تشهد تونس أزمة متفاقمة في توافر المياه المعدنية المعلبة، دخلت أسبوعها الثالث، وسط ارتفاع كبير في الاستهلاك ونقص الكميات المتاحة في الأسواق، ما أدى إلى طوابير طويلة أمام المحلات التجارية ووقوع إشكالات بين المواطنين للحصول على المياه. وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو من محافظات تونسية عدة تظهر طوابير المواطنين، فيما شهدت بعض المناطق معارك واعتراض شاحنات محملة بالمياه والاستيلاء على حمولتها قبل وصولها إلى المحلات. ودفعت هذه التطورات السلطات إلى حماية بعض شاحنات نقل المياه بواسطة دوريات أمنية، وتنظيم الطوابير، بالتوازي مع الإعلان عن توقيف عدد من الأشخاص بتهمة الاحتكار والتخزين العشوائي. وتزامنت الأزمة مع ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، التي بلغت 50 درجة مئوية في بعض المناطق، ما أدى إلى زيادة الطلب وكشف الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وتضم تونس 31 وحدة لتعليب المياه موزعة على 13 محافظة، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 520 ألف قارورة في الساعة. وبلغ الإنتاج السنوي نحو 2.7 مليار لتر عام 2025، مقابل 2.6 مليار لتر في 2024، في حين تقترب السوق، وفق تقديرات خبراء، من استهلاك 3 مليارات لتر سنوياً. ويرى مختصون أن المشكلة لا ترتبط بالإنتاج وحده، إذ تنتج تونس نحو 1.2 مليار قارورة سنوياً من مختلف الأصناف، بما يعادل نحو 5 ملايين متر مكعب من المياه، بينما يكمن الخلل أيضاً في ضعف التخزين الاستراتيجي واضطراب مسالك التوزيع خلال فترات ذروة الاستهلاك. وفي ظل الأزمة، اعتبر الرئيس التونسي قيس سعيد أن ما يحدث “ليس أمراً عادياً”، مشيراً إلى وجود أطراف دبّرت أزمة المياه المعلبة لغايات معينة، وأن المشكلة لا ترتبط فقط بتأثير انقطاع الكهرباء على الإنتاج والتخزين. في المقابل، نفت الغرفة النقابية التونسية لصناعة المشروبات غير الكحولية تعمّد المنتجين حجب المياه أو تخزينها بهدف المضاربة، مؤكدة أن الشركات تعمل بأقصى طاقتها، وأن الأزمة ظرفية وترتبط أساساً بذروة الاستهلاك الصيفي. من جهته، ربط صاحب شركة متخصصة في إدارة المخازن عزام سوالمية جانباً من الأزمة بالتعديل الأخير لقانون الصكوك، موضحاً أن تجار الجملة كانوا يعتمدون خلال الشتاء والربيع على تكوين مخزون أمان عبر صكوك مؤجلة الدفع، قبل بيع الكميات خلال الصيف. واعتبر أن منع استخدام الصك كأداة دفع مؤجلة أضر بعملية التخزين وأثر في تزويد السوق خلال فترة الذروة. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن مدير المرصد التونسي للتزود والأسعار بوزارة التجارة رمزي الطرابلسي بدء برنامج لضخ كميات كبيرة من المياه في الأسواق تحت إشراف الجهات الرقابية. وتشمل المرحلة الأولى محافظات إقليم تونس الكبرى، وهي تونس وبن عروس وأريانة ومنوبة، حيث تستهدف الوزارة ضخ أكثر من 9 ملايين قارورة عائلية بسعتي 1.5 و2 لتر، على أن تستمر العملية وفق حاجيات السوق حتى استعادة النسق الطبيعي للعرض. (إرم نيوز