
مقالات
الجنوب بعد العدوان: حرب على الحدود والملكيات
عندما تذهب «سكرة» الحرب والاحتلال الإسرائيلي للجنوب، سيدرك الجميع أن ما دمّرته الحرب لم يكن منازل وطرقات فحسب، بل أسس الملكية والحقوق وحدود الأرزاق. وربما يكتشفون أن إعادة بناء الحجر أسهل بكثير من إعادة رسم الخرائط، وأن ترميم البيوت قد يستغرق سنوات، فيما قد يحتاج ترميم الحقوق إلى جيل كامل.
وتنبع أزمة تحديد الملكيات وتحريرها أساساً من طبيعة التدمير الهمجي المُمنهج الذي ينفّذه العدو الإسرائيلي في الجنوب.
فعمليات التجريف، وحفر الخنادق، وتغيير تضاريس الأرض، وإزالة الجدران الحجرية والسناسل والطرق الزراعية، وصولاً إلى اقتلاع الأشجار المُعمّرة التي كانت تُستخدم كحدود عرفية فاصلة بين الأملاك، أدّت إلى محو المعالم الطبيعية التي كانت تحدّد حدود العقارات والبلدات. ولم يعد من السهل، في كثير من المناطق، التمييز بين أرض وأخرى، بل أحياناً بين بلدة وأخرى.
وزادت موجات النزوح القسري المشهد تعقيداً. فقد غادر كثير من الجنوبيين منازلهم على عجل، من دون أن يتمكّنوا من حمل مستندات الملكية أو الأوراق الثبوتية. كما اضطر المخاتير وموظفو البلديات، الذين يشكّلون مرجعاً أساسياً في توثيق القيود والملكيات، إلى مغادرة بلداتهم، تاركين خلفهم ملفات ووثائق بات كثير منها مُهدّداً بالضياع أو التلف. ويضاف إلى ذلك ما أصاب الدوائر الرسمية والسجلّات العقارية من أضرار نتيجة العدوان.
وتشير رئيسة «الهيئة اللبنانية للعقارات»، المحامية أنديرا الزهيري، إلى وجود مساحات واسعة من الأراضي غير الممسوحة في الجنوب، ولا سيما في قضاءَي مرجعيون وبنت جبيل.
وتوضح أن التدمير المُمنهج في هذه المناطق يهدّد حقوق الملكية لعدد كبير من أبناء قرى الشريط الحدودي، إذ إن «صاحب الأرض غير الممسوحة يحصل على «علم وخبر» يتضمن إقراراً بملكيته، مع وصف لمساحة العقار وحدوده من الجهات الأربع، بما يمنع الغير من وضع اليد عليه.
إلا أن هذا المُستند لا يتضمّن رقماً عقارياً ولا «السند الأخضر» الذي يثبت الملكية في السجلّ العقاري، لذلك تصبح عملية إثبات الملكية شديدة الصعوبة عندما تختفي الحدود والمعالم».
من جهة ثانية، «يتيح العلم والخبر إثبات ملكية العقار، لكنه لا يرسم حدوداً دقيقة للعقار، بل يكتفي بوصفها بصورة تقريبية. ومع محو المعالم لم يعد هناك ما يدلّ على العقار، ما جعل أعمال المسح أكثر تعقيداً»، بحسب مختار بنت جبيل محمد عسيلي، مشيراً إلى «أزمة حقيقية في قضاء بنت جبيل، تحديداً في قرى مارون الرأس وعيترون ويارون وعيتا الشعب، حيث الأراضي غير ممسوحة.
أمّا في القرى الممسوحة، فإن إعادة تحديد الحدود تبقى أسهل نسبياً، حتى لو أُتلفت البيانات وتضررت السجلّات العقارية، لأن نسخها محفوظة لدى دوائر المساحة في المديرية العامة للشؤون العقارية التابعة لوزارة المالية».
كلّ تأخير في معالجة هذا الملف يعني عملياً تأخير عودة آلاف العائلات وإطالة أمد النزوح























