في السياسة الدولية، لا ينبغي أن نأخذ قراراً عسكرياً معلناً من رئيس دولة كأنه قرار نهائي لمجرد أنه قيل أمام الكاميرات، كما لا ينبغي أن نعتبر التراجع عنه تلقائياً انتصاراً للطرف الآخر.
إعلان دونالد ترامب إلغاء الضربة الأمريكية الجديدة على إيران في ٢/آب ٢٠٢٦ يقع تحديداً في هذه المنطقة الرمادية.
ترامب قال إن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط طلبت إعطاء فرصة للمفاوضات، وإن (إطاراً) أو (معالم) لاتفاق قد جرى التوافق عليها، يتضمن خصوصاً إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء التهديد النووي الإيراني. لكنه لم يعلن اتفاقاً نهائياً موقعاً، ولم تؤكد طهران علناً حتى الآن أنها وافقت على الصيغة التي تحدث عنها.
وهذه نقطة جوهرية: نحن أمام وقف لضربة، لا أمام اتفاق سلام مكتمل.
أولاً: هل تراجع ترامب لأنه اقتنع فجأة بالدبلوماسية؟
هذا التفسير، في رأيي، ساذج إذا أخذناه وحده.
ترامب لم يتحول فجأة إلى رجل سلام. أسلوبه في إدارة الأزمة الإيرانية يقوم منذ البداية على الجمع بين الضغط العسكري الهائل والتهديد باستخدام القوة، ثم ترك باب التفاوض مفتوحاً.
والدليل أن القرار الحالي جاء بعد تهديدات شديدة اللهجة بالتصعيد، وبعد أن كانت واشنطن تدرس ضربات جديدة للبنية التحتية الإيرانية. ثم حدث التحول خلال وقت قصير جداً من التهديد بالتصعيد إلى الحديث عن اتفاق قريب.
هذا يعني أن التفاوض بالنسبة إلى ترامب ليس بالضرورة بديلاً عن القوة، بل قد يكون امتداداً لها بوسائل أخرى.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل اختار ترامب السلام؟
بل:
لماذا أصبح استمرار الحرب أقل جاذبية له في هذه اللحظة؟
وهنا تبدأ القراءة الأكثر واقعية.
ثانياً: لأن الضربة الجديدة ليست مجانية
الولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات هائلة إلى إيران، وهذه ليست النقطة محل الشك.
المشكلة هي ما يأتي بعد الضربة.
إيران لا تحتاج إلى أن تنتصر عسكرياً على الولايات المتحدة لكي تجعل الحرب مكلفة. يكفيها أن تجعل الولايات المتحدة وحلفاءها يدفعون ثمناً متزايداً عبر الصواريخ والطائرات المسيَّرة، والقواعد الأمريكية، والملاحة، والطاقة، والمضيق.
وقد أصبحت هذه المسألة أكثر حساسية لأن مضيق هرمز أصبح في قلب الأزمة.
إغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة فيه لا يضر إيران وحدها. إنه يضرب سوق الطاقة العالمي ويضغط على حلفاء واشنطن الخليجيين والاقتصاد العالمي.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية:
قد تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تضمن أن الضربة ستبقى محصورة داخل إيران.
وهذا فرق هائل.
ثالثاً: السعودية ودول الخليج ليست بالضرورة راغبة في حرب مفتوحة
من أكثر النقاط التي تستحق الانتباه أن قرار ترامب جاء بعد اتصالات مع القيادة السعودية، وفي ظل قلق خليجي واضح من أن تؤدي الضربات الجديدة إلى رد إيراني يستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية في المنطقة.
جاء قرار ترامب بعد اتصال مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي عبَّر عن مخاوف من أن يؤدي التصعيد إلى رد إيراني أوسع على منشآت الطاقة الخليجية.
وهذا مهم جداً لفهم الموقف الأمريكي.
فإذا كانت واشنطن تريد الضغط على إيران، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى السعودية والخليج، وتريد استمرار صادرات الطاقة، ولا تريد حرباً إقليمية واسعة، فإن هامش المناورة يصبح أضيق بكثير.
بمعنى آخر:
الحليف الذي يستطيع مساعدتك في الحرب قد يكون نفسه الطرف الذي يطلب منك عدم توسيعها.
رابعاً: هناك مشكلة أكبر: ماذا بعد الضربة؟
هذه ربما أهم نقطة في الموضوع كله.
لو أمر ترامب بالضربة، ما الهدف السياسي النهائي؟
هل المطلوب:
تدمير منشآت عسكرية؟
إجبار إيران على فتح مضيق هرمز؟
القضاء على البرنامج النووي؟
إجبار طهران على الاستسلام؟
تغيير النظام؟
أم مجرد إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات؟
إذا كان الهدف هو الرابع أو الخامس، فإن الضربة الجوية وحدها لا تكفي.
أما إذا كان الهدف هو السادس، فهناك سؤال منطقي:
لماذا تخوض ضربة كبيرة الآن إذا كان التفاوض قد بدأ يعطيك فرصة للحصول على ما تريد من دون دفع ثمن الحرب؟
هذه هي النقطة التي تجعل إلغاء الضربة قراراً عقلانياً من زاوية المصلحة الأمريكية، حتى لو كان ترامب نفسه قد قدمه بطريقة دعائية.
خامساً: هل يعني ذلك أن إيران انتصرت؟
ليس بهذه السرعة.
هناك فرق بين القول إن إيران نجحت في منع ضربة جديدة في هذه اللحظة وبين القول إنها انتصرت في الحرب.
إذا كانت طهران قد دفعت الولايات المتحدة إلى التراجع من خلال تهديد الملاحة والطاقة ورفع تكلفة الحرب، فهذا يمثل نجاحاً تفاوضياً وعسكرياً مهماً.
لكن إيران في المقابل ما زالت أمام مطالب أمريكية ثقيلة جداً، وعلى رأسها القضية النووية ومضيق هرمز.
كما أن واشنطن لم تسحب تهديدها العسكري ، بل أبقت الباب مفتوحاً أمام العودة إلى القوة إذا فشلت المفاوضات.
إذن الصورة الأدق هي:
إيران لم تنتصر بل صمدت ، وأمريكا لم تنتصر ، لكن الطرفين توصلا إلى أن الجولة التالية من الحرب قد تكون أغلى من قدرتهم على تحملها.
سادساً: أخطر كلمة في إعلان ترامب هي (الإطار)
هنا يجب الحذر من اللغة السياسية.
ترامب تحدث عن (parameters) أي معالم أو إطار للاتفاق وليس عن معاهدة سلام مكتملة.
وهذا ليس تفصيلاً لغوياً.
ففي حزيران الماضي، أعلن ترامب أيضاً عن تقدم كبير في المفاوضات وألغى ضربات كان يهدد بها. لكن إيران قالت في ذلك الوقت إنه لم يكن هناك قرار نهائي، وكانت بنود الاتفاق لا تزال قيد المراجعة.
وهذا يجعل الإعلان الحالي بحاجة إلى قدر كبير من التحفظ.
قد يكون هناك بالفعل تفاهم حقيقي.
وقد يكون هناك مجرد تقارب في المبادئ العامة لم يتحول بعد إلى اتفاق قابل للتنفيذ.
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الهدنة والحل.
سابعاً: لماذا يريد ترامب الاتفاق الآن؟
هنا أرى أربعة دوافع محتملة، لا دافعاً واحداً:
١- تجنب حرب استنزاف
الحرب الطويلة هي عكس الصورة التي يحب ترامب تقديمها عن القوة الأمريكية الحاسمة والسريعة.
٢- حماية الاقتصاد والطاقة
أي اضطراب طويل في هرمز يمكن أن يرفع أسعار الطاقة ويؤثر في الاقتصاد العالمي، وهذا تحديداً ما لا يحتاجه البيت الأبيض.
٣- الحفاظ على علاقة واشنطن بحلفائها الخليجيين
السعودية ودول الخليج تريد ردع إيران، لكنها لا تريد بالضرورة حرباً شاملة تدمر منشآتها وتضرب اقتصادها.
٤- تحويل التهديد العسكري إلى ورقة تفاوضية
وهذا ربما أكثر تفسير منطقي.
ترامب يقول عملياً لطهران:
(أنا أستطيع ضربك، لكن إذا أعطيتني الاتفاق الذي أريده، فلن أضربك.)
إذا نجح هذا الأسلوب، فهو بالنسبة إلى ترامب ليس تراجعاً، بل تحويل القوة العسكرية إلى ورقة ضغط سياسية.
ثامناً: لكن هناك نقطة ضعف في استراتيجية ترامب
كلما هدد ترامب بضربة ثم ألغى الضربة، هناك خطر أن تستنتج إيران أن التهديد الأمريكي أقل مصداقية مما يبدو.
وهذه مشكلة ردع كلاسيكية.
القوة لا تكفي لكي تردع الخصم ، يجب أن يعتقد الخصم أنك مستعد لاستخدامها عندما تتجاوز خطاً معيناً.
إذا اعتقدت طهران أن كل تهديد أمريكي سينتهي في النهاية إلى مفاوضات، فقد تصبح أكثر صلابة.
لكن العكس صحيح أيضاً:
إذا ضرب ترامب إيران في كل مرة تتعثر فيها المفاوضات، فقد يتحول التفاوض نفسه إلى مجرد محطة مؤقتة قبل الحرب التالية.
لذلك فإن التحدي أمام واشنطن هو إيجاد منطقة وسط:
تهديد عسكري قابل للتصديق، من دون الوقوع في حرب لا تستطيع تحديد نهايتها.
تاسعاً: وماذا عن البعد السياسي الداخلي الأمريكي؟
لا ينبغي تجاهله.
ترامب رجل سياسي شديد الحساسية تجاه صورة (الفوز).
الحرب الطويلة والمكلفة ليست بيئة مثالية له، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني.
إن الحرب باتت تواجه ضغوطاً سياسية واقتصادية متزايدة داخل الولايات المتحدة، مع تراجع التأييد الشعبي واستمرار تداعيات الصراع على المنطقة والأسواق.
لكنني لا أعتقد أنه من المنطقي اختزال القرار في (الانتخابات).
الأدق أن نقول إن العامل السياسي الداخلي يضاف إلى مجموعة من العوامل الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية.
عاشراً: ماذا يعني القرار بالنسبة إلى إسرائيل؟
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.
إسرائيل تريد من الولايات المتحدة أن تضمن ألا تخرج إيران من الحرب وهي قادرة على إعادة بناء قوتها العسكرية والنووية.
لكن الولايات المتحدة لديها حساب أوسع: إيران، الخليج، هرمز، أسعار النفط، القواعد الأمريكية، الحلفاء، روسيا والصين، والاقتصاد العالمي.
لذلك قد تتطابق المصالح الأمريكية والإسرائيلية في هدف إضعاف إيران، لكنهما لا تتطابقان بالضرورة في درجة التصعيد المطلوبة لتحقيق هذا الهدف.
وهذه نقطة مهمة جداً.
ليس كل ما تريده إسرائيل من الحرب يتطابق بالضرورة مع ما تستطيع الولايات المتحدة تحمله من الحرب.
أخيراً ، هل كان قرار ترامب ضعفاً أم عقلانية؟
أعتقد أن وصفه بأنه (انتصار أمريكي) أو (هزيمة أمريكية) كلاهما مبالغ فيه.
القراءة الأكثر واقعية هي أن ترامب وصل إلى لحظة حساب كلفة.
لقد امتلك خيار الضربة، وأراد أن يثبت أنه يستطيع استخدامها، لكنه اكتشف أو اقتنع أن استخدام القوة ليس بالضرورة أفضل وسيلة للحصول على النتيجة السياسية التي يريدها.
ومن جهة أخرى، و أن إيران نجحت في جعل الحرب أكثر كلفة وتعقيداً مما يمكن لواشنطن أن تتجاهله، خصوصاً عبر ملف هرمز والطاقة والردود الإقليمية.
الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد.
الاختبار الحقيقي هو الاتفاق.
إذا أدى إلغاء الضربة إلى اتفاق فعلي يضمن إعادة فتح مضيق هرمز، ويضع قيوداً قابلة للتحقق على البرنامج النووي الإيراني، ويوقف الهجمات المتبادلة، ويمنح واشنطن مخرجاً سياسياً من الحرب، فسوف يبدو قرار ترامب بعد أشهر كأنه استخدام ذكي للتهديد العسكري لتحقيق هدف سياسي من دون إطلاق الجولة الجديدة من الحرب.
أما إذا انهارت المفاوضات خلال أيام أو أسابيع، وعادت الضربات، فسيبدو القرار بصورة مختلفة تماماً:
ليس مبادرة سلام، وإنما تخبط و تأجيل لضربة لأن كلفة تنفيذها في تلك اللحظة كانت أعلى من فائدتها.
وهذا، في رأيي، هو التفسير الأكثر عقلانية بعيداً عن الدعاية.
واللافت أن الأسواق نفسها تعاملت مع الإعلان بهذه الطريقة: تراجعت أسعار النفط وارتفعت الأسهم مع انحسار احتمال التصعيد، أي أن المستثمرين لم يتعاملوا مع الأمر باعتباره (انتصاراً) لطرف، بل باعتباره انخفاضاً مؤقتاً في علاوة مخاطر الحرب.
لذلك سأختصر المشهد بجملة واحدة:
ترامب لم يختر بين الحرب والسلام؛ هو اختار، في هذه اللحظة، أن يجعل احتمال الحرب ورقة ضغط على طاولة المفاوضات بدلاً من تحويلها إلى حرب جديدة والسؤال الذي سيحسم تقييم قراره هو: ماذا تستطيع إيران أن تحصل عليه مقابل إبقاء هذه الورقة في درج ترامب؟