قانون الإعلام الجديد: هل يحمي الصحافيين حقاً؟
مقالات

قانون الإعلام الجديد: هل يحمي الصحافيين حقاً؟

24/07/202610:29:28

ليس كل قانون يحمل عنوان «حماية حرية الإعلام» يضمن هذه الحرية فعلاً. فالقوانين لا تُقاس بالعناوين ولا بالنوايا المُعلنة، بل بما تمنحه للسلطة من صلاحيات، وبما تضعه من ضمانات لحماية الصحافي عندما ينشر معلومات مُحرِجة، أو يفتح ملف فساد، أو يعارض توجّهاً سياسياً.

مشروع قانون الإعلام الجديد في لبنان يتضمّن بلا شك خطوات إصلاحية مهمة. فهو ينظّم الإعلام الإلكتروني، ويمنع التوقيف الاحتياطي في الجرائم الإعلامية، وينشئ محكمة مدنية متخصّصة في قضايا الرأي والإعلام، كما يلغي اختصاص المحكمة العسكرية في الجرائم الإعلامية المشمولة بأحكامه. لكنّ قراءة النص كاملاً تكشف أن المشروع لا يزال يتضمّن ثغرات خطيرة قد تسمح باستخدامه للضغط على الصحافيين وتقييد حرية التعبير.

السجن لم يُلغَ

تتمثّل أولى المشكلات في الترويج لفكرة أن المشروع أنهى عقوبة السجن في قضايا الإعلام. هذه العبارة غير دقيقة. فالمادة 104 تعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة أو بإحدى العقوبتين، كل من يستخدم وسيلة من وسائل النشر للتحريض الطائفي أو للتحريض على العنف ضد أشخاص أو جماعات بسبب انتمائهم العرقي أو الديني أو المذهبي أو بسبب جنسهم أو لونهم. ولا خلاف على مشروعية تجريم الدعوة المباشرة إلى العنف أو التمييز، متى كان النص مُحدّداً وكان التحريض جدّياً ومباشراً.

لكنّ المادة نفسها تعاقب أيضاً من يتعمّد اختلاق أخبار كاذبة ومؤذية. وهنا تبدأ المشكلة القانونية. فما المقصود تحديداً بالخبر «المؤذي»؟ وما الحد الفاصل بين الخطأ الصحافي، والمعلومة غير المُكتمِلة، والرواية المُتنازع عليها، والاختلاق الجرمي المُتعمّد؟ ومن يحدّد مقدار الضرر المطلوب لقيام الجريمة؟

إن بقاء هذه المصطلحات من دون تعريف دقيق يفتح مجالاً واسعاً للتأويل. وقد تُستخدم عبارة «الأخبار الكاذبة» ضد صحافي اعتمد مصدراً رسمياً تبيّن لاحقاً عدم دقّته، أو نشر وثائق مُسرّبة طعنت السلطة في صحتها، أو عرض رواية مُخالِفة للرواية الحكومية. لذلك، فإن خطورة المادة لا تكمن فقط في العقوبة، بل في إمكان تطبيقها بصورة انتقائية ضد الصحافة الاستقصائية والمُعارِضة.

منع التوقيف الاحتياطي لا يعني منع الحبس

تنص المادة 114 على عدم جواز التوقيف الاحتياطي في الجرائم المُرتكبة بواسطة وسائل الإعلام والوسائل الإلكترونية، أياً كانت صفة الفاعل أو مهنته. وهذه ضمانة إيجابية ومهمة، لأنها تمنع احتجاز الصحافي خلال التحقيق والمحاكمة لمجرّد وجود شكوى إعلامية في حقه. لكن منع التوقيف الاحتياطي شيء وإلغاء عقوبة الحبس شيء آخر. فالمادة 114 تحمي الصحافي من السجن قبل صدور الحكم، لكنها لا تمنع المحكمة من الحكم عليه بالحبس بعد إدانته بموجب المادة 104. وبذلك، يكون المشروع قد منع الاحتجاز السابق للحكم، لكنه لم يلغِ العقوبة السالبة للحرية في جميع قضايا النشر.

المحكمة العسكرية: إصلاح مهم ولكن ضمن حدود النص

يتضمّن المشروع في هذا الجانب إصلاحاً واضحاً يجب الاعتراف به. فالمادة 111 تنص على إنشاء غرفة مدنية ابتدائية في كل محافظة تختص بالنظر في جرائم الرأي والإعلام، بينما تحدّد المادة 112 أصول المحاكمة وطرق الطعن. أمّا المادة 113 فتلغي صلاحية المحكمة العسكرية بالنسبة إلى الجرائم المتعلّقة بالرأي والإعلام المنصوص عليها في هذا القانون، وتشمل صراحة الجرائم التي كانت تدخل ضمن المادة 157 من قانون القضاء العسكري. وهذا يعني أن المشروع، في نطاق الجرائم الإعلامية التي يغطيها، يمنع إحالة الصحافي إلى المحكمة العسكرية لمجرّد مضمون رأي أو مادة إعلامية.

لكنّ هذه الحماية يجب ألّا تُفهم بصورة مُطلقة. فالنص يلغي اختصاص القضاء العسكري في الجرائم المتعلّقة بالرأي والإعلام المشمولة بالقانون، ولا يمنح الصحافيين حصانة عامة من القضاء العسكري إذا أعادت السلطات توصيف الفعل باعتباره جريمة أخرى، مثل إفشاء معلومات مُصنَّفة، أو الحصول غير المشروع على وثائق، أو التعرّض لمؤسسة عسكرية خارج الإطار الذي يعتبره القضاء جريمة نشر. لذلك تبقى العبرة في طريقة توصيف الأفعال وفي اجتهاد القضاء. وقدرة السلطات على نقل القضية من إطار «النشر» إلى إطار جرمي آخر يمكن أن تحدّ عملياً من الحماية التي أرادتها المادة 113.

تمييز ضد الصحافيين الفلسطينيين

تكشف المادة 63 مشكلة أخرى تتعلّق بالمساواة في ممارسة العمل الإعلامي. فهي تشترط أن يكون المدير المسؤول عن الموقع الإعلامي الإلكتروني المهني لبنانياً ومقيماً في لبنان، إلى جانب شروط تتعلّق بالمؤهّلات والخبرة والسجلّ العدلي.

هذه المادة لا تمنع الفلسطيني اللاجئ من الكتابة أو العمل مُحرِّراً أو مُراسِلاً. لذلك ليس دقيقاً القول إنها تحظر على الفلسطينيين العمل الصحافي بصورة كاملة. لكنها تمنع الفلسطيني، مهما بلغت خبرته وكفاءته ومدة إقامته في لبنان، من تولّي منصب المدير المسؤول عن الموقع الإلكتروني بسبب جنسيته وحدها. وهذا تمييز مباشر يصعب تبريره بطبيعة الوظيفة. فمن الممكن أن يشترط القانون الإقامة القانونية، والخبرة، والمؤهّلات المهنية، وتحمّل المسؤولية أمام القضاء، لكنه لا يوضح لماذا يجب أن تكون الجنسية اللبنانية شرطاً حصرياً لتولّي المسؤولية التحريرية. والنتيجة هي إبقاء الفلسطينيين العاملين في الإعلام تحت سقف مهني مُحدّد: يمكنهم الكتابة والعمل والإنتاج، لكن لا يمكنهم الوصول إلى منصب المدير المسؤول، مهما امتلكوا من خبرة أو كفاءة.

خطر التعويضات والدعاوى الكيدية

حتى عندما تكون المسؤولية مدنية، فإنها لا تكون دائماً أقل خطراً على حرية الصحافة. فقد تتحوّل الدعاوى المُطالِبة بتعويضات مالية مرتفعة إلى وسيلة لإرهاق الصحافي والمؤسسة الإعلامية.

المشكلة ليست في حق المُتضرِّر بالتعويض، بل في غياب ضمانات واضحة تمنع الدعاوى الاستراتيجية الرامية إلى إسكات المشاركة العامة، المعروفة بدعاوى «سلاب» (SLAPP) وقد لا يحتاج صاحب النفوذ إلى كسب الدعوى؛ فقد يكون كافياً أن يفرض على الصحافي أتعاب محامين، وجلسات متكرّرة، ومخاطر مالية كبيرة، لإقناعه بالتوقف عن التحقيق والنشر.

لذلك يُفترض أن يضع القانون معايير دقيقة لتقدير التعويض، وأن يميّز بين الخطأ المهني الحسن النية والاختلاق المُتعمَّد، وأن يمنح حماية خاصة للنشر المتعلّق بالمصلحة العامة وكشف الفساد.

الإصلاح لا يكفي من دون ضمانات

مشروع قانون الإعلام الجديد أفضل من تشريعات كثيرة سبقته، ولا سيما لناحية منع التوقيف الاحتياطي، وإنشاء القضاء المدني المتخصّص، وإبعاد الجرائم الإعلامية المشمولة به عن القضاء العسكري. لكن هذه الإصلاحات لا تكفي وحدها لضمان إعلام حرّ. فالمادة 104 تُبقي عقوبة الحبس، وتستخدم مفاهيم قابلة للتوسّع مثل الأخبار الكاذبة والمؤذية. والمادة 63 تفرض قيداً تمييزياً على الفلسطينيين في تولّي المسؤولية الإعلامية. كما أن غياب حماية قوية من الدعاوى المالية الكيدية قد يجعل التعويض المدني بديلاً عن السجن في إسكات الصحافة.

عمر نشابة-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24