أعاد قانون الإعلام الجديد، الذي أقره مجلس النواب اللبناني في 11 آب الجاري كما ورد من اللجان النيابية المشتركة من دون تعديلات، رسم الإطار القانوني الناظم للقطاع الإعلامي بمختلف فئاته، من الصحافة والمطبوعات إلى التلفزيون والإذاعة والمواقع الإلكترونية.
ويلحظ القانون استحداث «هيئة وطنية مستقلة للإعلام» تتولى جانبًا واسعًا من تنظيم القطاع ومراقبة تطبيق القانون، كما يكرّس في مبادئه العامة حرية الرأي والتعبير والإعلام بمختلف أشكاله ووسائله، وفق الدستور والقوانين النافذة.
لكن إقرار القانون يعيد طرح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجال العام: هل حرية التعبير حق مطلق، أم أن ممارستها تحتاج إلى حدود وضوابط تحول دون استخدامها للإيذاء أو المساس بحقوق الآخرين وأمن المجتمع؟
فحرية التعبير تُعد من المبادئ الجوهرية التي تعكس وعي المجتمعات وتطورها، وتتيح للفرد التعبير عن رأيه من دون خوف أو تهديد، إلا أن ممارستها لا تنفصل عن المسؤولية وعن ضرورة احترام حقوق الآخرين.
وتبرز المسألة بصورة أكبر مع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما من جانب غير الإعلاميين، وما قد يرافق ذلك من قدح وذم وتشهير وإساءات يمكن أن تترك آثارًا سلبية في المجتمع، خُلقيًا وأمنيًا، بما يستدعي اعتماد أسلوب أكثر مسؤولية في استخدام هذه المنصات.
ولا تقتصر مسألة حرية التعبير وحدودها على المجال السياسي، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية، سواء داخل الأسرة أو المؤسسة أو الشركة أو حتى في العلاقات بين الجيران.
ويمكن تشبيه حرية التعبير من دون حدود بالبركان الذي قد يُخرج معادن نفيسة، لكنه قد يتمدد في الوقت نفسه ليحرق ما حوله، ما يجعل التحدي في الاستفادة من مساحة الحرية مع تجنب تحولها إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.
ومن أبرز الحدود المطروحة في هذا السياق عدم التعدي على خصوصية الآخرين، ولا سيما في ما يتعلق بحياتهم الشخصية من دون استئذانهم، وتجنب الإيذاء الجسدي أو اللفظي كالتنمر والسخرية والنقد الهدام، إلى جانب تحاشي الآراء التي تهدم قيم المجتمع أو تنشر الكراهية والغضب بين الناس.
وعليه، تبدو الحدود الناظمة لحرية التعبير ضرورية لمنع تحولها إلى فوضى أو أداة لإيذاء الآخرين وانتهاك حقوقهم أو تقويض السلم الاجتماعي، فيما يكمن التحدي في تحقيق التوازن بين حماية حرية الرأي والتعبير ومنع إساءة استخدامها، عبر وعي مجتمعي وقوانين عادلة تحمي الحقوق والحريات.
وفي الجانب القانوني، أفاد المحامي الدكتور كميل حبيب معلوف بأن قانون الإعلام الجديد يبدو أنه نص على «عدم سريان أحكام قانون العُقوبات المُتعلقة بالقدح والذم والتحقير، على الحالات التي يُنظمها هو بوصفه نصا خاصا. وهذا يعني أن قانون العُقوبات العام يبقى، مِن حيث المبدأ، نافذا في حق غير المشمولين بقانون الإعلام. وتاليًا، فالمُعضلة ليست في غياب النص التجريمي أصلا، بل في غياب آلية فعالة للمُلاحقة والإثبات الرقمي في جرائم منصات التواصُل».