بنيامين نتنياهو منذ كان سفيرا لدولة “اسرائيل” في الأمم المتحدة، وضع تصوّره لمكانة الدولة العبرية بين الأمم في كتاب “مكان تحت الشمس”. وكان من المعترضين حتى على اتفاقات أوسلو ومؤتمر مدريد. فهو يتطلّع إلى تحقيق “دولة اسرائيل الكبرى”، والتوسع الجغرافي، وتفسير العداء العربي للدولة اليهودية بأنه ناجم عن العداء للغرب، لأن الدولة العبرية حسبما يدّعي، هي دولة ديموقراطية في محيط أنظمة ديكتاتورية واستبدادية.
من هنا، رأى أن التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ياسرعرفات، استتبعت التخلّي عن عقارات جغرافية بالغة الأهمية. فتسليم مناطق لمنظمة التحرير الفلسطينية، هو تسليم “إلى قوى الإرهاب والإسلام الأصولي”. وهذا ما دفعه إلى الاعتراض على تطبيق “اتفاق أوسلو”، الذي برأيه يؤدي إلى “تطويق اسرائيل بحزام من قواعد الإرهاب والإسلام الأصولي”.
كتاب”مكان تحت الشمس” لا عودة فيه لحدود العام ١٩٦٧، كما يشير القراران الدوليان ٢٤٢ و٣٣٨، ولا مكان فيه لدولة فلسطينية. وهكذا يُحذّر نتنياهو من موجة جديدة لللاساميّة، ومن الانصهار اليهودي في مجتمعات المهجر. ويستنتج “لا مكان للشعب اليهودي سوى “أرض اسرائيل”، وترسيخ فكرة الحق اليهودي على هذه الأرض”.
يتوقف نتنياهو في كتابه بشكل خاص عند مؤتمر فرساي، الذي عُقد في كانون الثاني من العام ١٩١٩، حيث حظيت “الحركة الصهيونية” بالاهتمام. لقد تم في فرساي التعهد لليهود بإقامة دولة في فلسطين، وشمل الوطن القومي آنذاك ضفتي الأردن، حيث كُلّفت بريطانيا في العام ١٩٢٠ أن تقيم وطنا لليهود، يشمل أراضي الأردن و “اسرائيل” اليوم.
ويتساءل نتنياهو في كتابه “لماذا تتعرض حاليا “الحركة الصهيونية” إلى النقد، وهي التي حظيت بدعم من قبل زعماء كبار مثل وودرو ويلسون ولويد جورج وجورج كليمنصو وتوماس مسريك”؟ وكل ذلك يدفعه إلى المضي في سياسة “التوسع الاسرائيلي”، بعد أن أصبح مقتنعا بأن الخيار العسكري سقط من حسابات الأنظمة العربية، وفقا لما أسرّ في أذنه سفير عربي بالأمم المتحدة بقوله له:”إنني أقول لأخواني العرب لقد انتهى الأمر”. ولما استوضحه نتنياهو ماذا يقصد بذلك، كان جوابه “لا خيار لدينا سوى التسليم بوجود اسرائيل”.
يدرك نتنياهو حاليا أن هناك تحوّلا في الرأي العام الغربي نحو “اسرائيل”، بسبب وحشية الأداء العسكري الاسرائيلي ، وسياسات العقاب الجماعي، والتهجير القسري ، وقتل الأطفال والشيوخ، وهدم المنازل وتوسيع رقعة الاستيطان. إذ صحيح أن “اسرائيل” هي صناعة غربية ، تكفيرا عن ذنوب الغرب للممارسات النازية، إلا أن نتنياهو مهما غطّى ادعاءاته بممارسة ديموقراطية كاذبة، هو يتبع الأساليب النازية نفسها التي مورست في المحارق في الجنوب اللبناني وغزة والضفة الغربية، وفي مصادرة الأراضي والتوسع الجغرافي. كما أنه لم يعد يتحكّم بمصادر المعلومات، بعد أن أصبحت الحقائق بمتناول الجميع عبر صور الهاتف ومصادر المعلومات المتنوعة السريعة.
فالدول الكبرى التي ساعدت على قيام “دولة اسرائيل”، لم تعد مقتنعة بما يفاخر به، من أنه يقود ثمانية حروب في وقت واحد مع جهات مختلفة، ويخالف القوانين الدولية، ولا يعبأ باعتراضات منظمات حقوق الإنسان ولا اليونيسكو ولا اليونيسف ولا الأونروا ولا المحاكم الدولية، ولا حتى بتحفظات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على سياساته اللبنانية والفلسطينية والسورية.
تصورات نتنياهو عن قيام “الدولة التوراتية”، تدفعه نحو ممارسة المزيد من العنف في الظروف الحالية. فهو كان يريد أن يتّكئ على الحرب الأميركية- “الاسرائيلية” على ايران، ليكون شريكا في صياغة شخصية لترتيب شؤون المنطقة، من ضمن “رؤية اسرائيلية توراتية”، تمنح الدولة العبرية الهيمنة السياسية والاقتصادية على دول المنطقة، وتفكيكها إلى كانتونات وكيانات هزيلة متناحرة وتفكيك جيوشها، لكن لم تنجح الحرب في تحقيق أهدافها. كما أن هناك افتراقا بين رؤية ترامب ورؤية نتنياهو للمنطقة.
فالبيت الأبيض يعتبر أن “رؤية نتنياهو التوراتية”، هي عنصر معيق للمشروع الأميركي وترتيبات الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط. وهذا ما يفسر ذهاب الرئيس ترامب بالإستعانة بالرئيس التركي رجب طيب أردغان، الذي يمكنه أن يكون عنصرا مساعدا للولايات المتحدة الأميركية في سوريا والعراق ولبنان، وحتى مع ايران.
ومن هنا الإعتراض الأميركي على سياسات نتنياهو في الجنوب اللبناني، حيث أوقف الأميركيون بالضغوط عملية عسكرية اسرائيلية كبيرة في العمق. كما يعترضون على تغيير الواقع في الضفة الغربية، وعلى التصعيد العسكري الاسرائيلي في غزة، والذي يستهدف فيه ترتيبات “مجلس السلام العالمي”، الذي مهندسه الفعلي ترامب نفسه.
واشنطن تمضي باتجاه خفض التوترات، وتناقش بإيجابية إيجاد مسار آمن في مضيق هرمز، وترفع صفة الإرهاب عن الحرس الثوري ، برفع العقوبات عن ثلاثة كيانات مرتبطة به.
وختاما رؤية نتنياهو في كتابه “مكان تحت الشمس”، يؤسس إلى مقاربة عنصرية نحو العرب والمسلمين ، وتنتهي في الممارسة إلى تعميق الإنقسام الداخلي الاسرائيلي بين العلمانيين والدينيين، وبين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين ،وإلى سقوف متعددة للمواطنة في “المجتمع الاسرائيلي”، أي ان الاستعصاءات أمام رؤية نتنياهو “لمكان اسرائيل تحت الشمس” كثيرة، ومع ذلك يندفع نحو “النهاية”.