداً للجيش، علماً أنه بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، عاد وطلب توسيع عمل اللجنة لتضم خبراء آخرين، منهم ضباط سابقون في الجيش وديبلوماسيون لبنانيون، لكن البحث عاد وتوقف بعد سير عون بقرارات 5 آب 2025، وعندها اعتذر عدد من المشاركين عن مواصلة البحث بعدما أبلغوا عون بأنه يبدو أنه قرر السير بتطبيق الاستراتيجية بعكس ما يفترض، وذهب مباشرة إلى نزع سلاح المقاومة.

ورقة عام 2018

د. علي فضل الله – 2018

بناءً على الاقتراح المقدم بتاريخ 5/6/2018 حول اقتراح نظرية «الأمن القومي اللبناني»، وبناء على مُوافقة قائد الجيش العماد جوزيف عون على الاقتراح، ومتابعة قائد كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان العميد الركن بسام ياسين
وبناءً على محاضر اللجنة المكلفة صياغة ما تمت تسميته توافقياً «استراتيجية الأمن الوطني اللبناني».
نطرح الإطار التالي، وهو خلاصة جهود الشهور الماضية:

أولاً: التعريف

استراتيجية الأمن الوطني اللبناني هي مستند يصدر عن السلطة السياسية من أجل تطوير واستخدام وتنسيق أدوات وعناصر القوة الوطنية لتحقيق الأهداف التي تساهم في حماية وضمان الأمن والمصالح الوطنية للدولة والشعب اللبناني.

ثانياً: الأهداف الوطنية

أمن وسلامة الوطن، أرضاً وشعباً ومؤسسات، في حدوده المنصوص عنها في الدستور والمعترف بها دولياً، وتحرير ما تبقى من أرضٍ لبنانية محتلة، وحماية وطننا من العدو الإسرائيلي الذي لا يزال يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية.
حماية الاستقرار الأمني، وأول مقوماته الوحدة الوطنية، والتعامل مع الإرهاب استباقياً وردعياً وتصدياً.
حماية الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل، وفي إطار فرادة لبنان كوطن مجتمع تعدديٍّ متوازن.
تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.
تمت صياغة التعريف حرفياً بالاستفادة من عدد غير قليل من استراتيجيات الأمن الوطني في العالم، ومواءمتها مع ظروف لبنان.
تمت صياغة الأهداف الوطنية بناء على خلاصة ما ورد في الدستور، وفي خطاب القسم، وفي البيانات الوزارية.
● مخاطر صدام بين إيران والسعودية.
● صفقة غير متوازنة لتسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي».
ت- التهديدات.
● العدو الإسرائيلي.
● الإرهاب.

3. البيئة الدولية

أ. التحديات.
● التدخل الخارجي (التدخل التاريخي للسفارات).
● الاحترار العالمي.
ب – المخاطر.
● الأمن السيبراني.
● الأمن النووي العالمي.
● مخاطر صدام بين الولايات المتحدة وإيران.
● أمن الطاقة والمضائق.
● القيم الثقافية الخطيرة (حماية الأداب العامة والأسرة).
ت – التهديدات: لا تهديدات داهمة.

ثالثاً: مستويات الأمن الوطني

البيئة الداخلية.
أ – التحديات.
● الأزمات الاجتماعية (البطالة).
● الانقسام السياسي.
● الخدمات الأساسية.
ب – المخاطر.
● النزوح السوري.
● التوطين.
● الخطاب الطائفي.
● الأزمات البيئية.
● المخدرات.
ت – التهديدات.
● الدين العام.
● الإرهاب (في الداخل).
● الفساد.
● التعامل مع العدو.
2 – البيئة الإقليمية.
التحديات.
التصحر والأمن المائي.
الأمن الإقليمي.
ب – المخاطر.
● الأزمة في سوريا.
● الأزمة في العراق.
كل عنصر من هذه العناصر يخضع للصياغة الموقف منه عند إقرار الإطار العام للاستراتيجية.

رابعاً: الفرص

1 – البيئة الداخلية.
أ – تنامي الثقة بالمؤسسة العسكرية.
ب – وعود النفط.
ت – قدرة الاستقطاب لدى القطاع الصحي.
ث – قدرة الاستقطاب لدى الجامعات في لبنان.

2. البيئة الإقليمية.

– عودة الاستقرارإلى سوريا.

3 – البيئة الدولية.

– التعاون في مكافحة الإرهاب.

لم يتم تحديد تهديدات داهمة تطال الأمن الوطني اللبناني.
تم تبني تعريف للفرص متعلق باقتناص الفرص خلال الفترة التي تغطيها الاستراتيجية، وليس تعريف متعلق بخلق الفرص بالاستفادة من القدرات الكامنة في الوطن.

خامساً: عناصر الأمن الوطني.

1 – العسكري والأمني والسيبراني.
2 – السياسي والدبلوماسي.
3 – الاقتصادي والمالي.
4 – البيئي.
5 – الاجتماعي والإعلامي والقضائي.
6 – الطاقة والبنية التحتية.
7 – المائي والغذائي.
تم حصرها في سبعة عناصر بناءً على طبيعة وتساوق العناصر مع الواقع اللبناني، وتركز على القدرات.

محمد عبيد-الاخبار

عندما انتهت محنة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخاصة بلقاء بنيامين نتنياهو، وجد رئيس الجمهورية نفسه مُحاصراً من جديد في ملف التفاوض المباشر.

أراد الأميركيون منذ اليوم الأول رفع مستوى التمثيل إلى أعلى مما كان عليه سابقاً. تبلّغ لبنان بأنّ المحادثات على مستوى السفراء انتهت، وأن المرحلة المقبلة تتطلّب مستوى آخر، لأن البحث سوف يتناول الملفات الحساسة كافة.

وخلال هذه المدة، ظلّ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى هو المندوب الأميركي الذي يتولّى التنسيق مع عون.

وبرغم أن عيسى أظهر نقصاً فادحاً في الكفاءة لجهة فهم الوقائع اللبنانية، أو لجهة ما يمكن تحقيقه، إلا أنه ظلّ على الدوام يلفت انتباه محدّثيه من اللبنانيين، إلى أنه في موقعه، نتيجة صداقته مع الرئيس دونالد ترامب، وأن هناك علاقة خاصة تربطهما، ولم تكن لديه مشكلة في الحديث عن دور زوجته التي كان تدير جانباً كبيراً من الأعمال، في بناء العلاقة مع ترامب، والتي تعزّزت بعد تقديمهما دعماً لترامب في مواجهة واحدة من أزماته.

وعيسى يعرف كما الآخرين، أن شلّة المستشارين الذين يعملون مع ترامب الآن، هم في أغلبهم من رجال الأعمال الذين وقفوا إلى جانبه في مواجهة أزماته التجارية. وهذا هو حال توم برّاك وستيف ويتكوف أيضاً.

عيسى كان يلتفت إلى أنه ليس محطّ إعجاب المسؤولين في لبنان. وصار ينتبه أكثر إلى أن هناك من يعمل من خلف ظهره.

وسرعان ما تبيّن أن الحديث يدور عن دور المصرفي الصهيوني أنطون الصحناوي و«مجموعة غراهام» التي تُنسب إلى شلّة تعمل مع السيناتور الصهيوني ليندسي غراهام، وهو الداعم لإسرائيل، والرافض لأي نوع من «التعامل أو التسامح» مع حزب الله. وفي كل مرة كان عون يشكو فيها من «قلة دبار» السفير عيسى، كان الصحناوي هو أكثر من يحاول تهدئة الأمور.

وكان يقول: «خذوا في الاعتبار، أن ميشال عيسى، ولو كان ضعيفاً في السياسة، إلا أنه أكثر شخص يريد تحقيق السلام مع إسرائيل، وهو مستعدّ لفعل أي شيء من أجل تحقيق إنجاز في لبنان، حتى يقول إنه نجح حيث فشل كل من سبقه إلى هذه المهمة». ويغمز الصحناوي من قناة توم برّاك، الذي يتهمه الصحناوي و«مجموعة غراهام» بأنه «يُظهِر تعاطفاً ضمنياً مع القوى التي كانت دائماً ضد أميركا ومصالحها».

لكنّ عيسى لم يتوقّف عن التسويق لنفسه حتى عند الأطراف الأخرى في لبنان. وبعدما تفاقمت مشكلته مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ومع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، حصل فجأة تبدّل واضح في حركته ومواقفه.

وقد تبيّن أن معطيات وصلت إلى «الخارجية الأميركية» حول سلوكه، ومن بينها ملاحظات أوردتها محطة الاستخبارات المركزية في بيروت، ليتبيّن لاحقاً أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التقاه على هامش المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وقال له إنه برغم صداقته مع الرئيس ترامب، إلا أنه سفير يعمل تحت إشرافه، وأن عليه الانتباه جيداً إلى كل ما يقوم به في بيروت، وهي ملاحظة انعكست فوراً على سلوك عيسى، وقال من التقاه في آخر جولة له في بيروت إنه مختلف عن السابق. فهو حضر برفقة أكثر من مسؤول من السفارة، وكان يتحدّث بالإنكليزية.

وعندما زار رئيس المجلس النيابي، تعمّد أن يترك الانطباع بأنه ليس طرفاً في النزاعات اللبنانية الداخلية. ولم يسمع بري منه أي كلام متوتّر أو تشنّجٍ أو أي عبارة عدائية تجاه حزب الله. وقد نقل أحد مساعدي بري إلى أصدقاء بأن عيسى «كان يردّد في الاجتماع بأنه حريص على سيادة لبنان، وعلى استعادته الأرض «حتى آخر إنش»، وأنه يعمل كل الوقت مع الرئيس ترامب لأجل تحقيق وقف شامل لإطلاق النار».

نقص المناورات

كان عيسى عملياً، يهتم لتثبيت قاعدة أن تكون الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد الذي يدير المفاوضات. وفي المداولات التي جرت مع الوقت، كانت هناك ورقة عمل مُعدّة للجولات السياسية من المفاوضات، وبعدما حُسم أمر عقدها كلّها في الولايات المتحدة، أدرك الفرنسيون والمصريون أن هناك في لبنان من لا يريد حضورهم في المفاوضات، وأن إبعادهم ليس قراراً أميركياً فقط. ولاحقاً، قال عون صراحة إنه يفضّل واشنطن لأنها الجهة الوحيدة التي يمكنها الضغط على إسرائيل.

لكنّ خلفية موقف عون، تعود إلى نصيحة من «مجموعة غراهام» بأنه لا يجب إدخال أي طرف يريد أخذ الأمور صوب تسوية مع حزب الله. وهو أمر كان عون قد سمعه من الفرنسيين ومن المصريين أيضاً. وكل ما أمكن تحقيقه لأجل مراضاة الطرفين، أنتجه ضغط ثانوي مارسه مساعد عون للشوؤن الحكومية نواف سلام، الذي يزعم أنه يقف خلف زيارة رئيس الوفد المفاوض سيمون كرم، إلى باريس في طريقه إلى الولايات المتحدة.

وهناك التقى كرم فريقاً من الفرنسيين العاملين مع الرئيس إيمانويل ماكرون، ناقشه في جلسة طويلة حول كل ملف التفاوض. وبحسب ما سرّبه الفرنسيون، فإن باريس نصحته بأن لا يتجاهل المحادثات الإيرانية – الأميركية، والتي يمكن أن تحقّق وقفاً للحرب في لبنان أيضاً. وإذا كان في القاهرة من قال إن لبنان عليه الاستفادة من هذه الخطوة، بحيث يحصل على وقف للحرب من دون مقابل، فيكون عندها أقل توتراً حيال المطالب الأميركية من المرحلة الثانية التي تخصّ معالجة مشكلة انسحاب قوات الاحتلال من لبنان.

لعبة الأثمان والنيات

لكنّ الأميركيين يعرفون وكذلك إسرائيل، بأنّ لبنان الرسمي، ليس في موقع من يمكنه تحديد جدول أعمال المباحثات. لذلك سارعت واشنطن إلى إعداد مُسوّدة «إعلان نوايا» عُرضت على لبنان وإسرائيل، وتمّ إدخال تعديلات عليها، وكان مُفترضاً أن تكون هي النتيجة الأولى لجلسة واشنطن التي تُعقد على مستوى أعلى من السفراء.

لكنّ الذي حصل، هو أن إسرائيل لم تجد أن الأمور تحتاج إلى جهود كبيرة. كما أدركت أن الوقت لم يحن بعد للتقدّم خطوات كبيرة إلى الأمام. لذلك قرّرت إبقاء الوفد برئاسة سفيرها في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، وتمّ تجميد فكرة انضمام الوزير السابق رون ديرمر لترؤّس الوفد إلى مرحلة لاحقة، خصوصاً بعدما فشلت محاولة نقل رئاسة الوفد اللبنانية إلى شخصية حكومية بارزة، بعدما ردّد وسطاء بأن واشنطن تريد تكليف نائب رئيس الحكومة طارق مترى بالمهمة.

وبحسب مشاركين في الاتصالات الجارية، فإن المشكلة تعود من جديدة لتطلّ برأسها نتيجة الرؤية الضيقة لعون ومساعده الحكومي سلام. الرجلان لا يفوّتان فرصة للقول بأنهما يريدان تقديم كل تنازل يوفّر لهما استمرار الغطاء الخارجي للبقاء في منصبيهما. وإذا كان سلام من حقّه القلق نتيجة الطبيعة الدستورية التي تفرض تغييراً لرؤساء الحكومة، فمن المُفترض أن لا يكون عون قلقاً، كون ولايته تمتد لست سنوات كاملة.

لكنّ عون، الذي لم يأت ببرنامج سياسي واضح مُعدّ من قبله أو من العاملين معه، يجد نفسه أمام خيار من اثنين: إمّا أن يكون رئيساً يحظى بدعم خارجي (السعودية والولايات المتحدة)، مع أمل أن يؤدّي ذلك إلى توفير حصانة فعلية له، وإمّا أن يكون رئيساً فعلياً للبنان، فيكون عليه تحمّل الضغوط الخارجية.

لكنّ هذه المقارنة لا تستوي في الواقع، لأن فكرة الخضوع لما تريده الولايات المتحدة، ثم إسرائيل، سوف تدفع عون إلى موقع داخلي يجعله في حالة خصومة جدّية مع قوى بارزة في البلاد.

وهو يعرف أصلاً أنه لا يحظى بشعبية عند المسيحيين كما جرت العادة عند الرؤساء الموارنة. فلا «القوات اللبنانية» تأمل منه شيئاً، ولا التيار الوطني الحر يقدر على تسويقه كرئيس قادر على محاكاة عقل مؤسّس التيار العماد ميشال عون.

كيف تغيّر سلوك ميشال عيسى الطامح إلى تحقيق ما فشل فيه إسلافه، وماذا يقول عنه الصحناوي و«مجموعة غراهام»؟

وفيما ستكون البلاد أمام واقع دستوي جديد مع أول انتخابات نيابية جديدة، وفي حال جرت الأمور بطريقة أكثر واقعية، فإن أي رئيس جديد للحكومة، لن يكون أبداً في موقع المساعد الحكومي الذي يتواجد فيه نواف سلام اليوم، وهو ما يخشاه عون بقوة، خصوصاً أنه يعرف بأن منطق الأمور يقول إنه لا يمكن ترك التمثيل السنّي في الدولة عُرضة للتهميش كما هو الحال منذ قرار محمد بن سلمان عزل الرئيس سعد الحريري. وحيث تُظهِر كل التجارب أن التهميش في بلد مثل لبنان لا يمكنه تغيير الحقائق. وهذا يعني أن عون، في حال سار في البرنامج الأميركي سوف يجد نفسه في أحسن أحواله، على شاكلة الياس سركيس آخر، مع فارق أنه لا يمتك المهارات التي كانت موجودة عند سركيس.

كلّ ذلك، يجعل عون قابلاً للسير أكثر نحو مزيد من التنازلات التي تضرّ لبنان. وكل همّه الآن، أن يتعامل مع المفاوضات من زاوية خطيرة جداً. بينما يتركّز اهتمام الفريق العامل على تحصين الموقع والنفوذ داخل مؤسسات الدولة. وبالتالي فإن عون يذهب بعيداً في اتجاه مواجهة المقاومة ولو كلّفه ذلك دفع البلاد إلى كارثة سياسية واجتماعية وربما أمنية. وهو إذ لا يعارض أصل اتفاق السلام الكامل مع إسرائيل، يعرف أن الظروف الراهنة لا تتيح له تحقيق هذا الحلم دون الحصول على مكاسب فعلية يمكن تسويقها على أساس أنها انتصارات لم تنجح المقاومة في تحقيقها. وهو مصدر قلقه مما قد يصدر عن أي اتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

وعون سمع من الأميركيين أنفسهم، أن ملف لبنان ليس منفصلاً تماماً عن الملف الإيراني، لكنه وافق على السير بخطة عمل، تقود إلى جعل أي وقف للحرب في لبنان (ولو كان من ضمن اتفاق محتمل بين إيران وأميركا)، على أنه جزء من المفاوضات التي يقودها هو مع إسرائيل. وهو في هذا المجال، لا يخالف الحقائق أو يكابر فقط، لكنه يدفع الأمور نحو المزيد من الخطايا. لأنه يعرف بأنه في حال قرّرت واشنطن إلزام إسرائيل بوقف تام للعمليات العسكرية في لبنان، فستفعل ذلك من أجل تحصيل الاتفاق مع إيران. وعندها يمكن للبنان الفوز بوقف للحرب دون أن يكون مضطراً أن يدفع أي شيء في المقابل.

لكنّ إسرائيل التي لا تريد الاتفاق مع إيران، ولا تريد ربط جبهة لبنان بالجبهة الإيرانية، تسعى هي أيضاً إلى جعل أي خطوة من هذا النوع، حاصلة بطريقة تسمح لها بجبي الأثمان من لبنان، وهي لذلك، سارعت إلى طرح مشروع «إعلان النوايا» الذي يتضمّن هدفاً مركزياً هو التوصّل إلى اتفاق سلام، والذي يشكّل بحسب مُسوّدته أساساً لتعاون أمني – سياسي في لبنان، لا يقتصر فقط على نزع سلاح المقاومة في كل لبنان، بل وضع إطار لمستقبل المنطقة الجنوبية، مع شروط فوق شروط لمشروع إعادة الإعمار وعودة السكان إلى منازلهم… وهو ما يلاقيه عون في منتصف الطريق.
ولهذا حديث آخر!

ابراهيم الامين-الاخبار

دخل لبنان في عدٍّ عكسي باتجاه 29 أيار الجاري، الموعد المحدد لانطلاق المسار الأمني للمفاوضات المباشرة بين سلطة الاحتلال في بيروت وكيان العدو برعاية واشنطن، في ظل تصاعد متواصل لـ«التدافع الخشن» عسكرياً على جبهة الجنوب، وارتفاع منسوب التوتر السياسي داخلياً مع رفع حزب الله سقف تحذيراته للدولة من مخاطر مسار التفاوض أو التآمر مع الخارج ضد المقاومة.

في هذه الأجواء، تعمل السلطة في الكواليس على تجهيز الوفد العسكري المقرر مشاركته في اجتماع البنتاغون، بالتوازي مع رسم الخطوط العامة لجدول الأعمال. ووفق معلومات «الأخبار»، تواجه عملية التشكيل أكثر من إشكالية، لا تقتصر على أسماء المشاركين، بل تمتد إلى طبيعة اللجنة ودورها وصلاحياتها.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة أن رئيس الجمهورية جوزيف عون يشرف شخصياً على عملية اختيار أعضاء الوفد، إلا أنه اصطدم برفض عدد من الضباط المشاركة، اعتراضاً على المسار برمّته وعلى ما يعتبرونه إهانة لموقع الدولة، فضلاً عن تهيّبهم من تداعيات الانخراط في هذا المسار.

وأكدت المصادر أنه حتى يوم أمس لم يتم حسم أي اسم بشكل نهائي.

وفيما تفيد أوساط بأن هناك تبايناً حول تركيبة الوفد وعدم وجود توافق نهائي بشأنها، تحسم أوساط ثنائي حزب الله وحركة أمل أنهما «غير معنيَّين» بهذا المسار، وسبق أن أعلنا موقفهما من مسار التفاوض، ولا تواصل معهما في هذا الشأن».

أما المعضلة الثانية، فتتمثل في الضغوط التي تمارسها واشنطن على لبنان لتشكيل لجنة أمنية تُحدّد خريطة الطريق المقبلة، بما يشمل ملفات تتصل بمواجهة حزب الله، وتنظيم الحدود، إلى جانب قضايا سياسية واقتصادية أخرى.

وقد دفع هذا التوجّه بعض القوى السياسية الداخلية إلى التحذير مجدداً من أن هذا المسار قد يقلب المعادلة، وينقل لبنان من موقع المطالب بوقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي، إلى موقع شريك في صياغة واقع أمني جديد تحت سقف النفوذ الأميركي.

وتصاعد التحذير بعد أن أظهرت وقائع الأيام الماضية أن لبنان عاد عملياً إلى نقطة الصفر: لا وقف فعلياً لإطلاق النار، ولا انسحاب إسرائيلياً، ولا تحرير أسرى، ولا ضمانات ملموسة، فيما يتحول الانخراط في هذا المسار التفاوضي إلى عبء مزدوج على الدولة، إذ إن الانسحاب منه مكلف سياسياً، والاستمرار فيه أكثر كلفة، في ظل دور أميركي ضاغط يفرض إيقاعه ويُحكم شروطه، مع حديث عن عدم رضا واشنطن عن أداء رئيس الجمهورية، واعتبارها أنه لا يزال متحفظاً في تنفيذ ما تطلبه على صعد عدة.

واشنطن غير راضية عن أداء رئيس الجمهورية وتعتبر أنه لا يزال متحفظاً في تنفيذ ما تطلبه على صعد عدة

وعلمت «الأخبار» أن النقاش حول المسار الأمني والعسكري كان قد شغل حيزاً واسعاً من المداولات في واشنطن كما في بيروت، على خلفية الطرح الأميركي القاضي بأن يناقش اللقاء على المستوى العسكري خطة عمل ترتبط بالمسار السياسي وبمسار نزع سلاح حزب الله كشرط مسبق لأي خطوات إسرائيلية.

إلا أن المداولات التي جرت لاحقاً في بيروت قادت إلى قناعة داخل قيادة الجيش اللبناني بوجود «فخاخ» تنصبها إسرائيل في هذا الطرح، ما دفع إلى التفاهم مع رئيس الجمهورية على ثوابت عدة، أبرزها:

أولاً، التوافق على رفض طرح البحث في وضعية الجيش اللبناني، ولا سيما في ما يتعلق بإنشاء لواء خاص بالجنوب، تكون مهمته وفق المقترح الأميركي «تنفيذ الاتفاق»، والعمل على نزع سلاح حزب الله بالقوة إذا اقتضى الأمر.

وقد حذّرت قيادة الجيش من أن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تمسّ بالتوازن داخل المؤسسة العسكرية، وإضعاف سيادتها على تشكيلاتها وألويتها، وتفتح الباب أمام تمييز داخل الجسم العسكري، خصوصاً أن أصحاب هذا الطرح يريدون الذهاب إلى أبعد من مجرد إنشاء «قوة محترفة قادرة على مواجهة حزب الله»، إلى حد التدخل في أسماء الضباط والرتباء والجنود.

ويشير مصدر مطلع إلى أن هذا التصور الأميركي، في حال تطبيقه، سيقود عملياً إلى إنشاء قوة من لون طائفي واحد، كما أن الحوافز التي أشار إليها الأميركيون لعناصر هذه القوة، ستوسّع الهوة بين العسكريين، ومن شأنها تفجير المؤسسة العسكرية من الداخل.

ثانياً، فهمت السلطة السياسية من الجيش أن مهمة الوفد العسكري ستكون تقنية بحتة، وتقتصر على تحديد النقاط الجغرافية المرتبطة بمواقع الاحتلال الحالي، ورسم الإحداثيات الحدودية، وتحديد نطاقات عمل القرار 1701، وبالتالي فإن هذا الوفد ليس مخولاً – ولا يمكن تكليفه – بأي نقاش سياسي مباشر أو جانبي.

وبناءً عليه، جرى التوافق على أن تُعقد الاجتماعات في مقر البنتاغون بدل وزارة الخارجية الأميركية، على أن يتألف الوفد الأميركي من ضباط مرتبطين بعمل «لجنة الميكانيزم» وتابعين عملياً لقيادة المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي، على أن يكون الوفد الإسرائيلي مؤلفاً من عسكريين حصراً.

ورغم هذا الإطار التقني المعلن، ظلّ الجدل قائماً في بيروت حول جدوى هذا المسار وحدوده السياسية.

إذ ترى أوساط سياسية أن الانخراط فيه يشكّل تنازلاً إضافياً من جانب لبنان، يأتي في سياق تراجعات متتالية لم تعد تُنتج مكاسب ملموسة، ما دام الحد الأدنى المطلوب، أي تثبيت وقف إطلاق النار، لم يتحقق بشكل نهائي.

إذ تشير أوساط بعبدا إلى أن كل محاولات الضغط على واشنطن لدفع إسرائيل نحو وقف إطلاق النار اصطدمت بجدار من العجز أو النفوذ الأميركي الموجه لمصالحه الخاصة، ما حوّل المسار من أداة لفرض التهدئة إلى وسيلة لإدارة التصعيد بدل منعه.

وبذلك، فإن لبنان، الذي دخل المفاوضات بناء على أن الأميركيين سيضغطون على تل أبيب، اكتشف أنه أصبح هدفاً مباشراً للضغط الخارجي، بينما تمارس إسرائيل نفوذها بحرية كاملة.

وأكثر من ذلك، انخفض سقف المطالب لدى السلطة من وقف إطلاق النار الكامل إلى مجرد خفض التصعيد، وصولاً إلى محاولة تثبيت حد أدنى من الهدوء يمنع عودة الحرب بصيغتها السابقة، وفق ما نُقل عن السفيرة ندى معوض.

وعلقت مصادر سياسية بأن «السلطة تورطت في مسار التفاوض، لكن لديها فرصة قد يُبنى عليها في حال عادت إلى مسار التفاوض غير المباشر رداً على التعنت الإسرائيلي وعدم قيام الولايات المتحدة بأي خطوة مقابل ما فعله لبنان، ما قد يفتح نافذة لإعادة بناء حدّ أدنى من التفاهم الداخلي».

في هذا المناخ، وفيما يفترض أن يجتمع عون بالسفير سيمون كرم، رئيس الوفد المفاوض العائد من واشنطن، في محاولة لتقييم الجولات الماضية والخيارات المتاحة أمام لبنان، بقي السؤال الملح في الكواليس: هل لا يزال في إمكان السلطة تعديل مسار التفاوض، أم أنها وقعت في فخ طريق مغلق تتنازعها فيه الضغوط الأميركية ورفض إسرائيل لأي التزام واضح؟

ميسم رزق-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...