الضياع العربي بين إيران والكيان والقضية
مقالات

الضياع العربي بين إيران والكيان والقضية

23/07/202610:21:58

تطل علينا ذكرى مرور 74 عاماً على ثورة تموز/يوليو. ولأن عمري آنذاك كان أقل من 6 سنوات، فقد ارتبطت أولى ذكرياتي عنها بـ”العدوان الثلاثي”.

كان عمري قد اقترب من العاشرة، وكنت في السنة الأولى من المرحلة الإعدادية، حين دلف المدرس إلى الفصل، وبدأ يتحدث عن الموضوع الذي يريد منا أن نحوله إلى صورة بالألوان في “كراسة الرسم”.

فذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر أراد بناء “سد عالٍ” قادر على أن يختزن وراءه كميات كبيرة من مياه نهر النيل، للاستفادة منها في توليد الكهرباء وتوسيع الرقعة الزراعية في مصر، لكن الولايات المتحدة سحبت عرضها للمشاركة في تمويله، فرد عبد الناصر بتأميم قناة السويس، كي يستخدم مواردها في تمويل المشروع، ما أغضب بريطانيا وفرنسا، ودفعهما إلى التواطؤ مع “إسرائيل” لشن الحرب وإسقاط عبد الناصر.

ولأن شعب مصر قاوم العدوان، وتضامنت معه الشعوب العربية، فقد اضطرت الدول المعتدية إلى وقف الحرب والانسحاب.

حين أمسكت بأقلام ملوّنة، محاولاً رسم ما انطبع في ذهني عن “حكاية السد والعدوان”، وجدتني أرسم طائرات تملأ سماء مصر الصافية، وقوات تهبط بمظلات مزركشة، وجمهوراً على الأرض يحمل عصياً وبنادق، متأهباً للانقضاض عليهم.

والمثير في الأمر أنني حرصت على الاحتفاظ بهذه الكراسة بالذات لسنوات طويلة، من دون سبب مفهوم. ولذلك، دهشت كثيراً حين عثرت عليها في أثناء إعادة ترتيب أوراقي الشخصية، استعداداً للعودة إلى أرض الوطن، عقب حصولي على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة السوربون عام 1977.

والأغرب أنني كنت، في اليوم التالي لهذه العودة، أتابع على شاشات التلفاز من مصر مشهد الرئيس السادات وهو يهبط في مطار بن غوريون، ثم رحت أتصبب عرقاً من شدة الحزن والغضب، حين بدأ يصافح مناحم بيغن وغولدا مائير وموشيه دايان ومجرمين آخرين تسببوا في قتل وتشريد مئات الآلاف من المصريين والفلسطينيين والعرب.

ولا أعرف، حتى هذه اللحظة، لماذا ارتبط المشهدان في ذهني باستمرار: مشهد تلميذ السنة الأولى الإعدادية، وهو يخط في كراسة الرسم الصورة التي انطبعت في ذهنه عن العدوان الثلاثي، ومشهد زيارة السادات للقدس.

من صورة مصر المقاومة إلى زيارة القدس

لم يكن من السهل على طفل استقرت في أعماقه صورة مصر المناضلة، حين كانت تقاوم بشموخ عدواناً غادراً يشنه عليها كيان دخيل، محمول على ظهر أكبر قوتين استعماريتين في تاريخ البشرية، أن يحتمل مشهد مصر المتخاذلة، حين كان رئيسها يتوجه، من دون سبب مقبول أو مفهوم، إلى زيارة عاصمة فلسطين المحتلة، بينما جزء من أرض بلاده نفسها ما يزال هو الآخر محتلاً.

ثم راح، شاباً وكهلاً، يتابع التأثير المدوي لهذا السقوط على عالم عربي راح عقده ينفرط تدريجياً، في ظل رئاسة عاجزة عن إدراك دور مصر القيادي وأهميته لكل شعوب المنطقة واستيعابه.

والمذهل أن تبدأ عجلة هذا السقوط في التحرك عقب انتصار هائل تحقق عام 1973، وغسل عار هزيمة كبرى لحقت بمصر والعالم العربي عام 1967.

حين تمكن السادات من شن حرب منسقة مع سوريا، يوم 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973، نجح خلالها في توحيد الدول العربية لتلقين الكيان الصهيوني درساً لا ينسى، غمرنا جميعاً إحساس هائل بالنشوة، واعتقدنا أنه نجح فيما فشل فيه عبد الناصر نفسه، العروبي حتى النخاع.

غير أنه سرعان ما تبين أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن ما تحقق من انتصار معجز في ميادين القتال بات معرضاً للانهيار في صالونات السياسة، عبر عملية اختراق صهيونية – أميركية للمنطقة يقودها هنري كيسنجر بنفسه، وزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت.

وكان هدفها الرئيسي إخراج مصر من معادلة الصراع العسكري في المنطقة، وهو ما تم بالفعل عبر سلسلة من الخطوات المترابطة، بدأت حين رفع السادات شعار “حرب أكتوبر هي آخر الحروب في المنطقة”، وانتهت بتوقيعه معاهدة سلام منفردة مع “إسرائيل” عام 1979، قبل حصول الشعب الفلسطيني على دولة مستقلة، بل وقبل اكتمال الانسحاب من سيناء المحتلة.

خروج مصر وصعود قوى المقاومة

كانت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 بالفعل آخر حرب خاضتها الجيوش العربية في مواجهة الكيان الصهيوني، لكن الصراع المسلح معه ظل قائماً، وراح يزداد اشتعالاً بمرور الوقت.

كل ما تغير منذ ذلك الحين أن الرغبة والحرص على إدارته انتقلا من أيدي الجيوش والدول والأنظمة العربية الرسمية إلى أيدي فاعلين من غير الدول: منظمة التحرير، ثم “حماس” والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن… إلخ.

ولأن خروج مصر من ساحة المواجهة تزامن زمنياً مع ثورة إسلامية نقلت إيران من الدوران في فلك السياسات الصهيونية – الأميركية إلى موقع الدولة المؤهلة طبيعياً لقيادة القوى المناهضة لسياسات التبعية، فقد كان من الطبيعي أن تكون لهذا التحول انعكاسات هائلة على خريطة القوى وموازينها في المنطقة.

كان منطق الرشادة، آنذاك، يقضي بأن تجد الدول التي تدّعي أن القضية الفلسطينية هي القضية القومية الأولى، وترى في الكيان الصهيوني مصدر التهديد الرئيسي، أن إيران الثورة أصبحت عمقاً استراتيجياً لها في مواجهة تهديد مشترك.

غير أن ما حدث كان عكس هذا المنطق تماماً. فالرئيس العراقي صدام حسين، الذي كان يسعى لقيادة “جبهة الصمود والتصدي” عقب إبرام السادات معاهدة سلام منفردة مع الكيان، بدأ يروّج مقولة مفادها أن الخطر الناجم عن “تصدير الثورة” الإيرانية بات يشكل مصدر التهديد الرئيسي للعالم العربي كله.

بل لم يتردد في شن حرب على إيران استمرت 8 سنوات، انساقت إليها دول الخليج العربية التي راحت تدعمه بالمال والسلاح.

وما إن انتهت الحرب حتى راحت هذه الدول تتهيأ للالتحاق بمسار “كامب ديفيد”.

والأخطر أن الرئيس صدام أقدم، في هذه اللحظة تحديداً، على احتلال الكويت وضمها بالقوة إلى العراق، فاتحاً بذلك طريقاً ليس نحو تغلغل الولايات المتحدة في أحشاء المنطقة فحسب، وإنما أيضاً نحو كسر الحاجز النفسي الذي يعترض تطبيع العلاقات مع الكيان.

وهو ما يفسر موافقة جميع الدول العربية، بعد “حرب تحرير الكويت”، على المشاركة في “مؤتمر مدريد”، الذي فتح الطريق نحو إبرام اتفاقية “أوسلو” مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، وتبعتها اتفاقية “وادي عربة” مع الأردن عام 1994.

ثم انفتح الباب واسعاً أمام “الاتفاقيات الإبراهيمية”، التي راحت دول عربية أخرى تنخرط فيها تباعاً، ما أوحى بأن العالم العربي بدأ يتخلى فعلياً عن القضية الفلسطينية. وكان هذا هو السياق الإقليمي الذي هيّأ لانطلاق “طوفان الأقصى”.

من “طوفان الأقصى” إلى الحرب على إيران

كان نتنياهو يتصور أن في مقدوره تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” بوسائل سلمية، عبر تصفية القضية الفلسطينية والتطبيع مع الدول العربية في الوقت نفسه. لكن شعوره بالمهانة الشخصية بعد “الطوفان” دفعه إلى الإصرار على إقامة هذا المشروع بقوة السلاح وفي أسرع وقت ممكن.

ولأنه أدرك يقيناً استحالة تحقيق ذلك من دون إسقاط النظام الإيراني، من ناحية، وانخراط مباشر للولايات المتحدة في عمليات عسكرية ضد إيران، من ناحية أخرى، قرر الاعتماد على قدرات الكيان الذاتية في تصفية “وكلاء إيران في المنطقة” أولاً.

واكتفى، في هذه المرحلة، بالدعم المالي والتسليحي الأميركي، واثقاً بأن النجاح فيها سيكون كافياً لإغراء ترامب بالانخراط العسكري المباشر في المرحلة التالية.

وهذا هو ما حدث بالفعل، ويفسر مشاركة الولايات المتحدة في حرب عام 2025، التي استهدفت تدمير برنامجي إيران النووي والصاروخي، ثم في حرب عام 2026، التي استهدفت إسقاط النظام الإيراني.

غير أن الرياح لم تجرِ بما تشتهي سفن نتنياهو أو ترامب. فلم يسقط النظام، ولم تُدمّر برامجه النووية والصاروخية، وما يزال قادراً على إدارة حرب استنزاف طويلة الأمد في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني معاً.

وفي أتون هذه الحرب، بدأت موازين القوى في المنطقة تتغير بالكامل، ووجد العالم العربي نفسه محشوراً بين أطرافها المتصارعة، حتى لو كانوا حلفاء، وبدأ يتلقى الضربات من كل اتجاه.

وبالتالي، أصبح عاجزاً ليس عن حماية القضية الفلسطينية وإنقاذها من الضياع فحسب، وإنما عن حماية نفسه والمحافظة على ثرواته ومقدراته.

استثمارات ضخمة بلا حماية أو شراكة

على الرغم من استثمارات خليجية ضخمة في الولايات المتحدة، تبلغ 141 مليار دولار من الاستثمارات المباشرة، و1.2 تريليون دولار من الأوراق المالية، وتعهدات استثمارية تقترب من 5 تريليونات دولار، لم يكلف ترامب نفسه عناء المبادرة إلى التشاور المسبق مع دول الخليج العربية، قبل اتخاذ قرار التحالف مع الكيان الصهيوني لشن الحرب على إيران.

وذلك على الرغم من إدراكه يقيناً أنه يعرّض مقدرات دول الخليج العربية جميعها لخطر ماحق، ويضعها في مهب الريح، وعلى الرغم من تحذير إيراني واضح بأنها تخوض حرباً وجودية تبرر استهدافها جميع القواعد العسكرية والمصالح الأميركية في مختلف أنحاء المنطقة.

لذا، يبدو العالم العربي بأكمله في حالة ضياع وشلل تام. فلا هو قادر على حماية “قضيته القومية” بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على 28% فقط من مساحة الوطن الأم، لا عبر سلطة مستسلمة ولا عبر فصائل مقاومة.

وهو عاجز حتى عن تحريك “خطة ترامب” لإعمار غزة عبر “مجلس سلام” تحول إلى “خيال مآتة”، على الرغم من أن ترامب هو من يقوده بنفسه. بل إنه عاجز حتى عن حماية ثروة نفطية تشكل، على الرغم من كل مظاهر السفه والجنون، مصدر دخل رئيسياً لملايين المواطنين العرب المقيمين فيها. أليست تلك مأساة كبرى؟

القضايا نفسها بعد 74 عاماً

لا تستطيع دول عربية تتفاخر بتحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة أن تدّعي أنها قادرة، في الوقت نفسه، على تقديم أي دعم حقيقي للقضية الفلسطينية، أو الدفاع عن أي قدر، ولو ضئيل، من حقوق الشعب الفلسطيني؛ فالهدفان لا يلتقيان أبداً.

فعبد الناصر لم يكن معادياً للولايات المتحدة حين قام بثورة تموز/يوليو منذ 74 عاماً، لكنه اكتشف، بمرور الوقت، أنه لن يستطيع أبداً بناء دولة مستقلة إذا استمر في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية أو رفض الدوران في الفلك الصهيوني – الأميركي.

وهذا هو المأزق الذي انحشرت فيه معظم الدول العربية، وترفض إيران أن تنزلق إليه، وقررت أن تواجهه وتتحداه.

أليس غريباً أن تظل القضايا التي ناضل عبد الناصر من أجلها، وهي الاستقلال الوطني، والوحدة العربية، وتحرير فلسطين، القضايا نفسها التي عجزت جميع الدول العربية عن تحقيقها، على الرغم من أنه رحل عن عالمنا منذ 56 عاماً.

حسن نافعة-الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24