تحوّلت المراسم المليونية لتشييع المرشد الإيراني الراحل، آية الله الشهيد علي الخامنئي، في مدينتَي النجف وكربلاء قبل أيام، إلى تظاهرة جيوسياسية ذات أبعاد متعدّدة ودلالات بالغة الأهمية.

فالحدث الذي ينظر إليه مسؤولون عراقيون باعتباره منعطفاً مفصلياً قد يقسم المشهد السياسي في البلاد إلى ما قبل التشييع وما بعده، جاء في توقيت إقليمي مهمّ، ليعيد رسم توازنات القوة، ويضع حكومة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، أمام اختبار داخلي وخارجي معقّد، لا سيما في ملفّ ضبط السلاح، والعلاقة الاستراتيجية الحذرة مع كلّ من الولايات المتحدة وإيران.

وفي هذا الإطار، تكشف مصادر سياسية مطلعة، لـ«الأخبار»، أن «واشنطن أعربت عن انزعاجها الشديد من آليات وأبعاد إحياء هذه المناسبة في العراق بهذا الزخم غير المسبوق». وتضيف المصادر أن «التشييع والتحشيد المدروس شكّلا اختباراً صعباً ومحرجاً للغاية للزيدي قبيل سفره إلى واشنطن، حيث تلقّت الإدارة الأميركية رسالة سياسية واضحة وميدانية مفادها أن العراق لا يزال يمثّل مركزاً وثقلاً لنفوذ المحور، وهو أمر يتناقض تماماً مع ما تسعى إليه الإدارة الأميركية وتضغط لأجله».
وفي قراءته لهذا المشهد ومآلاته، يرى الباحث السياسي العراقي، جودت كاظم، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «الكثافة العددية والظهور العلني المكثّف لقادة الفصائل العراقية وجمهورها خلال التشييع، حملا رسالة قصدية سياسية وميدانية واضحة لإثبات النفوذ على أرض الواقع».

ويشير كاظم إلى أن «هذا الاستعراض يمثّل ظهوراً علنياً منظّماً بعد أشهر من الصمت التكتيكي، وهو يتزامن مع تحركات حكومة الزيدي المعلنة الرامية إلى نزع السلاح، وحصره في يد الدولة». ويعتبر أن «الفصائل أرادت إيصال رسالة بليغة ومفصّلة مفادها أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه في أيّ معادلة أمنية أو سياسية، وأن عمقها الجماهيري والعقائدي يمنحها شرعية البقاء في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، ما يجعل خطط نزع السلاح تواجه جداراً ميدانياً صلباً».

ومن جانبه، يشير الكاتب والمحلل السياسي، إبراهيم السراج، إلى البعد الدولي والإقليمي لهذا الحشد، معتبراً، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «التشييع المليوني اختصر فكرة جوهرية، وهي أن العراق لم يتأثّر بالخطاب والتهديدات الأميركية، بدليل نزول قادة وجمهور المحور بثقلهم الكامل». ويضيف أن «التحشيد من قبل الحشد والفصائل كان مدروساً لغرض إثبات عديدها في الميدان، كما أن حضورها اللافت بالتزامن مع تهديدات دونالد ترامب للمنطقة قد يبرّر لها استمرار جاهزيتها كقوة ردع أمنية أمام جمهورها».

ويعتقد أن «هذا الواقع الميداني يفرض تحدّياً حقيقياً على التفاهمات الأخيرة، لا سيما أن الزيدي صرّح مؤخراً بأنه اتفق مع الفصائل على أن تسلّم سلاحها، وقال أيضاً: سنعدّ برنامجاً لتسليم السلاح، وسينتقل عمل الفصائل إلى الميدانَين السياسي والاجتماعي. لكن زخم هذا الحضور اللافت والمؤثّر في التشييع قد يفرض إيقاعاً مغايراً تماماً، ويعيد صياغة أو إبطاء تنفيذ هذه المسارات السياسية».

وفي مقابل القراءات التي تربط الحدث بمحاور التصعيد؛ ينقل النائب في البرلمان العراقي، صكر الحميداوي، زاوية القراءة الرسمية للمناسبة، مؤكداً، لـ«الأخبار»، أن «التشييع لا يخلو من رسالة واضحة موجّهة للجميع بأن العراق يمتلك أصول الضيافة العربية والإسلامية، وقد تجلّى ذلك في استقبال قادة الأمة والوفود الرسمية في مدنه المقدسة».

وبشأن مستقبل الفصائل والضغط الدولي المستمر عليها، يشير الحميداوي إلى أن «مسألة وجود الفصائل تستند بالأساس إلى دورها الفاعل ومبدئها الثابت والراسخ الذي يرفض الوجود الأجنبي الأميركي وغيره على الأراضي العراقية، وهو أمر سيادي وعقائدي، وبالتالي ليس هناك مانع وطني من تموضعها، بل إن الضغط عليها قد يأتي بنتائج عكسية، فالشارع يرى فيها ضمانة لحفظ السيادة والاستقرار الإقليمي».

وبالفعل، أجمعت شهادات المشيعين الذين تحدّثت إليهم «الأخبار» في النجف وكربلاء، على أن وجودهم المليوني في الشوارع يمثّل «رسالة ثبات وإغاظة واضحة للرافضين للمقاومة، وخاصة الأطراف المقرّبة من أميركا والكيان الإسرائيلي».

ومن شأن هذه الرسالة أن تفرض نفسها على المشهد السياسي، وتتسبّب ربما بتغيير أو عرقلة برنامج الزيدي الخاص بحصر السلاح وجدولته، خصوصاً أنه ثبُت وجود أمر واقع لا يمكن الحكومة أو القوى الخارجية تخطّيه بسهولة.

فقار فاضل-الاخبار

على متن شوقٍ عمره فاق السبعين عامًا، دخل الإمام نجف جدّه أمير المؤمنين زائرًا، وتهادى نعشه على طريق “المشاية” نحو كربلاء الحسين، فوق أمواج نورانية من عشق وحزن وأرواح ثورية: في العراق، أسر مشهد التشييع التاريخي للإمام القائد الشهيد السيّد علي الخامنئي أعين العالم، واجتذب لا العشاق من أهل الحرية وحشد الثائرين فحسب، بل كلّ عين رأت، فأذهلها أن في العالم رجلًا اهتزّت الأرض تحت ثقل دموع المتحلّقين حول نعشه، يزور مقامات أجداده الأئمة مودّعًا، بعد عمر أفناه حبًّا في سلوك نهجهم، وفي إحياء مزاياهم وصفاتهم، وفي تكريس ثورتهم على الطغيان والظالمين.. وأذهلها، أنّ الزائر المشتاق قد فقأ بعين دمه مخرز الاستكبار، وما تزحزح ثانية عن درب جدّه في النّجف، فبدا المشهد المثقل بالحزن وبالعزّة الحيدرية آسرًا.. حفيدٌ في حضرة جدّه، حبيبٌ في محضر حبيبه، وكلّ الكون فيهما يحدّق فيبصر فيض النّور من دمٍ تولّد من دمٍ ثوريّ.. ويبصر كيف حلّ الدفء غزيرًا في الأرواح الحاضرة، في الملايين التي احتشدت للترحاب وللوداع، وفي الملايين التي وقفت في البعيد تراقب بعين الشوق والحسرة، وتحمّل كلّ الحاضرين السلام على الإمام، وعلى حفيده الإمام..

على وقع الهتافات الحيدرية والحزن الذي يبدع في نظم نبضاته صوت العراق، دخل نعش الإمام الخامنئيّ الشهيد وعائلته صحن المقام في النجف، وبدا كأنّ كلّ ما في المقام ضمّ النعوش إلى صدره، شمّ الأجساد التي ما مسّها في الدنيا ترف أو تعلّق فانٍ، كما لم يمسّ قبلها صاحبَ المقام. شهد الحاضرون لحظات تُحَسّ ولا تُروى: حزنٌ ليس فيه انكسار، عزّة ليس فيها سوى التواضع والتسليم، وعشق من هول حرارته سيّل الأرواح دمعًا وحياءً وحياة.. استأذن الحفيد وأسرته جدّه كي يسري نحو كربلاء الحسين.. على طريق “المشاية”، والناس كما في أربعينية الحسين (ع) احتشدوا لوداع حسين عصرهم، ومشوا خلف النعوش الكربلائية إلى كربلاء.. وبدا كأنّ زيارة الإمام الثوريّ كُتبت بمداد الشوق الذي طال، بألا يأتيها إلّا شهيدًا كجدّه إمام أهل الثورة.. بين الحشرجات التي تحرّرت أخيرًا من أسر التصبّر وانتظرت التشييع النورانيّ كي تُذرف، كان صوت الإمام القائد الشهيد يصدح في كلّ الجهات، ويتردّد في الصدور.. الحشود المليونية تقاطرت كالدمع من عين العالم، وسرت نحو النعوش المشتاقة لزيارة الحرمين.. هناك، حيث بدا أن الشهيد أبى أن يدخل حضرة جدّه الحسين (ع) دون رضيع شهيد كعبد الله الذبيح (ع) وخجل أن يمرّ حيث مرّت زينب بنت علي (ع) دون أن ترافقه بنات بيته الزينبيات اللواتي عشن كزينب وما رأين مثلها إلّا جميلًا.. نعش الوليّ اقترب من ضريح جدّه الحسين (ع) ومن ضريح عمّه “العباس”.. سنين الشوق طواها الزمان في ثانية، حين توسّط نعش الإمام الخامنئي الضريحين المقدسين.. وبدت أرض الطفّ كما قبل ١٤٠٠ عام، تسقي من الدم الذي ليس كأيّ دم كلّ العالم من قربة العزّة والثورة.. مشهد حوى الحقّ كلّه الذي يواجه الباطل كلّه، وينتصر أبدًا بدمه على السّيف!

“أيّ دم لنا سفكتم.. أي كبد لنا فريتم..”؛ تردّد الصوت في الأرواح التي شقّها الحزن وما زادها إلا رفعة وإباء، وعهدًا يتجدّد على الولاية والفداء.. أهل الحشد هتفوا أهلًا بالدم الذي كدم أجداده عزيز وثائر.. والصور التي في أيدي الحاضرين تحكي حكاية أعمار البذل التي رسمت هذي الطريق: صور شهداء من لبنان، من العراق، من اليمن، من فلسطين، من كلّ أرض يتنشّق فوقها قلب حرّ أنفاس الثورة.. حضر السيد حسن، وكذا السيد ذو الفقار والحاج عماد.. شيبة أبي مهدي المهندس تتناغم مع شيبة الحاج قاسم وتبسمان في كلّ الصور لكلّ الحاضرين.. السيد حسين بدر الدين الحوثيّ حاضر مع ثلّة من أنصار الله الشهداء والحاج إسماعيل هنية يبسم عارفًا أن الطريق إلى كربلاء مذخّرة بدم تحرير فلسطين..

بين المشيّعين، حضر آلاف الآلاف من كلّ البلاد، من كلّ جهات الأرض، كي يشيّعوا الإمام القائد على أرض العراق، وكي يتشرفوا بزيارةٍ معه إلى حيث اشتاق عمرًا، قبل الوداع الذي أذهل الدنيا وأخرج أهل الباطل كلّهم عن طورهم، وأوجعهم أنّ الدّم الشهيد أنبت في كلّ قلب ألف ثورة.

بعد الوداع، سيعود الإمام الشهيد إلى مشهد، حيث يوارى مع الأسرة المستشهدة في ثرى مقام الإمام الرضا (ع)، ويصبح لجموع الثائرين حول العالم منارة جديدة، تحكي الثورة على الظلم، وتشهد أنّ قول “لا” لاستكبار ممكن بل واجب، يقود يقينًا إلى النصر المبين..

ليلى عماشا-العهد

شهد العراق واحدة من أكبر محطات تشييع المرشد الإيراني الشهيد علي خامنئي خارج إيران، في حدث امتزج فيه البعد الديني بالرسائل السياسية، عاكساً حجم الحضور الشعبي والرسمي، وسط احتدام الصراع الإقليمي وتصاعد الضغوط الأميركية على بغداد.

شهدت مدينتا النجف وكربلاء، أمس، مراسم تشييع حاشدة للمرشد الإيراني الراحل، آية الله الشهيد علي خامنئي، في محطّة خارجية بارزة ضمن مسار جنازته. وحملت هذه المحطة دلالات سياسية كثيفة وواضحة، لا سيما في ظلّ تزامنها مع الحراك الأميركي الهادف إلى عزل العراق، وفصل قوى المقاومة فيه عن نفوذ إيران وعمقها الإقليمي.

وتميّزت المراسم بحضور رسمي ودبلوماسي وعسكري واسع على أعلى المستويات، من الجانبَين العراقي والإيراني على السواء؛ إذ كان في مقدمة المستقبِلين والمشيّعين رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، والرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف. كما شارك في التشييع قادة «الإطار التنسيقي» البارزون، ومنهم رئيس «ائتلاف دولة القانون»، نوري المالكي، والأمين العام لمنظمة «بدر»، هادي العامري، والأمين العام لحركة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، ورئيس تيار «الحكمة»، عمار الحكيم، إلى جانب زعيم حزب «تقدم» محمد الحلبوسي. وسُجّل أيضاً حضور لافت وخاطف لقائد «قوة القدس» في «الحرس الثوري الإيراني»، إسماعيل قاآني، ومستشار المرشد، محسن رضائي، إلى جانب قيادات «الحشد الشعبي» وممثّلي الفصائل، وممثّلين عن فصائل مقاومة من لبنان وفلسطين، ووفود من سوريا واليمن وإيران، فضلاً عن مشيّعين من دول أوروبية عدة.

وكانت بدأت المراسم، ليل أول من أمس، بوصول جثمان السيد خامنئي و4 من أفراد عائلته إلى مطار النجف الدولي، وسط استقبال رسمي وشعبي حاشد. ومن بعدها، نُقل الجثمان إلى صحن الإمام علي لإقامة مراسم الوداع وصلاة الجنازة، قبل أن ينطلق، صبيحة أمس، موكب التشييع الرسمي والشعبي في النجف، وسط إجراءات أمنية وتنظيمية مشدّدة. ومع العصر، انتقل الموكب إلى محطّته الثانية في مدينة كربلاء؛ حيث سلك المسار المعدّ مسبقاً بدءاً من ساحة «سيد جودة»، مروراً بشارع العباس وديوان المحافظة، وصولاً إلى باب القبلة. وشهدت كلّ من العتبتَين الحسينية والعباسية غلق الأبواب وإفراغ الصحن من المصلّين مؤقتاً لاستقبال الجثمان وإتمام طقوس الزيارة وصلاة الوداع، قبل أن يعود الموكب مجدّداً في المساء إلى مطار النجف الدولي تمهيداً لمغادرته نحو مدينة مشهد الإيرانية.

التشييع رسالة مباشرة تؤكد ثبات المقاومة وجاهزيتها

وأفاد الإعلام الرسمي لـ«هيئة الحشد الشعبي» بأن التقديرات الأولية لأعداد المشاركين تجاوزت الـ4 ملايين مشيّع في كربلاء وحدها، وسط استنفار تنظيمي وأمني واسع. وفي حين اكتست شوارع المدينتَين بالرايات العراقية والإيرانية، إلى جانب أعلام فصائل المقاومة و«الحشد الشعبي»، وصور خامنئي وقادة المحور، علت الهتافات التي تندّد بقوى «الاستكبار العالمي»، وتؤكد المضيّ في خيار المواجهة معها.

وعن طبيعة الإجراءات الميدانية، أفاد رئيس اللجنة التنظيمية للتشييع، اللواء سعد معن، وسائل إعلام منها «الأخبار»، بأن اللجنة «نسّقت بشكل مباشر مع العتبات العلوية والحسينية والعباسية، وقوات الحشد الشعبي، لتأمين المسارات الممتدّة من مطار النجف إلى ساحة (سيد جودة) وديوان محافظة كربلاء، وصولاً إلى منطقة ما بين الحرمين، لإتمام صلاة الوداع والطقوس الدينية بمرونة وانسيابية عالية قبل إعادة الجثمان إلى مطار النجف متوجهاً إلى مشهد».

وفي تعليقه على مشهد الأمس، يعتبر الباحث السياسي، فالح الماجدي، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «هذا الحشد المليوني يمثّل إجهاضاً عملياً للمشروع الأميركي الساعي إلى عزل العراق ومحور المقاومة عن إيران». ويلفت الماجدي إلى أن «التشييع يتزامن مع صراع داخلي وتجاذب حادّ تعيشه الحكومة العراقية، التي تحاول الموازنة بين ضغوط واشنطن الاقتصادية والسياسية -قبيل الزيارة المرتقبة للزيدي إلى الولايات المتحدة- وبين الثوابت الاستراتيجية والعقائدية للقوى المشكِّلة للحكومة والقريبة من طهران». ويرى أن «المشاركة الرسمية الرفيعة للحكومة العراقية، بحضور قادة الإطار التنسيقي والرئيس بزشكيان وقاآني، تثبت بالدليل القاطع فشل الضغوط الأميركية في فرض فكّ الارتباط؛ حيث تؤكد التوازنات على الأرض أن بغداد حسمت خيارها بالبقاء في قلب معادلة المحور، وأن محاولات التهديد بالعزل لم تعُد قابلة للصرف ميدانياً».

وفي السياق نفسه، يعتقد الشيخ محمد الساعدي، أحد رجال الدين والمشيّعين في كربلاء، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «هذا الحضور المليوني لجميع مكونات المحور ومن مختلف دول العالم، هو رسالة واضحة ومباشرة تؤكد ثبات المقاومة وجاهزيتها، وفشل كلّ مراهنات الاستكبار على كسر هذا الخطّ بالاغتيالات». ويضيف أن «خروج الجماهير اليوم هو انتصار حقيقي لدماء قادة النصر، وتأكيد على أن اغتيال القادة لا ينهي المسيرة، بل يكرّسها كنهج شعبي وعالمي عابر للحدود، متمسّك بالتحرير الكامل ومواجهة المشاريع الأميركية والصهيونية في المنطقة».

فقار فاضل – صحيفة الأخبار

تخشعُ الأرض وينحني التاريخُ إجلالًا أمام المشهد المهيب الذي يعيشه العراق اليوم وهو يفتح ذراعيه الطاهرتين ومقدساته العظيمة ليحتضن جسد الوليّ الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي (قده).

في هذه اللحظات الملكوتية الحزينة، تلاشت الحدود الجغرافية وانصهرت القلوب في بوتقة الولاء والفداء، حيث تحول وداع القائد إلى استفتاءٍ شعبيّ عارم يجدد العهد للنهج الذي ارتقى من أجله، ويؤكد للعالم أجمع أن دماء القادة لا تزيد الأمة إلا ثباتًا وعنفوانًا وتماسكًا.

إنها لحظات يمتزج فيها وجع الفقد بعزيمة الموقف، حيث يقف العراق بأسره، من أقصاه إلى أقصاه، شاهدًا ومشاركًا في صياغة ملحمة وفاءٍ تاريخية، تليق برجلٍ أفنى عمره الشريف في خدمة الإسلام والمسلمين، ودعم قضايا المستضعفين في كل بقاع الأرض.

لقد انطلقت مراسم التشييع التاريخية من حاضرة العلم والفقاهة، من النجف الأشرف، حيث جاور الجسد الطاهر مرقد ميزان الحق والعدل، أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع).

هناك، غصّت الشوارع والساحات والدروب المؤدية إلى الصحن الحيدري الشريف بأمواج بشرية هادرة تلاطمت حزنًا وولاءً؛ ملايين العراقيين زحفوا من كل صوب وفجٍّ عميق، شيبًا وشبانًا، نساءً وأطفالًا، يرفعون رايات الحزن الصادق والصور التي تختصر عقودًا من الأبوة الروحية، فكانت مراسم التشييع في النجف الأشرف تُشاهد بالدموع التي رأت في هذا الوداع غيابًا لحصنٍ طالما لاذت به الأمة في ملمّاتها.

ومن النجف، ستتهادى الحشود المليونية بموكب المهابة والجلال نحو كربلاء المقدسة، أرض الفداء والشهادة والخلود، ليتنفس الجثمان الطاهر عبق الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام). وفي الفضاء الممتد بين الحرمين الشريفين، حيث يتردد صدى التاريخ والشهادة، سيلتقي لوعة الفقد بصلابة الموقف العراقي الغيور، وتمتزجُ صرخات الولاء بآهات الحزن، وكأنّ لسان حال الملايين المشيّعة يقول إن راية الطف التي حملها الوليّ الشهيد طوال عقود بوجه الاستكبار العالمي وقوى الظلام، لن تسقط أبدًا، بل ستظل مرفوعة  بهمة هذه الأمة الممهدة.

إن هذا المشهد المليوني التاريخي، والاستقبال غير المسبوق في أرض الرافدين، يحمل في طياته دلالات عميقة تقلب صفحات التاريخ القريب وتكشف عن معجزة الحق الكبرى؛ فبعد سنواتٍ طوال من حربٍ فُرِضَتْ على الشعبين من قِبَل النظام البعثي البائد، نرى العراق اليوم يَزْخرُ ببركات صاحب العصر والزمان وثمار نهج الولاية المبارك، وفيوضات مقام الإمام الخامنئي (قدّه). ها هو الوليّ الشّهيد يتوسط اليوم ملايين المحبين في عراق عليٍّ والحسين (عليهما السلام)، عراق الشّرف، ليعلن للعالم أجمع أن مؤامرات الطغاة لزرع الشقاق والفرقة قد دُحرت وبُدّدت تحت أقدام الموالين، وأن هذا الشعب العراقي الأبيّ هو حصن المقاومة وعمقها الاستراتيجي الخالد، الذي لا تؤثر فيه عواصف المؤامرات.

وبعد أن ارتوى الجثمان من بركات أجداده الأطهار، ونال فيوضات المقامات المقدسة في العراق التي تعلّق بها قلبه طويلًا، سيُنقل الولي الشهيد في موكب مهيب إلى مشهد المقدسة ليوارى في الثرى في مستقره الأخير بجوار الإمام الرؤوف، غريب طوس، الإمام علي بن موسى الرضا (ع).

ينتهي المسير الجسدي ليغفو في ظلال العترة الطاهرة، لكن الأثر الروحي والفكري والجهادي للولي الشهيد يبقى خالدًا نابضًا، مخلفًا وراءه أمةً ممتدة لا تنكسر، وعراقًا شامخًا سيبقى دائمًا وأبدًا منارًا للشرف، ووفيًا لخط الولاية، ومهدًا أصيلًا من مهاد التمهيد المقدس.

محمد دعيبس-العهد

كتبت صحيفة “الأخبار”: لم يثنِ التشييع المليوني لجثمان المرشد الإيراني الراحل، الشهيد علي خامنئي، الذي استمرّ لليوم الرابع في إيران، أمس، وينتقل إلى العراق اليوم، طهران، عن السعي إلى ترسيخ سيطرتها على مضيق هرمز، حيث أفيد عن استهداف ثلاث سفن حاولت عبور المضيق، من خارج الترتيبات الإيرانية. ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي قوله إن «الحرس الثوري الإيراني» استهدف بالصواريخ ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز -إحداها سعودية والثانية إماراتية والثالثة قطرية- ما أدى إلى وقوع أضرار فيها. وتسبّب ذلك بارتفاع أسعار النفط، حيث سجّل خام برنت 74 دولاراً للبرميل، مرتفعاً بنسبة نحو 3%. كما أفادت «هيئة عمليات التجارة البحرية» البريطانية، في بيان، بأن «إحدى الناقلات تعرّضت لإصابة من مقذوف مجهول المصدر، ويُعتقد أن أضراراً هيكلية لحقت بها»، مضيفة أنه «لا توجد أنباء عن وقوع إصابات أو آثار بيئية».

 

ومن جهتها، أعلنت قطر أن «الحرس الثوري» استهدف الناقلة القطرية «الرقيات»، وهي ناقلة غاز مسال، في أثناء عبورها قرب مضيق هرمز. وأعلنت وزارة الخارجية القطرية، في بيان، أنها وجّهت مذكّرة احتجاج على الهجوم، إلى نائب سفير طهران لدى الدوحة. كما دانت وزارة الخارجية السعودية «استهداف إيران ناقلتَين سعودية وقطرية خلال عبورهما المضيق»، مطالبةً، في بيان، «بالوقف الفوري لكلّ ما يهدّد أمن المنطقة وسلامة الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة». وفيما لم يتبنَّ «الحرس الثوري» تلك الهجمات، نقلت قناة «برس تي في» الإيرانية عن مسؤول مطلع القول إن «حركة الملاحة في مضيق هرمز تجري وفقاً للترتيبات التي وضعتها إيران»، وإن «أيّ عمل استفزازي من جانب الولايات المتحدة سيواجَه بردّ فوري وحاسم». وفي وقت لاحق، حذّرت وزارة الخارجية الإيرانية من أن «سلوك بعض السفن في هرمز يعرّض الملاحة للخطر ويجعل الممر غير آمن ويعرقل جهودنا لتسهيل العبور».

 

ولم يُعرف السبب المباشر الذي دفع إلى تكثيف الهجمات على السفن في مضيق هرمز، إلا أن طهران ترفض خلال مدة الـ60 يوماً المخصّصة للمفاوضات مع واشنطن للتوصل إلى اتفاق نهائي، عبور أيّ سفينة من دون التنسيق معها. وفي أول ردّ منها على ذلك، ألغت الولايات المتحدة الترخيص العام الذي كان يجيز بيع النفط الإيراني، وفق ما أفاد به مسؤول أميركي وكالة «رويترز». وأكد المسؤول، في الوقت نفسه، أن المفاوضين الأميركيين «يواصلون العمل بحسن نية» للتوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران.

 

وكان كرّر ترامب تهديداته لإيران، قائلاً إن «واشنطن إمّا أن تتوصل إلى اتفاق مع طهران، أو ستنهي المهمة». كما بحث ترامب مع نظيره التركي، رجب طيب إردوغان، على هامش قمة «الناتو» في أنقرة، الوضع في إيران، وزعم أن «الولايات المتحدة قضت على القدرات العسكرية الإيرانية»، لافتاً إلى أنه شعر بخيبة أمل من حلف «الناتو»، لكنه حضر القمّة التي تستضيفها تركيا تقديراً لإردوغان، مضيفاً أن «تركيا لم تنخرط في الحرب في إيران بفضلي، وهي لا تريد أن ترى إيران تحصل على سلاح نووي».

 

وفي المقابل، أعاد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قوله إن «البند 13 من مذكرة التفاهم واضح بنصّه على أنه لن تبدأ مفاوضات الاتفاق النهائي إذا استمرّت التهديدات»، مشدداً على أن «على أميركا احترام توقيعها». ولفت عراقجي، في منشور على منصة «إكس»، إلى أن ملايين الإيرانيين احتشدوا لتشييع مرشدهم الراحل، ولم تؤثر أيّ تهديدات فيهم ولا في قوات بلاده المسلحة.

 

وفي إطار التشييع المستمر لجثمان خامنئي وأفراد عائلته الذين استشهدوا معه، توافدت حشود غفيرة إلى شوارع مدينة قم جنوب طهران، أمس، غداة مشاركة الملايين في مراسم وداعه في العاصمة. ووُضع نعش خامنئي في مسجد جمكران في مدينة قم، التي تحتضن أبرز المدارس الدينية الشيعية وعدداً كبيراً من المراقد والمزارات. وأظهرت لقطات جوية عرضها التلفزيون الرسمي شوارع هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 1.5 مليون نسمة، مكتظّة بالمشاركين في المراسم. وخلال الصلاة التي قادها آية الله عبد الله جوادي آملي، ردّد حشد كبير بصوت واحد: «الموت لأميركا!».

 

ومن المقرّر نقل الجثمان اليوم إلى العراق، حيث سيستقبله في بغداد، رئيس الوزراء، علي الزيدي، ثم يُنقل إلى كربلاء والنجف لتشييعه بجوار مرقدَي الإمامَين علي والحسين، قبل نقله إلى مدينة مشهد ليوارى في الثرى قرب مرقد الإمام الرضا.

 

المصدر: الصحف اللبنانية

أكد نائب الأمين العام للعتبة الحسينية المقدسة، السيد محمد حسين بحر العلوم، أن العتبات المقدسة في العراق تستعد للمشاركة في مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي، مشيرًا إلى أن وفدًا من العتبة الحسينية حضر إلى إيران للمشاركة في مجلس العزاء وتقديم واجب المواساة.

وقال السيد بحر العلوم إن الوفد قدم من مدينة كربلاء، من جوار مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (ع)، إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمشاركة في مراسم العزاء التي تتزامن مع ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه، معربًا عن تعازيه باستشهاد السيد علي الخامنئي ومن استشهدوا معه.

وأضاف أن استشهاد السيد علي الخامنئي (رض) “يعزز الإيمان والثبات”، مؤكدًا أن مسيرته تمثل نموذجًا في دعم المقاومة والثبات على المبادئ والدفاع عن القضايا الإسلامية.

وأشار نائب الأمين العام للعتبة الحسينية إلى أن العتبة الحسينية المقدسة والعتبة العباسية المقدسة، إلى جانب سائر العتبات المقدسة في العراق، تستعد لاستقبال موكب تشييع الشهيد السيد علي الخامنئي، مؤكدًا الجاهزية للمشاركة في مراسم التشييع واستقبال الجثمان.

وأوضح  أن مشاركة وفد العتبة الحسينية تأتي تنفيذاً لتوجيهات ممثل المرجعية الدينية العليا والمتولي الشرعي للعتبة الحسينية، الشيخ عبد المهدي الكربلائي، بضرورة الحضور والمشاركة الفاعلة في مراسم العزاء والتشييع، مؤكدًا الحرص على تعزيز العلاقات الأخوية بين العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وترسيخ أواصر المحبة والإيمان بين الشعبين.

قال أمين اللجنة الوطنية لتشييع ووداع قائد الأمة الإسلامية الشهيد الإمام السيد علي 

الخامنئي :”إنَّ مراسم الاستقبال الرسمي لجثمان القائد الشهيد وأسرته ستُقام بحضور رئيس الوزراء العراقي وباقي المسؤولين العراقيين، في أحد مطارات بغداد أو النجف الأشرف”.

في حوارٍ تلفزيونيٍّ، أضاف بور جمشيديان: “أكثر من مليون شخص تسجَّلوا للسفر إلى إيران والمشاركة في تشييع جثمان القائد الشهيد، كما أنَّ 120 نائبًا في البرلمان العراقي أرسلوا رسائل دعوا فيها إلى تشييع جثمان القائد الشهيد في العراق”.

وأوضح أنَّ: “مسؤولي العتبات المقدسة ولجنة الأربعين والمرجعية في العراق طالبوا بالحضور والمشاركة، وبما أنَّ القائد الشهيد كان يتمنى في حياته زيارة كربلاء المقدسة والنجف الأشرف، فإنَّ بيت القائد الشهيد وقائد الثورة الإسلامية وافقا على حضور جثمانه في العراق”.

وتابع بور جمشيديان: “أنَّ لجنةً تشكَّلت تحت إشراف رئيس الوزراء العراقي على أعلى المستويات، حتى أعلى من مستوى إيران. وتقرَّر، في هذا الإطار، أن يُقام الاستقبال الرسمي في العراق بحضور رئيس الوزراء العراقي شخصيًّا وباقي المسؤولين العراقيين.” 

وأردف أنَّ: “المراسم الشعبية في إيران ستنطلق ابتداء من الساعة السادسة صباح يوم السبت المقبل، في مصلى الإمام الخميني (رض) في طهران”، مؤكدًا أنَّ مسؤولي أكثر من 45 دولة في العالم، على مستوى رؤساء الجمهورية ورؤساء الوزراء ووزراء الخارجية وكبار علماء الأديان والمذاهب، أعلنوا استعدادهم لأداء التحية للقائد الشهيد في مراسم ستُقام يوم الجمعة”.

لا يحتاج العراق اليوم إلى من يبكي الحسين (عليه السلام) استذكاراً عاطفياً وموقفاً عقائدياً؛ بل إلى من يفعل ما فعله الحسين (ع) ضد طاغية عصره وزبانيته المفسدين حُكماً، مالاً، وخُلقاً على البلاد والعباد.

هذه هي الحقيقة التي تتوارى خلف أكمة إصلاح النظام السياسي والمالي والمؤسساتي التي يزعم بعض المتصدين لمواقع المسؤولية (محاربتها)، إلا أنها لا تعدو سوى غيض من فيض ما يحصل داخل غرف صنع الصفقات، والتي خرجت إلى العلن لا من باب الحرص على المال العام؛ إنما نشر غسيل التسقيط السياسي على حبال التسريبات والفضائح، لتكون مادة إلهاء وإشغال للرأي العام بغية تمرير ماهو أكبر أو محاولة لامتصاص نقمة الشارع الذي ما فتئ ينصدم إلا عندما يقولون إن فلانا بريء.

الأمة اليوم لا تنقصها الدموع ولا ينقصها الخطاب العاطفي المكرر عن مأساة كربلاء المقدسة، بل ينقصها أن تستخرج من تلك الواقعة أداة فعلية للمحاسبة، معياراً صارماً تُقاس عليه طبقة من السياسيين تتقاطر فضائحهم المالية والأخلاقية أمام رأي عام؛ بات يعرف أكثر مما يُسمح له، والسؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة ليس كيف نتذكر الحسين (ع) بل؛ لماذا نحتاج إليه الآن بالتحديد؟، في هذه اللحظة التي تتكشف فيها شبكات مال موازية للدولة وتسريبات أخلاقية تتقاطع توقيتاتها مع ملفات فساد أكبر بكثير من حجم الفضيحة الواحدة.

الحاجة إلى الحسين (ع) ليست حاجة وجدانية، بل حاجة وظيفية بالمعنى السياسي الدقيق، لأن ثورته لم تكن انتفاضة عابرة؛ بل كانت تشخيصاً دقيقاً لمرض الحكم حين يتحول من أمانة إلى وراثة ومن خدمة إلى استثمار شخصي، وحين قال (ع) “إنه خرج طلباً للإصلاح في أمة جده لا بطراً ولا أشراً ولا ظالماً ولا مفسداً” فإنه وضع أربعة معايير ما تزال صالحة للقياس بعد أربعة عشر قرناً.

فمن يحكم بطراً يستعرض ثروته أمام شعب يقتصد في رغيفه، ومن يحكم أشراً يتباهى بنفوذه في وجه مؤسسات الدولة الرسمية، ومن يحكم ظالماً يوزع المناصب والعقود بمنطق الحصة لا الكفاية، ومن يحكم مفسداً ينهب المال العام وهو يعلم أن لا أحد سيسأله، وهذه المعايير الأربعة لو طُبّقت اليوم بدقة على من يتصدّون مواقع المسؤولية والمشهد السياسي العراقي لسقط منها كثيرون قبل أن تكتمل القائمة.

الفضائح الأخيرة التي شغلت الرأي العام، من صفقات مشبوهة وتلاعب بالمال العام إلى تسريبات أخلاقية لمسؤولين متنفذين، ليست حوادث منفصلة؛ بل عرض لمنطق حكم تحوّل فيه المنصب إلى رخصة استثمار شخصي، ولا بد من قراءة هذه الفضائح بعينين لا بعين واحدة -ولا نقصد التعميم فلو خُليت؛ قُلبت-:.

العين الأولى: تنظر إلى الفعل نفسه وتدعو إلى محاسبته قانونياً من دون تستر أو مجاملة سياسية.

والعين الثانية: تنظر إلى توقيت كشفه وطريقة تسويقه إعلامياً -على أني لا أبرّئ بعض المؤسسات الإعلامية وما يُسمّون بالمؤثرين من ساحة الإفادة مالياً وتسويقياً مما يجري-، لأن من يدرس آليات الصراع السياسي في العراق يعرف أن كثيراً من هذه التسريبات الأخلاقية تُطلق في لحظات محددة بدقة متناهية، ليس بدافع الإصلاح، بل بدافع تصفية حسابات بين أطراف متنازعة على الحصص والمكاسب وبخاصة إن كابينة السيد الزيدي لم تكتمل بعد، وهذا لا يعني أن الفعل المنشور غير صحيح، بل يعني أن من يكشفه ليس بالضرورة أنظف من المكشوف عنه، والنتيجة العملية لهذا النمط؛ هي تحويل الرأي العام إلى ساحة استهلاك لفضيحة أخلاقية، بينما تُمرَّر في الخفاء ملفات مالية أكبر بكثير لا تحظى بالاهتمام نفسه، وهذا تحديداً ما يجب أن يحذره الشارع العراقي، وهو أن يفصل وعيه بين القضية الأخلاقية المعزولة والقضية المالية الكبرى التي تستهدف خزينة الدولة، فحرف البوصلة عن الاختلاسات الكبرى للمال العام نحو فضيحة جنسية أو شخصية هو أسلوب معروف في الحرب النفسية يُتقنه من يملك المال ويملك معه أدوات صناعة الرأي العام.

من هنا، تُصبح ثورة الحسين (ع) الإصلاحية أكثر ضرورة للعِبرة، لأن المعركة التي خاضها في كربلاء المقدسة لم تكن معركة سلاح فقط بل كانت معركة وعي، إذ رفض أن يساوم على الحقيقة حتى وهو يعلم أن الموازين العسكرية كلها ضده، وحين سُئل عن سبب خروجه لم يتحدث بلغة المظلومية العاطفية بل بلغة المعيار السياسي، وهذا ما نحتاجه اليوم بالضبط، لا خطاباً حسينياً عاطفياً يُستهلك في أيام شهر محرم إلى الأربعينية مشيّاً وخدمةً للرياء والبهرجة ثم يُنسى، بل معياراً حسينياً يُطبَّق على كلّ من يتصدى للمنصب العام طوال مدة مسؤوليته.

فالمسؤول -من أي ديانة أو عرق أو مذهب كان- الذي يرتدي ثوب الدين والصلاح والأعراف الاجتماعية والعشائرية ويعزف على وتر الاستمالة العاطفية للمجتمع، ثم يوقّع عقداً مشبوهاً في مكتبه أو منتجعه الخاص؛ نفسه يتشدّق أمام الرأي العام أنه بريء، وأن استهدافه جاء نتيجة لتلك الانتماءات التي هي براء منه.

إنّ الحسين (عليه السلام) خرج بسبعين رجلاً ومعهم النساء والأطفال في مواجهة جيش عرمرم من دون أن يساوم على مبدأ واحد، فكيف يُقاس بمن يملك جيوشاً من الحمايات والمستشارين والاقتصاديات الحزبية والجيوش الإلكترونية ويساوم على أبسط قواعد الإدارة الرشيدة؟!، وكيف يُقاس عطش الحسين (ع) عند نهر العلقمي وهو يرفض أن يشرب احتجاجاً على الظلم، بشُحّ الشعب العراقي اليوم وهو يرى من يسرف من معين المال العام من دون شبع. هذه المقارنة ليست شقشقة عاطفية؛ بل مقياساً سياسياً صريحاً يكشف المسافة الحقيقية بين من يحمل الاسم ومن يحمل النهج.

والتحدي الأخطر في هذا المشهد ليس الفساد بوصفه ظاهرة فردية، بل بوصفه بنية اقتصادية موازية بدأت تتشكل بثبات داخل الدولة العراقية، شبكات مالية ضخمة نمت في ظل غياب الرقابة الفعلية حتى أصبحت أكبر تأثيراً من بعض الوزارات الرسمية، تمتلك القدرة على توجيه قرارات اقتصادية وتشكيل تحالفات سياسية تخدم مصالحها الخاصة، وهذه الشبكات لا تتشكل بمعزل عن السلطة بل من داخلها، وهي تتغذى على ثغرات القوانين وترهل أجهزة الرقابة والنزاهة وغياب واضح للإفصاح المالي، وإذا استمر هذا النمط؛ فإن الخطر لا يقتصر على نهب المال العام، بل يتجاوزه إلى تفكيك مفهوم الدولة نفسها، لأن الدولة التي تتقاسم سيادتها الاقتصادية مع كيانات موازية غير خاضعة للمحاسبة تتحول تدريجيا إلى هيكل شكلي بلا سلطة فعلية.

وهنا تكمن المفارقة التي يجب أن تنتبه لها الكتل السياسية نفسها قبل أن تتنبه لها الجماهير، فهذه الشبكات الاقتصادية التي تُبنى اليوم كضمانة للبقاء في السلطة ستكون غداً السبب المباشر للسقوط، لأن التاريخ السياسي في المنطقة وغيرها من أرجاء المعمورة؛ يُظهر بثبات أن الأنظمة التي بنت قوتها على اقتصاد الريع والاستثناءات والحمايات؛ هي نفسها التي انهارت بأسرع مما توقعت قياداتها، والسبب بسيط، أن الشعوب لا تصبر إلى الأبد، وما يبدو اليوم هدوءاً واستيعاباً قد يكون في حقيقته تراكماً صامتاً لغضب ينتظر لحظته، ولكم في أحداث تشرين 2019 عِظة وعِبرة.

وهذا الفساد بصورته الاقتصادية الموازية يفتح باباً خطيراً آخر يتجاوز الداخل العراقي إلى من يتربص بالعراق من الخارج، فأعداء العراق، ومن لا يريدون له أن يكون دولة مستقرة قادرة على بناء قرارها بمعزل عن أجندات الهيمنة الإقليمية والدولية، يجدون في هذه الفضائح المالية والأخلاقية فرصة لا تُعوَّض لضرب المجتمع من الداخل من دون الحاجة إلى سلاح أو عقوبات مباشرة، فيكفي أن تُترك هذه الملفات تتفجر تلقائياً لتؤدي وظيفتها التفكيكية، إذ إنها تُستخدم لتعميق الهوة بين الشعب وطبقته السياسية وتعمل على ترسيخ صورة عن العراق كدولة فاشلة لا تستحق الثقة، وهذه الصورة بالذات هي ما تحتاجه القوى التي تريد إبقاء العراق رهين التبعية الاقتصادية للخارج، لأن الدولة المنخورة من الداخل لا تحتاج من يحتلها عسكرياً؛ بل يكفي أن تُترك تستهلك نفسها بنفسها، ومن هنا أقول لرئيس الوزراء السيد علي الزيدي: إن معركة الفساد ليست معركة محلية بحتة بل هي جزء من معركة السيادة الوطنية، وكل دينار يُنهب من خزينة الدولة هو إصابة مباشرة لفكرة الاستقلال الاقتصادي والسياسي، وكل تغطية سياسية أو إعلامية لمسؤول متنفذ متورط هي مشاركة غير مباشرة في تمكين أجندات تريد عراقاً تابعاً لا عراقاً سيداً.

أمام هذا المشهد تتوافر عديد من الحلول الممكنة للواقع العراقي لا تبدأ بخطاب أخلاقي بل بإجراءات بنيوية محددة، أولها: إعادة بناء منظومة الرقابة المالية والقضائية بمعزل تام عن النفوذ السياسي، فلا يمكن لهيئة نزاهة أو قضاء أن يقوم بدوره الحقيقي وهو محاصر بشبكة من المصالح المتشابكة بين الكتل المختلفة، ولا بد من قانون صريح يُلزم بالإفصاح عن الذمم المالية لكل من يتولى منصباً عاماً قبل توليه وبعد تركه مع آليات تتبع فعلية لا شكلية.

وثانيها: فصل السلطة عن المال بمعنى؛ تفكيك الشبكات الاقتصادية التي نمت تحت الحماية السياسية وهذا يتطلب جرأة تشريعية حقيقية لا بيانات تضامن إعلامية.

ثالثها: تمكين الصحافة الاستقصائية المستقلة بدلاً من محاصرتها لأن الإعلام الحر هو خط الدفاع الأول عن المال العام.

ورابعها: تفعيل دور المجتمع المدني والمنظمات المتخصصة في رصد الفساد بعيداً عن الاستقطاب الحزبي.

وخامسها: وهو الأعمق: تغيير الثقافة السياسية نفسها بحيث يصبح المنصب العام أمانة فعلية لا مصدر ثراء، وهذا يحتاج جيلاً سياسياً جديداً ينشأ على هذه القيم بمعزل عن منطق المحاصصة الذي حكم العراق لأكثر من عقدين.

والشعب العراقي في هذا كله ليس غافلاً كما يتوهم بعض المتنفذين، بل هو شعب يقظ يقرأ المشهد بدقة متناهية، يعرف من يخدمه ومن يستخدمه، ولهذا صبر له حدّ و عدّ، وحين تنتهي طاقته فإن المحاسبة الشعبية في صناديق الانتخابات أو في الشارع أو من خلال القضاء، ستكون أشدّ قسوة من كل ما يتخيله الفاسدون اليوم وهم يحتمون بمواقعهم ويظنون أن الزمن في صفهم، فالحاجة إلى الحسين (ع) اليوم ليست حاجة طقسية موسمية بل حاجة سياسية وجودية، نحتاجه ليس لنبكيه بل لنقيس عليه، نحتاجه معياراً يفرز الصادق من المزيّف، ونحتاجه ليكون الدليل العملي على أن الإصلاح ممكن حتى لو كان مستشرياً ومؤسساتياً، وعاشوراء في جوهرها ليست مناسبة للنحيب فقط؛ بل محكمة أخلاقية متجددة تُعيد رسم الحدود بين من يستحق أن يُذكر باسم الحسين (ع)، وبين من لا يملك الحق حتى في ذكر اسمه على منبر الوعظ والإرشاد، ولا مُقام له بين الرجال وحديثهم الذي سيُعيده التاريخ في دولاب الأيام، بأنهم جوقة فسدوا في العراق فخسف الله بهم البلاد.

محمد الخزاعي-الميادين

كتبت صحيفة “الأخبار”: «نصح» حزب الله السلطة بـ«عدم التورط المباشر مع العدو الصهيوني في استهداف المقاومة»، وشدّد على أن المهلة المتاحة أمام العدو للانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية لا تتجاوز شهرين، يُفترض خلالهما الالتزام الصارم بوقف الأعمال العدائية برّاً وبحراً وجوّاً، والشروع بالانسحاب من دون حاجة إلى أي تفاوض مباشر. فيما أكد الرئيس نبيه بري في بيان ليل أمس «التزام حزب بالله بوقف إطلاق النار طالما التزمت إسرائيل به بشكل كامل وشامل».

وأوضح بري أنه «تسهيلاً لنجاح المفاوضات الإيرانية – الأميركية في سويسرا، وخاصةً ما يتعلّق بالبند الأول في مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، وبالإشارة إلى تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان وحزب الله، فإنّني أؤكد على موقف لبنان والتزام حزب بالله بوقف إطلاق النّار، طالما التزمت إسرائيل به بشكل كامل وشامل».

في المقابل، تتجه واشنطن إلى مسار موازٍ للتفاهم الأميركي- الإيراني يقوم على تصعيد الضغط المالي والسياسي على حزب الله وحلفائه، في محاولة لتشديد الخناق على البنية المحيطة به، عبر حزمة عقوبات أميركية جديدة.

ودعا رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد السلطة إلى «عدم الاستخفاف بقدرة إيران على الإيفاء بالتزامها في ردع العدو الصهيوني حال إصراره على الإخلال بما يشمل لبنان في وثيقة التفاهم». وأكّد أن «الزمن المتاح أمام العدو للاندحار عن أرض لبنان بالكامل هو شهران يجب أن يباشر خلالهما الانسحاب من دون حاجة إلى أي تفاوض مباشر»، و«يمكن للسلطة بعد التوصل إلى تفاهم وطني، اعتماد صيغة التفاوض غير المباشر مع العدو لإعادة تفعيل اتفاقية الهدنة بما يتناسب مع الواقع، وفي ظل استمرار حال العداء المجمع عليها ميثاقياً ودستورياً».

وتوجه رعد إلى السلطة «باسم من تمثلهم المقاومة في لبنان»، مؤكداً أن «حرب العدو للإجهاز على المقاومة في لبنان فشلت ولم ولن تُحقق أهدافها. ورغم كل ما تعرضت له المقاومة من قبل بعض أركان السلطة وبعض الجهات السياسة، فإنها مستعدة للتفاهم الوطني الداخلي حول ما يضمن أمن واستقرار لبنان ومصلحته السيادية الوطنية، من دون تخويف من عدو صهيوني والانزلاق نحو الإذعان لما يمليه العدو وحليفه الأميركي الذي تزعم السلطة أنه صديقها».

كلام رعد أتى فيما يستعد لبنان لجولة مفاوضات في واشنطن، سبقتها اجتماعات في قصر بعبدا بين رئيس الجمهورية جوزيف عون والوفد اللبناني المفاوض، جرى خلالها التأكيد على ثوابت أبرزها وقف إطلاق النار، انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، انتشار الجيش حتى الحدود الدولية، عودة الأسرى، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وفق مصادر بعبدا. وتبدو السلطة مصرة على المضي في تقديم تنازلات والإصرار على فصل مسار التفاوض المباشر عن مسار التفاهم الأميركي- الإيراني في وقت تدفع دول عربية وغربية باتجاه البناء على التفاهم بين واشنطن وطهران كمدخل لأي تسوية إقليمية.

من جهتها، تتعامل إسرائيل مع مرحلة التهدئة النسبية كفرصة لإعادة هندسة الواقع الميداني عبر نشر خريطة لما تسميه «منطقة أمنية» تمتد بعمق نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع تعزيز مواقعها شمال نهر الليطاني، وتثبيت خطوط انتشار عسكرية جديدة، بما يحول السيطرة الميدانية إلى أوراق تفاوضية مستقبلية.

وتقوم الاستراتيجية الإسرائيلية على الجمع بين تهدئة تكتيكية وتشدد سياسي في الشروط، خصوصاً في ملف سلاح حزب الله، مع ربط أي تقدم تفاوضي بمدى تحقيق تغييرات على الأرض.

في المقابل، دعا نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» إسرائيل إلى وقف «العربدة في لبنان»، مشيراً إلى أن بعض العمليات الإسرائيلية السابقة عطّلت مسارات تفاوضية كانت قريبة من التفاهم. وفيما شدد على أن لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لهجمات من حزب الله، قال إن «الهجمات على المدنيين في بيروت غير مقبولة»، و«نتوقع من حزب الله ألّا يطلق صواريخ ومسيرات على إسرائيل».

في غضون ذلك، أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين متحالفين مع حزب الله، في مقدمهم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، إلى جانب كوادر أساسية في الحزب و«شبكات أعمال مرتبطة بالمسؤول علاء حسن حمية، المعروف أيضاً باسم علاء حمية، تمتد أنشطتها بين لبنان وسوريا والعراق وسلطنة عُمان».

كما شملت العقوبات شركات وأفراداً «مرتبطين بشبكة علاء حمية، بينها كيانات في سلطنة عُمان وسوريا والعراق»، إضافة إلى شركات تقول واشنطن إنها «تعمل كواجهات مالية وتجارية لتوليد إيرادات لصالح الحزب، من بينها مشاريع مرتبطة بالنظام السوري السابق وشركات تأمين وأنشطة تجارية أخرى». وتعليقاً على القرار، أكد فرنجية أن العقوبات «لن تؤثر على رأينا بل تزيدنا قناعة به».

أعلن العراق إغلاق مجاله الجوي مدة 72 ساعة، وذلك بعدما أطلقت إيران صواريخ باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار المُعلن في الثامن من أبريل

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24