عندما لا تنتهي الحرب في النفوس
مقالات

عندما لا تنتهي الحرب في النفوس

23/07/202609:53:56

ظاهرياً، انتهت الحرب بالنسبة إلى اللبنانيين مع إعلان وقف إطلاق النار. لكنها لم تتوقف لدى كثيرين. فلا تزال أصوات الطائرات تثير الذعر، وأي انفجار، ولو كان بعيداً، يعيد أجسادهم إلى حال التأهب، فيما تحولت متابعة الأخبار إلى عادة يومية تحكم تفاصيل حياتهم، خوفاً من اندلاع جولة جديدة.

الحرب التي دمّرت المنازل والأرزاق، خلّفت أيضاً إصابات نفسية لا تظهر في الصور. أطفال يخافون من النوم وحدهم، وآباء يكبتون حزنهم خلف مسؤولياتهم، وشبان يعيشون وكأن القصف قد يتجدد في أي لحظة. وتقول الطبيبة النفسية زينب قاسم إن آثار الحروب لا تنتهي مع توقف إطلاق النار، بل قد تبدأ بالظهور بعده، موضحة أن الاضطرابات النفسية قد تستمر سنوات إذا لم تُعالج في وقت مبكر، فيما يؤدي تجاهلها إلى ترسخها وتحولها إلى جزء من الحياة اليومية.

أحمد، ابن السبع سنوات، واحد من هؤلاء. فمنذ نزوحه مع عائلته إلى منطقة اعتُبرت أكثر أماناً، لم يعد صوت الطائرات بالنسبة إليه مجرد ضجيج في السماء، بل إنذاراً باقتراب الموت. وما إن يسمعه حتى يترك ما بيده، ويتجه إلى سريره، وكأنه يختبئ من قصف لم يبدأ بعد. حتى بعد الهدنة، لم يتغير سلوكه كثيراً؛ رفض مراراً العودة إلى قريته، وأصبح يسأل باستمرار عن الأخبار، ويتابع نشرات التلفزيون بقلق يفوق عمره.

وتوضح قاسم أن الأطفال قد لا يستوعبون تفاصيل الحرب، لكنهم يلتقطون مشاعر الخوف التي يعيشها الكبار. لذلك تظهر عليهم أعراض مثل الانعزال، أو التعلق المفرط بالأهل، أو فرط الحركة، أو اضطرابات النوم، أو حتى استباق الخطر، كما يحدث مع أحمد، الذي ربط في ذهنه بين صوت الطائرة وسقوط القذائف. وتشير إلى أن التدخل المبكر يساعد الأطفال على تجاوز هذه المرحلة، لأن ذاكرتهم النفسية أكثر قابلية للتعافي إذا أحاطهم الأهل بالأمان والدعم.

وليس أحمد حالاً استثنائية. فجولي، ذات السنوات الأربع، لم تكن تفهم معنى الحرب، لكنها فهمت أنها فقدت الشعور بالأمان. تنقلت مع عائلتها بين أماكن النزوح، ونامت على وقع الانفجارات، قبل أن تبدأ معاناتها مع التبول اللاإرادي ورفض النوم بمفردها. ولم تعد تمر لحظة تسمع فيها صوتاً من دون أن تسأل والدتها: «شو صار؟». بالنسبة إلى قاسم، لا تعكس هذه السلوكيات مشكلة تربوية بقدر ما تعبّر عن خوف لم يجد الطفل الكلمات المناسبة للتعبير عنه، ما يجعل دور الأهل أساسياً في هذه المرحلة، عبر الاحتضان، والحديث الهادئ، وتشجيع الطفل على التعبير بالرسم أو اللعب أو الغناء، بدلاً من تركه وحيداً مع مخاوفه.

الاضطرابات النفسية قد تستمر سنوات إذا لم تُعالج في وقت مبكر

غير أن الحرب لا تترك آثارها على الأطفال وحدهم. فجواد، وهو أب لخمسة أولاد، فقد منزله ووالده خلال العدوان، لكنه لم يمنح نفسه فرصة للحزن. انشغل بتأمين المأوى ومتطلبات أسرته، ودفن ألمه خلف صورة الأب القوي. إلا أن زوجته بدأت تلاحظ ما يحاول إخفاءه؛ أصبح سريع الغضب، قليل الكلام، بعيداً عن أولاده، وكثير التوتر. يعترف بأنه يحتاج إلى علاج نفسي، لكنه يؤجل ذلك لأن أي مبلغ إضافي يحصل عليه يفضّل إنفاقه على عائلته. وتلفت قاسم إلى أن كثيراً من الرجال يتعاملون مع الصدمة بهذه الطريقة، إذ تدفعهم مسؤولية إعالة الأسرة إلى تأجيل الاهتمام بصحتهم النفسية، رغم أن استمرار هذه الأعراض لأشهر بعد الحرب قد يؤدي إلى اضطرابات تنعكس على حياتهم الأسرية والاجتماعية.

أما محمد، فلا يزال يعيش داخل لحظة واحدة لم تنتهِ. كان في متجر الألعاب الذي يملكه مع والده وشقيقه عندما سقطت القذائف بالقرب منهم. خرج أفراد عائلته هرباً، فيما بقي هو داخل المتجر. لا يلومهم، لكنه لم يستطع الخروج من تلك اللحظة. فأي صوت مرتفع يعيده إليها، فيرتبك، ويتسارع نبضه، ويشعر وكأن القصف بدأ من جديد. وبعدما ازدادت حاله سوءاً، اضطر إلى مراجعة طبيب نفسي وصف له علاجاً مهدئاً. وتوضح قاسم أن استمرار الجهاز العصبي في حال استنفار بعد انتهاء الحرب يعد من أبرز مؤشرات اضطراب ما بعد الصدمة، وهو يحتاج إلى علاج يساعد المصاب على استعادة إحساسه بالأمان.

ولا تقف آثار الحرب عند من عاشوها مباشرة، بل قد تنتقل بين الأجيال. هذا ما اكتشفه علي، الذي كان يسخر من والدته لأنها اعتادت، منذ حرب تموز، تخزين المؤونة واستئجار منزل في منطقة أكثر أماناً تحسباً لأي مواجهة جديدة. بعد العدوان الأخير، وجد نفسه يفعل الشيء ذاته؛ يتابع الأخبار بلا انقطاع، يؤجل قراراته، ويشتري حاجات إضافية خوفاً من الأسوأ.

وتوضح قاسم أن الخوف ينتقل داخل الأسرة كما تنتقل العادات اليومية، إذ يتعلم الأطفال، من دون وعي، كيف يتعامل آباؤهم مع الخطر، فيكبرون وهم يحملون القلق نفسه حتى وإن لم يعيشوا التجربة ذاتها.

لهذا، لا تنتهي الحروب دائماً مع توقف القصف. فقد تنتهي المعارك على الأرض، لكنها تستمر في ذاكرة طفل وقلق أم، وغضب أب، وفي حقيبة تبقى جاهزة تحسباً للنزوح من جديد. وبينما يحاول اللبنانيون استعادة روتين حياتهم، يبقى التحدي الأكبر إعادة بناء الشعور بالأمان داخل الإنسان، وهو بناء يحتاج إلى وقت ودعم نفسي لا يقل أهمية عن إعادة إعمار الحجر.

يارا عبود-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24