في عهد قائد الجيش السابق، لم يصبح الجيش أقرب إلى القرار، بل صار أقرب إلى تحمّل كلفته.
وصارت السلطة تستدعي المؤسسة العسكرية كلما احتاجت إلى ضمانة أمام الخارج، أو إلى تنفيذ التزامات في الجنوب، أو إلى عنوان لحصر السلاح، لكنها لا تمنح رأيها الوزن نفسه حين تُرسم شروط هذه المهمات.
المفارقة الأكثر إحراجاً في عهد رئيس الجمهورية جوزف عون ليست أن السلطة لا تتحدث عن الجيش بما يكفي، ولا أنها لا ترفع شعار دعم المؤسسة العسكرية.
على العكس تماماً، فالجيش حاضر في كل خطاب رسمي تقريباً، بوصفه المؤسسة التي يراد منها أن تضبط الحدود، وتنتشر في الجنوب، وتحصر السلاح، وتحمي الاستقرار، وتطمئن الخارج إلى قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها. لكن المشكلة تكمن في الحديث عن موقع الجيش في صناعة القرارات التي يُطلب منه تنفيذها.
عندها يظهر التناقض، إذ إن الجيش يُحمَّل مسؤوليات سيادية وأمنية وسياسية ضخمة، فيما يجري التعامل مع رأيه، حين يتعارض مع خيارات السلطة، بوصفه ملاحظة قابلة للاحتواء أو التسوية، لا باعتباره جزءاً من شروط القرار الوطني.
وبحسب مصادر سياسية مواكبة، فإن هذا التناقض بات واضحاً في أكثر من ملف، ولا سيما في العلاقة بين متطلبات المؤسسة العسكرية وخيارات السلطة السياسية. إذ لم تعد المسألة مجرد خلاف عابر حول قانون العفو العام أو حول حضور وزير الدفاع جلسة نيابية.
ما جرى في الساعات الأخيرة يصلح بوصفه مرآة لمسار أوسع، بدأ يتشكّل منذ انتقال الدولة إلى مسار التفاوض المباشر مع العدو، ومرّ بطريقة إدارة ملف الجنوب وحصر السلاح، ووصل إلى العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية في الداخل. القاسم المشترك بين هذه الملفات جميعها هو وضع الجيش في واجهة الاستحقاقات الأكثر كلفة، مع إبقاء أدوات القرار الفعلية في مكان آخر.
وتقول المصادر نفسها إن هذا المسار لا يمكن فصل حلقاته عن بعضها، وإن القاسم المشترك بينها هو اتساع المهمات الملقاة على الجيش مقابل محدودية دوره في تحديد شروطها.
تتكرر الصورة نفسها في الجنوب، فالسلطة تريد من الجيش أن ينتشر في المناطق التي ينسحب منها العدو، وأن يمسك الأرض، ويثبت قدرة الدولة على إدارة الجنوب، وأن ينفذ في الوقت نفسه خطة حصر السلاح.
لكن إسرائيل لم تجعل الانسحاب الكامل أمراً منجزاً قبل التفاوض. بل دخل لبنان مسار المفاوضات المباشرة فيما بقيت الوقائع الميدانية الإسرائيلية قائمة، وفيما لم يتحقق حتى الآن ما يكفي لتحويل الانسحاب ووقف الاعتداءات إلى حقيقة مضمونة لا إلى نتيجة يفترض أن تنتجها المفاوضات.
وتلفت المصادر إلى أن جوهر الاعتراض هنا، وإنْ كان يتعلق بمبدأ التفاوض المباشر بحدّ ذاته، إلا أنه وصل إلى أداء السلطة فيه وترتيب الأولويات، مثلاً: هل يكون الانسحاب ووقف الاعتداءات مدخلاً إلى التفاوض أم تصبح المفاوضات وسيلة للوصول إليهما؟
في هذه المرحلة يصبح السؤال عن الجيش سياسياً لا عسكرياً فقط، فلماذا يُطلب من المؤسسة العسكرية أن تنفذ التزامات كبرى قبل أن يحصل لبنان على المقابل الإسرائيلي الواضح والملزم؟ ولماذا يصبح انتشار الجيش نتيجةً منتظرة من الدولة اللبنانية، فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي ورقة تفاوضية؟ الفرق بين الصيغتين ليس تفصيلاً.
فالأصل هو أن ينسحب العدو وتتوقف اعتداءاته فتنتشر الدولة، لكن السلطة اختارت أن نفاوض كي نصل إلى الانسحاب، وننفذ التزاماتنا فيما ننتظر تنفيذ العدو لالتزاماته، وفي هذه الحال لا يعود الجيش صاحب ورقة سيادية، بل يتحول إلى جزء من آلية تنفيذ ترتيبات لم يضع شروطها بنفسه.
جعلت السلطة من الجيش أحد أهم أوراقها أمام الخارج من دون أن تمنحه الوزن السياسي الموازي داخل القرار
ثبّت تطبيق صدى الضاحية
لتصلك آخر الأخبار بسرعة وسهولة




