
مقالات
عندما لا تنتهي الحرب في النفوس
ظاهرياً، انتهت الحرب بالنسبة إلى اللبنانيين مع إعلان وقف إطلاق النار. لكنها لم تتوقف لدى كثيرين. فلا تزال أصوات الطائرات تثير الذعر، وأي انفجار، ولو كان بعيداً، يعيد أجسادهم إلى حال التأهب، فيما تحولت متابعة الأخبار إلى عادة يومية تحكم تفاصيل حياتهم، خوفاً من اندلاع جولة جديدة.
الحرب التي دمّرت المنازل والأرزاق، خلّفت أيضاً إصابات نفسية لا تظهر في الصور. أطفال يخافون من النوم وحدهم، وآباء يكبتون حزنهم خلف مسؤولياتهم، وشبان يعيشون وكأن القصف قد يتجدد في أي لحظة. وتقول الطبيبة النفسية زينب قاسم إن آثار الحروب لا تنتهي مع توقف إطلاق النار، بل قد تبدأ بالظهور بعده، موضحة أن الاضطرابات النفسية قد تستمر سنوات إذا لم تُعالج في وقت مبكر، فيما يؤدي تجاهلها إلى ترسخها وتحولها إلى جزء من الحياة اليومية.
أحمد، ابن السبع سنوات، واحد من هؤلاء. فمنذ نزوحه مع عائلته إلى منطقة اعتُبرت أكثر أماناً، لم يعد صوت الطائرات بالنسبة إليه مجرد ضجيج في السماء، بل إنذاراً باقتراب الموت. وما إن يسمعه حتى يترك ما بيده، ويتجه إلى سريره، وكأنه يختبئ من قصف لم يبدأ بعد. حتى بعد الهدنة، لم يتغير سلوكه كثيراً؛ رفض مراراً العودة إلى قريته، وأصبح يسأل باستمرار عن الأخبار، ويتابع نشرات التلفزيون بقلق يفوق عمره.
وتوضح قاسم أن الأطفال قد لا يستوعبون تفاصيل الحرب، لكنهم يلتقطون مشاعر الخوف التي يعيشها الكبار. لذلك تظهر عليهم أعراض مثل الانعزال، أو التعلق المفرط بالأهل، أو فرط الحركة، أو اضطرابات النوم، أو حتى استباق الخطر، كما يحدث مع أحمد، الذي ربط في ذهنه بين صوت الطائرة وسقوط القذائف. وتشير إلى أن التدخل المبكر يساعد الأطفال على تجاوز هذه المرحلة، لأن ذاكرتهم النفسية أكثر قابلية للتعافي إذا أحاطهم الأهل بالأمان والدعم.
وليس أحمد حالاً استثنائية. فجولي، ذات السنوات الأربع، لم تكن تفهم معنى الحرب، لكنها فهمت أنها فقدت الشعور بالأمان. تنقلت مع عائلتها بين أماكن النزوح، ونامت على وقع الانفجارات، قبل أن تبدأ معاناتها مع التبول اللاإرادي ورفض النوم بمفردها. ولم تعد تمر لحظة تسمع فيها صوتاً من دون أن تسأل والدتها: «شو صار؟». بالنسبة إلى قاسم، لا تعكس هذه السلوكيات مشكلة تربوية بقدر ما تعبّر عن خوف لم يجد الطفل الكلمات المناسبة للتعبير عنه، ما يجعل دور الأهل أساسياً في هذه المرحلة، عبر الاحتضان، والحديث الهادئ، وتشجيع الطفل على التعبير بالرسم أو اللعب أو الغناء، بدلاً من تركه وحيداً مع مخاوفه.
الاضطرابات النفسية قد تستمر سنوات إذا لم تُعالج في وقت مبكر























