
أخبار لبنان
سياسة الكهرباء الجديدة: أرباح الشركات مضمونة بـ«الاحتكارات الإقليمية»
ناقش أمس، مجلس الوزراء، ورقة سياسة قطاع الكهرباء المُقدّمة من الوزير جو الصدّي والتي يمكن تسميتها «سياسة الخصخصة». فهي تهدف إلى تحويل مؤسّسة كهرباء لبنان إلى شركة تجارية، ثم تفكيكها وفصل الأنشطة التي تمارسها مثل الإنتاج والنقل والتوزيع والجباية وسواها، عن بعضها عبر شركات تجارية منفصلة سيتم بيعها، باستثناء النقل، مع كامل الحقوق التي تملكها في مجال عملها، للقطاع الخاص. وسيتم الانتقال نحو التنافسية من خلال «احتكارات إقليمية» سيتم توزيعها على مُقدِّمي خدمات بالاستفادة من تجربة مُقدِّمي الخدمات الحالية.
هذه الخلاصة تأتي بعدما عُرضت مُسوَّدة الورقة للتشاور في حزيران الماضي مع أكثر من 70 جهة محلية وخارجية. لا تختلف المُسوَّدة كثيراً عن النسخة المعروضة على مجلس الوزراء، إلا لجهة التفاصيل وتعديلات في أسماء الشركات وإعادة توزيع للخطوات. فما زال على حاله هو فتح الإنتاج والبيع أمام القطاع الخاص، وتحويل التوزيع إلى شركات إقليمية مُخصخصة، وصولاً إلى سوق كهرباء مُحرّرة بالكامل.
ما تغيّر هو الطريق المؤدّي إلى هذه النتيجة. فبدلاً من إنشاء الشركات الجديدة أولاً ثم تحويل مؤسّسة كهرباء لبنان وتوزيع أصولها على الشركات الجديدة، تقترح الصيغة المعروضة على المجلس إنشاء شركة مساهمة عامة موحّدة باسم «Public SAL» ترث المؤسّسة بكل أنشطتها وأصولها، قبل تفكيكها لاحقاً. وفي غضون ذلك، تمنح الخطة مُقدِّمي خدمات التوزيع الحاليين دوراً موسّعاً، بوصفهم الجسر التشغيلي نحو شركات التوزيع الإقليمية التي يُراد تجهيزها لاحقاً لمشاركة القطاع الخاص.
إذاً، هي عملية إعادة ترتيب الخطوات نحو الخصخصة والتحرير الكامل للقطاع الخاص. لكن حتى كلمة تحرير فيها مُبالغة، إذ إن المسألة الأساسية في خصخصة التوزيع والجباية، أنه سيتم تحويل هذا النشاط إلى شركات إقليمية ضمن احتكار جغرافي. أي إن الخصخصة سترفع احتكار الدولة، أو احتكار الجهة الواحدة السيادية، وتستبدله باحتكار مُوزّع على أكثر من جهة أو احتكار الشركات الموسّع.
وبحسب ما هو واضح، فقد تمّت إعادة ترتيب وتخفيف العبارات والمواعيد الأكثر إحراجاً. حُذفت الشركة القابضة الحكومية، وتراجعت التفاصيل المتعلّقة بقدرات الإنتاج والمعامل الجديدة، واختفى الموعد الذي كان يحدّد ما بين خمس وعشر سنوات للوصول إلى السوق المُحرّرة. لكن بقيت المرحلة الأخيرة من خريطة الطريق تحمل اسم «الخصخصة»، وبقي المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة مسؤولاً عن إعداد وتنفيذ صفقات بيع الشركات أو إدخال القطاع الخاص إليها، كما بقي النموذج النهائي المرسوم في الورقة قائماً على شركات إنتاج وتوزيع مُخصخصة ومنافسة في بيع الكهرباء.
تعرفة الكهرباء عبر الهيئة الناظمة ستعكس الكلفة والاستدامة المالية للشركات
المشكلة أن هذه الخطة، مثل سابقاتها، تبدأ من شكل السوق والشركات ولا تبدأ من السؤال الذي عجزت الدولة عن الإجابة عنه منذ عقود: كيف سيُموّل الإنتاج والاستثمار والتشغيل بالدولار؟ ومن سيتحمّل كلفة العقود والضمانات والأرباح؟ فإعادة ترتيب الشركات لا تنتج كهرباء، كما أن استبدال احتكار عام باحتكارات إقليمية خاصة لا يخلق منافسة حقيقية. وفي بلد عاجز حتى عن تأمين الوقود الكافي لتشغيل معامله القائمة حالياً بطاقة إنتاجية قصوى لا تلبّي أكثر من نصف الطلب، لا تبدو الخطة سوى محاولة لبناء منظومة تجارية كاملة حول قطاع لم تُحسم بعد مصادر تمويله ولا كلفة إنتاجه ولا قدرة المستهلكين على دفع فواتيره.























