يصرّ وزير الإعلام بول مرقص على ضرورة إقرار اقتراح قانون الإعلام في الجلسة التشريعية التي يعقدها مجلس النواب اليوم، باحثاً عن «إنجازٍ» يُسجّل في عهده، وربما عن تهنئة من الجهات التي تدفع باتجاه إقرار قانون يكرّس قمع الصحافيين، انسجاماً مع متطلبات المرحلة السياسية.
إلا أن النجاح في تمرير «قانون مرقص» بصيغته الحالية، من دون إدخال التعديلات الضرورية عليه، سيكون خطيئة تلاحق عهده. فمكامن الخطر لا تتوقف عند التعريف المطاط لـ«الأخبار الكاذبة»، التي تستدعي برأي المشرّع حبس الصحافيين، بل تمتد إلى فرض غرامات تصل إلى مئة ضعف الحد الأدنى للأجور، وصولاً إلى إقفال المؤسسات الصحافية، ووضع أيدي القضاء على «الهيئة الوطنية للإعلام» المزمع إنشاؤها، واعتماد آلية مخالفة للدستور لتعيين أعضائها الذين سيهبطون إليها من مختلف الاختصاصات، ولن يربطها بالإعلام سوى اسمه
لا شك في أن الاقتراح يتضمّن خطوات إصلاحية متقدمة، لكن «التفخيخ» تسلّل إلى نصّه عن سابق تصميم، حتى وإن كان مرقص، ومعه بعض القوى السياسية والجهات التي أدّت أدواراً خلفية، يوحي للجسم الإعلامي بأن «مكرمات» تُقدَّم له على شكل إلغاء الملاحقات الجزائية في قضايا القدح والذم، وإلغاء احتكار إنشاء المؤسسات الإعلامية، وفتح المجال أمام عمل نقابي أوسع، وغيرها من الخطوات التي تعكس، في ظاهرها، فلسفة إصلاحية.
لذلك، يستوجب هذا التلاعب من النواب اليوم الدفع في اتجاه مناقشة مواد الاقتراح مادةً مادة، وإدخال أكبر قدر ممكن من التعديلات الضرورية، ولا سيما على المواد 72 و104 و105، في ظل مؤشرات عديدة على تراجع مستوى حرية التعبير في لبنان، وعلى محاولات قمع صحافيين ومؤسسات لا تدور في الفلك السياسي لسلطة الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام. فجردة سريعة للملاحقات، وطبيعة الشكاوى، وأشكال التضييق التي طاولت ممارسة حق التعبير الحر منذ بداية عهد عون، تكشف اتجاهاً لدى السلطة نحو استخدام سلاح الإعلام للاقتصاص من أصحاب الرأي المعارض، بازدواجية معايير فاضحة. وهذه ليست دعوة إلى ملاحقة أي وسيلة إعلامية، بل تأكيد أن الحق في التعبير الحر يجب أن يكون مكفولاً للجميع. ومن هنا، فإن وجود عبارات حمّالة أوجه وصيغ فضفاضة في اقتراح القانون الجديد يجعل الحاجة أكبر إلى تشريع واضح ودقيق، لا يترك مساحة للتأويل أو التفسير الانتقائي.
وفي معلومات «الأخبار»، عُقدت أمس جلسة حضرها مرقص ونائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب، ونقيبا الصحافة والمحررين وعدد من النواب، وتركّز النقاش خلالها على اقتراح «سحب القانون من جدول أعمال جلسة اليوم، على أن يُعاد طرحه على الهيئة العامة بعد ثلاثة أشهر». وهو اقتراح «قوبل بالرفض من بوصعب ومرقص»، مع «وعد بإبداء مرونة حيال طروحات التعديل».
الكلمة ليست جريمة
بعد نضال طويل خاضه العاملون في القطاع الإعلامي لإلغاء العقوبات الجزائية والسجنية بحق الصحافيين والإعلاميين، وحمايتهم من الملاحقات التعسفية، جاءت الفقرة (ب) من المادة 104 لتشكّل التفافاً على هذا التوجه، فنصّت على معاقبة من يقوم بـ«اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية» بالحبس لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات، مع إمكان تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة في بعض الحالات. وتعيد هذه الفقرة عملياً تجريم النشر، عبر فتح الباب أمام الادعاء بجرم نشر «أخبار كاذبة ومؤذية»، استناداً إلى عبارات فضفاضة وغير محددة تتيح تفسيرات واسعة. والأجدى، في المقابل، إلغاء هذه الفقرة واعتماد المسؤولية المدنية بدلاً من العقوبات الجزائية، مع حصر حالات التحريض على الكراهية والعنف والتمييز وفق «خطة عمل الرباط»، التي تضع ستة معايير دولية لتقييم ما إذا كان المحتوى الإعلامي أو الصحافي يشكل تحريضاً على الكراهية أو العنف أو التمييز، بما يحدّ من احتمالات التفسير التعسفي ويضع ضوابط واضحة للمساءلة.
غرامات كبيرة وإقفال مؤسسات إعلامية
أما على مستوى التدابير التي يمكن اتخاذها بحق المؤسسات الإعلامية، فينص اقتراح القانون على أن تفرض المحاكم المختصة، التي ستُنشأ بموجب أحكامه، غرامات على المؤسسات الإعلامية المخالفة تتراوح بين 50 و100 ضعف الحد الأدنى للأجور. وفي حال تكرار المخالفة، يمكن لـ«الهيئة الوطنية للإعلام» أن توصي المحكمة بإقفال المؤسسة. وهنا تكمن إشكالية أخرى، إذ إن إقفال المؤسسات الإعلامية كان يستوجب، وفق الآلية السابقة، المرور بمسار أكثر تعقيداً وضمانات أوسع، يبدأ بأخذ الرأي الملزم لـ«المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع»، ثم إحالة الملف إلى مجلس الوزراء لمناقشته، قبل أن يُحال، في حال كانت المخالفات جسيمة، إلى القضاء. وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل المطلوب تنظيم الإعلام وحماية حرية التعبير، أم إنشاء منظومة عقوبات جديدة واستخدامها لإخضاع المؤسسات التي لا تتماهى مع السلطة؟
«هيئة وطنية للإعلام»؟
ينص اقتراح القانون على إنشاء «الهيئة الوطنية للإعلام»، التي تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ولا يحق للسلطة التنفيذية وقف عملها تحت أي ظرف، كما تخضع فقط لرقابة ديوان المحاسبة اللاحقة في الأمور المالية حصراً. ويشترط الاقتراح أن تتوافر في رئيس الهيئة وأعضائها شروط التعيين في وظائف الفئة الأولى، باستثناء شرطي السنّ والمباراة.
وهنا تبدأ المفارقة، وتبرز مجموعة من الإشكاليات الدستورية والقانونية. فقد نصّت المادة 74 من الاقتراح على أن تتألف الهيئة من عشرة أعضاء، يُنتخب سبعة منهم من قبل نقابات وجهات محددة، فيما يعيّن مجلس الوزراء الأعضاء الثلاثة الآخرين. وهذا التوزيع يطرح سؤالاً دستورياً جوهرياً: إذا كان الدستور اللبناني قد حصر في مجلس الوزراء صلاحية تعيين موظفي الفئة الأولى، أو من هم في حكمهم، فبأي سند تُنقل أجزاء من هذه الصلاحية إلى نقابات وجهات غير حكومية؟
واللافت أن حكومة نواف سلام عمدت أخيراً إلى تعيين رؤساء وأعضاء الهيئات الناظمة وفق هذه الآلية، فلماذا يجري تجاوز هذه القاعدة في «الهيئة» المقترحة؟ وعلى أي سند دستوري أو قانوني تستند عملية إسناد اختيار غالبية أعضائها إلى جهات خارج السلطة التنفيذية؟
أما الأعضاء السبعة الذين ينصّ الاقتراح على انتخابهم، فجاء توزيعهم على النحو الآتي:
1 ـ قاضٍ متقاعد في منصب الشرف (غالباً يكون قد تخطى الـ68 عاماً)، ينتخب بالأكثرية المطلقة من قبل مجلس القضاء الأعلى، ومكتب مجلس شورى الدولة، ومكتب ديوان المحاسبة، على أن تتم الدعوة إلى الانتخاب من قبل القاضي الأعلى درجة بين رؤساء هذه الهيئات الثلاث. وبعد استكمال آلية انتخاب معقّدة، تُعلن النتائج، ويرفع وزير العدل اسم القاضي إلى رئاسة كل من مجلس النواب ومجلس الوزراء لأخذ العلم.
وهنا تبرز أسئلة لا تقل أهمية عن آلية الانتخاب نفسها: ما المبرر في أن يكون رئيس الهيئة قاضياً متقاعداً، قد يكون قد تجاوز الثامنة والستين، ليتولى رئاسة هيئة معنية بإدارة شؤون قطاع إعلامي يتطور ويتغير بوتيرة متسارعة؟ ولماذا يُستبعد من رئاسة الهيئة إعلامي أو صحافي متخصص يمتلك الخبرة المهنية والمعرفية اللازمة لإدارة هذا القطاع؟
كما أن إسناد الإشراف على عمليات انتخاب الأعضاء الستة الآخرين إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، إضافة إلى الدور المحوري الذي يؤديه القضاء في تشكيل الهيئة، يطرح بدوره علامة استفهام حول طبيعتها واختصاصاتها. فهل نحن أمام هيئة ناظمة للإعلام، أم أمام هيئة يغلب على تكوينها وآلية تشكيلها الطابع القضائي؟
2 ـ محامٍ أو حقوقي يُنتخب لعضوية الهيئة من قبل مجلسي نقابة المحامين في بيروت والشمال، في اجتماع مشترك، بناءً على ترشيحات ترد إليهما.
3 ـ مهندس اتصالات أو برمجيات يُنتخب من قبل مجلسي نقابة المهندسين في بيروت وطرابلس، بناءً على ترشيحات ترد إليهما.
4 ـ خبير إعلامي يُنتخب بالأكثرية المطلقة من قبل عميد كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية ومديري فروعها، ومكاتب مجالس النقابات المنشأة بموجب قانون، أو التي قد تنشأ لاحقاً بموجب قانون.
5 ـ أستاذ جامعي متخصص يُنتخب من بين أساتذة متخصصين في الفلسفة أو الفنون أو علم الاجتماع أو العلوم الإنسانية، من قبل عمداء أو مديري الكليات في الجامعات اللبنانية التي تمنح شهادات الإجازة في الفنون أو علم الاجتماع أو الفلسفة.
6 ـ خبير في الاقتصاد أو إدارة الأعمال تنتخبه الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
7 ـ خبير في الحريات العامة وحقوق الإنسان تنتخبه الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بناءً على ترشيحات ترد إليها من جمعيات وأفراد متخصصين في الدفاع عن حريات الرأي والتعبير.
وإلى ذلك، فإن على كل نقابة أو جهة من الجهات المذكورة تسمية مرشحين اثنين لملء أحد المقاعد الثلاثة التي يتولى مجلس الوزراء تعيين أصحابها. أما الإشراف على مجمل هذه العملية، فيُسند إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، الذي يتولى متابعة جميع عمليات الانتخاب، وإعداد تقريره النهائي المتضمن إعلان فوز الأعضاء المنتخبين، وإرفاقه بقائمة أسماء المرشحين للمقاعد الثلاثة التي ترد من النقابات والجهات المعنية. ثم يرفع التقرير إلى رئيس مجلس الوزراء، الذي يعرضه بدوره على مجلس الوزراء لاختيار ثلاثة أعضاء من بين الأسماء الـ12 المقترحة.
الإشكاليات التي تطرحها هذه المادة، تبدأ بالمخالفة الدستورية المتمثلة بانتخاب أعضاء هم بمثابة موظفي فئة أولى، وتمتد إلى استبعاد الكوادر المتخصصة في مجال الإعلام والمعنية مباشرة بشؤونه، لمصلحة اختصاصات أخرى، من دون وضع معايير واضحة وموضوعية تضمن حسن الاختيار وكفاءة الأعضاء واستقلاليتهم.
فما هو المقصود تحديداً بـ«الخبير الإعلامي»؟ ومن يحدد صفته وخبرته وكفاءته؟ وما المعايير التي سيُبنى عليها اختياره؟ وأين هو الدور الحقيقي لكلية الإعلام، وهي الجهة الأكاديمية الأكثر اختصاصاً في هذا المجال، بعدما منحها اقتراح القانون دوراً هامشياً في عملية تشكيل الهيئة، في مقابل أدوار واسعة لنقابات وجهات لا ترتبط مباشرة بالعمل الإعلامي؟
اتجاه لدى السلطة نحو استخدام سلاح الإعلام للاقتصاص من أصحاب الرأي المعارض بازدواجية معايير فاضحة



