تتجه أندية الدوري الإنكليزي الممتاز لكرة القدم إلى إعادة صياغة سوق رعاية القمصان، مع دخول الاتفاق الجماعي على التوقف عن عرض رعاية شركات المقامرة على الواجهات حيز التنفيذ بداية من موسم 2026-2027.
وخلال العقود الأخيرة، تحولت المراهنات في كرة القدم من نشاط هامشي إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات، مستفيدة من التطور التكنولوجي وانتشار الإنترنت. وأصبحت شركات المراهنات شريكاً مالياً مهماً لقطاع كرة القدم، في وقت تسعى فيه الأندية إلى زيادة إيراداتها لمواجهة ارتفاع أجور اللاعبين وتكاليف الصفقات، بينما تبحث تلك الشركات عن منصات جماهيرية لترويج علاماتها التجارية.
وتعد واجهة قميص النادي من أبرز المساحات الإعلانية في التسويق الرياضي، إذ يحظى الشعار بتغطية تلفزيونية واسعة، فضلاً عن ظهوره على قمصان المشجعين ومنصات التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو الرياضية.
وتكتسب شركات المراهنات أهمية اقتصادية خاصة بالنسبة إلى الأندية المتوسطة والصغيرة، التي قد تجد فيها مصدراً لرعايات مالية كبيرة، في ظل تركّز العلامات التجارية العالمية الكبرى على الأندية الجماهيرية الكبرى.
لكن هذا الحضور أثار جدلاً أخلاقياً وتنظيمياً بسبب المخاوف المرتبطة بإدمان القمار وتأثيره على الشباب والأطفال، ما دفع حكومات وهيئات رياضية إلى فرض قيود أو حظر بعض رعايات المراهنات، ودفع الأندية إلى البحث عن بدائل مثل شركات التكنولوجيا والتأمين والذكاء الاصطناعي.
الدوري الإنكليزي يدخل مرحلة جديدة
في عام 2023، اتفقت أندية الدوري الإنكليزي الممتاز بشكل جماعي على التوقف عن عرض رعاية شركات المقامرة على واجهات القمصان، على أن يبدأ تطبيق الاتفاق مع موسم 2026-2027.
وكشفت تحليلات صادرة عن “نيلسن سبورتس” أن تراجع حضور شركات المراهنات يفتح المجال أمام مرحلة أكثر تنوعاً في الرعاية، تقودها شركات البرمجيات والاستثمارات السيادية والتكنولوجيا المالية.
ومن أمثلة هذا التحول اتفاق كريستال بالاس مع شركة “تمبورال” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وأنظمة تكنولوجيا المؤسسات، والاتفاق بين أستون فيلا و”فيزيت رواندا”، وشراكة إيفرتون مع شركة الخدمات المالية “سي.إم.سي ماركتس”.
وقال آندي ميلنز، مدير سوق الرياضة في الشركة في بريطانيا وإيرلندا: “بالنسبة للمؤسسات المنافسة، لا سيما في مجال التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي، تُستخدم الرعاية لبناء مصداقية عالمية على نطاق واسع. في حين أن اختفاء شعارات شركات المقامرة يصنع فجوة مالية قصيرة الأجل للبعض، فإنه يفتح الباب أمام نظام تجاري أكثر تنوعاً”.
وأضاف: “يكمن التحدي الذي يواجه الأندية الآن في تجاوز مجرد الإبلاغ عن قيم الصفقات السابقة والتوجه نحو التحليل الاستباقي الذي يجذب عمالقة الصناعة الصاعدة هؤلاء”.
ثمانية أندية تبحث عن رعاة جدد
وجدت ثمانية أندية في الدوري الإنكليزي الممتاز نفسها بحاجة إلى البحث عن راعٍ جديد لواجهة قمصانها هذا الصيف بسبب حظر شركات المراهنات.
وما زالت أندية مثل نوتنغهام فورست وسندرلاند تبحث عن راعٍ، وكذلك تشيلسي الذي لم يحصل سوى لفترات قصيرة على راعٍ لواجهة قميصه في المواسم الأخيرة.
وقال أستاذ الشؤون المالية الرياضية بجامعة ليفربول كيران مغواير لشبكة “بي بي سي سبورت” إن ذلك قد يرتبط بتطلع الأندية إلى تحقيق سقف توقعات أعلى من صفقاتها التجارية.
وقال مغواير: “يرجع هذا بشكل أساسي إلى أن تصور النادي لقيمته التجارية لا يتوافق مع ما يقدمه الرعاة، إضافة إلى إلغاء رعايات المراهنات مما أدى إلى تقليل المعروض من الرعاة”.
وأضاف: “تشيلسي على وجه الخصوص واجه صعوبات في المواسم الأخيرة، حيث يرغب النادي في إبرام عقد طويل الأجل بسعر يعكس مكانه الحالي كبطل لكأس العالم للأندية”.
وكان تشيلسي قد وقع عقداً مع شركة “إيه آي إف إس” (IFS) لتقنية الذكاء الاصطناعي لبضعة أشهر في الموسم الماضي، في مؤشر على الاتجاه الجديد.
وانتقل كريستال بالاس وفولهام من رعاية شركات المراهنات إلى شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، عبر شراكتهما مع شركتي “تمبورال” (Temporal) و”كليك هاوس” (ClickHouse) على التوالي.
كما تحمل قمصان أربعة أندية في الدوري الإنكليزي الممتاز هذا الموسم رعاة من قطاع التكنولوجيا، مع انضمام إيبسويتش تاون ومانشستر يونايتد إلى كريستال بالاس وفولهام.
وفي المقابل، أصبح القطاع المالي القطاع الرائد، إذ يرعى خمسة أندية من أصل 17 نادياً حسمت رعايتها، بعد صفقة إيفرتون مع شركة “سي إم سي ماركتس”.
كما حلت شركات من مجالات التأمين والسياحة والتوظيف محل بعض صفقات المراهنات.
تاريخ رعاية القمصان في الدوري الإنكليزي
قبل نحو 20 عاماً، فُتح الباب أمام شركات المراهنات لوضع شعاراتها على واجهة القمصان، قبل أن تصوت الأندية طوعاً لصالح حظر هذه الرعايات.
وخلال الموسمين الماضيين، حملت قمصان 11 نادياً من أصل 20 نادياً علامات تجارية لشركات مراهنات، بدءاً من شركات المراهنات عبر الإنترنت وصولاً إلى كازينوهات العملات المشفرة، وبعضها لا يعمل داخل المملكة المتحدة.
ويختلف هذا المشهد عن ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت الشعارات التجارية بالظهور بانتظام على الأطقم الرياضية، وكانت الفرق تستقطب شركات محلية أو علامات تجارية أجنبية معروفة داخل البلاد، مثل “دريبر تولز” (Draper Tools)، و”كراون بينتس” (Crown Paints)، و”جي في سي” (JVC)، و”شارب” (Sharp).
ومع النمو العالمي للدوري الإنكليزي الممتاز، أصبح الرعاة يأتون من قطاعات ودول مختلفة، مستهدفين أسواقاً محددة حول العالم. ومع انتعاش سوق الرعاية بالنسبة للأندية الستة الكبار، اتجهت بقية الأندية إلى البحث عن أفضل الصفقات المتاحة، وكانت شركات المراهنات من أبرز الخيارات.
وبدأت أندية كرة القدم في أواخر سبعينيات القرن الماضي البحث عن مصادر دخل جديدة، رغم وجود مقاومة لرعاية واجهة القمصان، خصوصاً من شركات التلفزيون التي اعتبرتها إعلانات مجانية.
وقبل انطلاق موسم 1979-1980، استسلم الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم ورابطة الدوري، مع اشتراط إزالة شعارات الرعاة في المباريات المنقولة تلفزيونياً وكل مباريات الكؤوس.
ودخل إيفرتون تاريخ الدوري الإنكليزي عندما أصبحت “هافنيا”، وهي شركة دنماركية للأغذية المعلبة، أول راعٍ يظهر على قميص فريق، قبل أن يلحق به ليفربول بعد أيام قليلة بتوقيع عقد مع شركة الإلكترونيات اليابانية “هيتاشي”.
وبحلول موسم 1983-1984، أُلغي الحظر التلفزيوني، وأصبحت جميع الأندية الـ22 في الدرجة الممتازة تملك صفقات رعاية.
وشهدت السنوات الأولى هيمنة شركات الإلكترونيات الناشئة مثل “جي في سي”، و”باناسونيك”، و”بيونير”، و”شارب”. وفي أول موسم للدوري الإنكليزي الممتاز بصيغته الجديدة 1992-1993، كان لدى تسعة أندية من أصل 22 راعٍ من قطاع التكنولوجيا، واستحوذت الشركات اليابانية على خمسة منها.
وكان هناك عشرة رعاة يتخذون من المملكة المتحدة مقراً لهم، سبعة منهم على بعد أقل من 100 ميل من ناديهم، وأربعة على بعد أقل من 10 أميال، بينما خاض ويمبلدون الموسم بأكمله دون راعٍ على القميص.
ارتفاع قيمة عقود الرعاية
ارتفعت قيمة صفقات الرعاية بشكل كبير، وبات المشجعون بحاجة أحياناً إلى البحث عن أسماء الشركات لمعرفة طبيعة أعمالها ومقراتها، سواء تعلق الأمر بشركة التكنولوجيا الأميركية “سناب دراغون”، أو شركة مشروبات الطاقة الجنوب أفريقية “نوكس هايدريشن”، أو شركتي الذكاء الاصطناعي الأميركيتين “كليك هاوس” و”تمبورال”.
وأوضح مغواير أن الإيرادات التجارية قفزت “بنسبة تقارب 4,000% من 58 مليون جنيه إسترليني (نحو 80 مليون دولار) إلى 2.4 مليار جنيه إسترليني (نحو 3.2 مليارات دولار) في موسم 2024-2025”.
وقال: “مع اتساع نطاق البث التلفزيوني للدوري الإنكليزي الممتاز، ارتفعت قيمة هذه الصفقات بشكل متوازٍ. ويعد عقد رعاية واجهة القميص أحد أكبر عناصر الإيرادات التجارية للأندية”.
وبحلول منتصف التسعينيات، كانت نحو ثلث الأندية ترعاها علامات تجارية للمشروبات الكحولية، قبل أن يتراجع هذا الاتجاه تدريجياً، وكانت شراكة إيفرتون مع العلامة التجارية التايلاندية “تشانغ” آخر رعاية لشركة مشروبات كحولية في موسم 2016-2017.
وجاء التحول الحقيقي مع قانون القمار لعام 2005، الذي منح حرية أكبر لشركات المراهنات لوضع أسمائها على واجهة قمصان كرة القدم.
وبدأ توسع رعايات المراهنات عام 2006 مع صفقة توتنهام بقيمة 34 مليون جنيه إسترليني (نحو 46 مليون دولار) لمدة أربع سنوات مع “مانشن”، وهي منصة ألعاب وكازينو عبر الإنترنت.
وبعد مرور 20 عاماً، أصبحت صفقات الأندية الستة الكبار أعلى بكثير. فعندما جدد توتنهام عقد الرعاية مع شركة الخدمات المالية “أيه أي أيه” في عام 2019، بلغت قيمة العقد 320 مليون جنيه إسترليني (نحو 437 مليون دولار) على مدار ثماني سنوات، أي 40 مليون جنيه إسترليني (نحو 55 مليون دولار) في الموسم الواحد، وهو ما يعادل تقريباً خمسة أضعاف صفقة “مانشن”.
وقال مغواير: “لا شك في أن الأندية الستة الكبار، باعتبارها علامات تجارية عالمية قائمة بذاتها، كانت قادرة دائماً على تحصيل أعلى المبالغ”.
وأضاف: “تقدر صفقة مانشستر يونايتد مع ‘سناب دراغون’ بنحو 60 مليون جنيه إسترليني سنوياً (نحو 82 مليون دولار)، ولكن في الطرف الآخر من الطيف، قد يصعب على النادي الصاعد حديثاً الحصول على أكثر من 5 أو 6 ملايين جنيه إسترليني”.
وما زالت لشركات المراهنات والكازينوهات ميزانيات إعلانية أكبر من معظم القطاعات الأخرى، ما مكّنها من الشراكة مع أندية الدوري الإنكليزي الممتاز خارج نطاق الستة الكبار. وبحلول موسم 2017-2018، كان لدى تسعة أندية شركات مراهنات على قمصانها، وارتفع العدد خلال الموسمين الماضيين إلى 11 نادياً.
أماكن ظهور شعارات الرعاة
حصلت الأندية على إذن لوضع شعارات الرعاة على الجزء الخلفي من القمصان والأكمام اعتباراً من موسم 2017-2018، ما فتح مصدراً مالياً جديداً.
وقال مغواير: “تبحث الأندية الستة الكبار عن حد أدنى يبلغ 10 ملايين جنيه إسترليني (نحو 14 مليون دولار) في الموسم، ويمكنها مضاعفة هذا الرقم إذا كانت هناك علاقات ثانوية مع الرعاة”.
وأضاف: “أما الأندية الأخرى فقد ترضى بمبالغ تقل عن مليون جنيه إسترليني، على الرغم من أن هذا قد يتغير اعتباراً من موسم 2026-2027 مع انتقال شركات المراهنات من واجهة القمصان”.
وفي حين نقلت بعض الأندية رعاة المراهنات إلى أجزاء أخرى من أطقمها، لم يكن ذلك حلاً واسع النطاق.
وانتقلت شركة “بيتانو” من واجهة قميص أستون فيلا إلى الكم، وفعل إيفرتون الأمر ذاته مع موقع “ستيك دوت كوم”، رغم أن كازينوهات العملات المشفرة قد تُحظر هي الأخرى بنهاية الموسم.
أما بورنموث، الذي مدد رعاية الاستاد مع شركة “فايتاليتي” للتأمين لتشمل واجهة قمصانه، فسيظل يحمل إعلانات المراهنات، إذ سيتواجد كازينو “مستر كيو” على الكم، بينما تظهر شركة المراهنات “إس بي كيه” على ملابس التدريب.
قوة جذب مانشستر يونايتد التجارية
برزت قوة جذب مانشستر يونايتد التجارية من خلال صفقة ملابس التدريب، التي تفوق قيمتها رعاية واجهة القميص لمعظم الأندية الأخرى.
وقال مغواير: “تقدر صفقة مانشستر يونايتد مع(Betway) بـ 20 مليون جنيه إسترليني سنوياً” (نحو 27 مليون دولار).
وأضاف: “العديد من الأندية الأصغر لا تملك صفقات منفصلة لرعاية ملابس التدريب لأن مستوى الاهتمام بالنادي ومبيعات البضائع المحتملة لا يبرران إبرام ترتيب مستقل، وبالتالي يتم دمج ملابس التدريب مع صفقة واجهة القميص”.
رعاة المرحلة المقبلة
قد تكون شركات العملات المشفرة الساحة المقبلة للصراع، بعدما بدأت بالظهور على أكمام القمصان.
وترعى منصة “بينغ إكس” نادي تشيلسي، بينما تملك “أو كيه إكس” اتفاقية لرعاية أكمام قمصان مانشستر سيتي.
وصنفت هيئة السلوك المالي هذه الاتفاقيات بأنها “صفقات رعاية مشبوهة مع شركات مالية غير مصرح لها”.
لماذا يرفض بعض اللاعبين رعاية المراهنات؟
لا يفضل جميع اللاعبين وجود رعاية من شركات المراهنات على قمصان أنديتهم، لكن القرار النهائي يعود إلى النادي والأرباح المالية التي يحققها من عقد الرعاية.
وتتعدد أسباب رفض هذا النوع من الرعاية، بينها أسباب دينية وأخلاقية، إذ يرفض بعض اللاعبين ارتداء قمصان تحمل شعارات المراهنات والقمار تعارضاً مع تعاليم دينهم أو معتقداتهم الشخصية. ومن الأمثلة على ذلك موقف فريديريك كانوتيه من القمصان الرعائية للمراهنات في الدوري الإسباني سابقاً.
كما يرى بعض اللاعبين والرياضيين أن نشر إعلانات المراهنات يساهم في نشر الإدمان والمشكلات المالية لدى المشجعين والشباب، ويرفضون أن تكون صورهم أداة لترويج هذه المنتجات.
وتوجد أيضاً قيود ولوائح قانونية في بعض الدول والبطولات تحظر ترويج القمار، ما يجعل بعض اللاعبين أو الأندية ملزمين بتغيير القمصان في مباريات معينة.
المراهنات في البطولات الأوروبية الكبرى
اتفقت أندية الدوري الإنكليزي الممتاز على حظر إعلانات شركات المراهنات من واجهة القمصان بدءاً من موسم 2026-2027، مع السماح بها على الأكمام أو في اللوحات الإعلانية داخل الملاعب.
وفي الدوري الإسباني والدوري الإيطالي، فرضت السلطات الحكومية حظراً شاملاً على إعلانات ورعايات شركات القمار والمراهنات للفرق الرياضية.
أما الدوري الفرنسي، فيسمح لشركات المراهنات برعاية أندية الدوري الفرنسي ووضع شعاراتها على القمصان، سواء على الواجهة أو الأكمام، شرط أن تكون الشركات مرخصة ورسمية داخل فرنسا من قبل الهيئة الوطنية للألعاب.
وفي الدوري الألماني، يُسمح برعاية شركات المراهنات على قمصان الأندية ضمن إطار قانوني مشدد يُعرف بـ”معاهدة الدولة للرهان والقمار”.
ويرفض الجمهور و”الألتراس” في ألمانيا بشدة توسع شركات القمار والمراهنات في كرة القدم، ويمارسون ضغوطاً مستمرة على إدارات أنديتهم للحد منها.
وبذلك، يبقى قرار رعاية قمصان الأندية مرتبطاً بصورة أساسية بالاعتبارات الاستثمارية والتجارية وإدارات الأندية الباحثة عن أعلى العوائد المالية، من دون أن يعكس بالضرورة رغبة اللاعبين أو تفضيلاتهم، أو حماية مستقبل الأولاد.




