
مقالات المناطق التجريبية: غطاء لإدارة الاحتلال ومحاصرة خيارات المقاومة
22/07/202606:30:41
لم تنجح الحملة السياسية والإعلامية التي تقودها السلطة اللبنانية في حجب حقيقة التفاهمات الأخيرة. فما يُسوَّق للرأي العام على أنه مسار لإنهاء الاحتلال، لا يبدو، عند تفكيك بنوده وآلياته وشروطه، سوى غطاء سياسي لإدارة الاحتلال “الإسرائيلي”، ومحاصرة خيارات حزب الله عبر «المناطق التجريبية»، ودفع العلاقة بين الدولة والمقاومة نحو لحظة صدام.
ولا يقتصر الهدف على انتزاع إجراءات أمنية محدودة من لبنان، بل يتعداه إلى إعادة صياغة العلاقة السببية بين الاحتلال والمقاومة. فبدل أن يكون الاحتلال هو السبب الذي أوجد المقاومة وكرّس استمرارها، يراد تحويل المقاومة إلى سبب لبقاء الاحتلال، وتحميلها مسؤولية تأخّر الانسحاب “الإسرائيلي”، بذريعة أنها لم تستكمل ما يُطلب منها من إجراءات أو لم تستجب لشروط السلطة.
وبهذه الهندسة السياسية، تُنقل كرة النار من حضن الاحتلال إلى الداخل اللبناني، بتوقيع رسمي لبناني. فلا تعود “اسرائيل” القوّة المحتلة المُطالَبة بالانسحاب، بل تتحوّل إلى جهة تنتظر استيفاء شروطها الأمنية قبل الإقدام على أي خطوة، ويصبح الخلاف داخلياً حول من يعطّل الانسحاب ويتحمّل مسؤولية بقاء الاحتلال.
لماذا غابت كلمة الانسحاب؟
لا يتضمّن الإطار الثلاثي التزاماً صريحاً بانسحاب “اسرائيل” من الأراضي اللبنانية المحتلة، بل يكتفي بالحديث عن «إعادة الانتشار». والفارق في المصطلحات يعكس اختلافاً جوهرياً في الالتزام والمرجعية القانونية والسياسية التي يقوم عليها الاتفاق.
فالحديث عن الانسحاب ينطلق من الإقرار بوجود احتلال، ويترتّب عليه التزام قانوني بإنهاء هذا الاحتلال باعتباره وضعاً غير مشروع، من دون ربط استعادة السيادة اللبنانية بأي شروط أمنية أو سياسية. أمّا إعادة الانتشار فتعني عسكرياً تعديل مواقع القوات وتوزيعها وفق مقتضيات ميدانية، من دون أن يستلزم إنهاء وجودها أو التخلّي عن حرية حركتها وحقّها في التدخل. ولا يغيّر من ذلك الحديث عن إعادة انتشار القوات “الإسرائيلية” خارج الأراضي اللبنانية، ما دام توقيت هذه الخطوة خاضعاً للتقدير الأمني “الإسرائيلي”.
لذلك، لم يكن استبعاد مصطلح «الانسحاب» تفصيلاً عابراً، بل كان جزءاً من إعادة تعريف المشكلة. فبدل أن تكون المشكلة احتلالاً يجب إنهاؤه، تصبح وجوداً عسكرياً مرتبطاً بظروف أمنية ينبغي تحسينها قبل تعديل شكله أو نطاقه.
من هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي و”الإسرائيلي” على اعتماد «المعيار الأمني» بديلاً من معيار السيادة والحدود. ففي منطق السيادة، يكون السؤال البديهي: متى ينسحب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية؟ أمّا في منطق الأمن، فيتحوّل السؤال إلى: متى ترى “اسرائيل” والولايات المتحدة أن الظروف الأمنية باتت تسمح بتغيير مواقع انتشار القوات “الإسرائيلية”؟ وهذا تحوّل خطير. فالسؤال الأول ينطلق من حق لبناني ثابت، بينما ينطلق الثاني من حاجة أمنية “إسرائيلية” متغيّرة. الأول يجعل الانسحاب التزاماً على الاحتلال، أمّا الثاني فيجعله مكافأة مشروطة بحسن سلوك الجانب اللبناني وبمدى تجاوبه مع المطالب الأمنية.
هكذا تنتقل السيادة من مرتبة الحق الثابت إلى مرتبة النتيجة المشروطة بالتقييم “الإسرائيلي”. ولا يعود خروج الاحتلال واجباً مستقلاً، بل يصبح مرتبطاً بإجراءات تنفّذها الدولة اللبنانية، واختبارات متتالية وشهادات حسن سلوك تمنحها واشنطن و”تل أبيب”.
والأخطر أن قبول السلطة إسقاط كلمة «الانسحاب» لم يكن مجرد تنازل لغوي، بل موافقة ضمنية على إسقاط المرجعية التي تضع “اسرائيل” في موقع القوّة المحتلة التي يجب أن تخرج. لذلك، لم يكن التنازل عن كلمة فحسب، بل عن المنطق الذي يحكم العملية كلها.
المناطق التجريبية: مرحلة أم سقف؟
عندما يُخفَّض سقف البحث من الانسحاب إلى إعادة الانتشار، يصبح النقاش محصوراً بما يُسمى «المناطق التجريبية». غير أن هذه المناطق لا تقع بالضرورة ضمن النقاط المحتلة التي يتمسّك بها جيش العدو، بل قد تكون مناطق دخلتها قواته مؤقّتاً، أو لا تمثّل جوهر الاحتلال والنزاع الفعلي.
وهنا تكمن المفارقة: يصبح «إنجاز» السلطة أن الولايات المتحدة أقنعت جيش الاحتلال بالخروج من مناطق غير محتلة بالمعنى السياسي الفعلي، في ما يبقى الاحتلال قائماً في النقاط التي يتمسّك بها.
قبول السلطة إسقاط كلمة «الانسحاب» موافقة ضمنية على إسقاط المرجعية التي تضع “اسرائيل” في موقع القوّة المحتلة
وبذلك لا تعود المناطق التجريبية مرحلة تقود حتماً إلى انسحاب كامل، بل تتحوّل إلى سقف للمسار. فهي تمنح السلطة صورة إنجاز للتسويق، وتمنح واشنطن أداة لإثبات فاعلية ضغوطها، وتمنح “اسرائيل” فرصة لإعادة تنظيم وجودها من دون الالتزام بإنهائه.
ولو كان الهدف الحقيقي اختبار قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها تمهيداً لإلزام “إسرائيل” بالانسحاب، لكان المنطقي أن تبدأ التجربة من مناطق محتلة فعلاً. عندها، كان حزب الله سيؤيّد هذا الاتجاه، ويوفّر كلّ السبل لنجاح الدولة في بسط سلطتها، لأن نجاح التجربة سيدفع “إسرائيل”، منطقياً وسياسياً، إلى الانتقال نحو انسحاب إضافي. لكنّ اختيار مناطق غير محتلة أو هامشية يكشف أن الهدف ليس اختبار الانسحاب، بل قدرة السلطة على الضغط على المقاومة، ونقل مسؤولية التعطيل إليها.
سابقة 1985: إعادة تنظيم الاحتلال لا إنهاؤه
تقدّم تجربة عام 1985 دليلاً عملياً على معنى «إعادة الانتشار». ففي كانون الثاني من ذلك العام أعلنت “اسرائيل” إعادة انتشار جيشها على مراحل إلى الحدود الدولية، وانسحبت من بعض المناطق، تحت ضغط المقاومة. لكنها لم تنه الاحتلال، بل احتفظت بأجزاء من الجنوب، وأقامت نطاقاً أمنياً خاضعاً لسيطرتها المباشرة وغير المباشرة، واستمر هذا الواقع خمسة عشر عاماً.
وتكشف السابقة أن إعادة الانتشار وسيلة لإعادة تنظيم الاحتلال، وخفض كلفته، وحماية قواته، وتحويله من احتلال واسع ومباشر إلى وجود أكثر مرونة وأقل تعرّضاً للضغط. ولم يكن الاندحار “الإسرائيلي” اللاحق عام 2000 ثمرة منطق إعادة الانتشار، بل نتيجة الاستنزاف الذي فرضته المقاومة.
لذلك فإن استعادة المصطلح اليوم لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها صدفة. فالمشكلة ليست في احتمال تكرار النموذج حرفياً، بل في استعادة منطقه: الانسحاب من مناطق، والتمسّك بأخرى، وإخضاع كلّ خطوة لمعيار أمني “إسرائيلي”، وتحويل الوجود العسكري من احتلال يجب إنهاؤه إلى ورقة ضغط خاضعة للإدارة.
من إدارة الاحتلال إلى اختبار السلطة
بهذا المعنى، لا يعود الإطار المطروح إطاراً لإنهاء الاحتلال، بل لإدارته وتنظيمه. تحتفظ “اسرائيل” بحرية المبادرة وتحديد المخاطر، في ما تُلزم الدولة اللبنانية بإجراءات أمنية وسياسية داخلية، وتبقى الخطوات “الإسرائيلية” موضع مراجعة وتقييم.
ولا تختبر «المناطق التجريبية» النيات “الإسرائيلية” بقدر ما تختبر إرادة السلطة اللبنانية وقدرتها على التقدّم في مسار نزع سلاح المقاومة. فالاختبار الفعلي ليس: هل تنسحب “إسرائيل”؟ بل: إلى أي مدى تستطيع السلطة تنفيذ ما تطالب به واشنطن و”تل أبيب” داخل لبنان؟
إذا بادرت السلطة إلى الضغط لنزع السلاح، يصبح حزب الله أمام خيارين مُكلِفين: إمّا المواجهة دفاعاً عن سلاحه، بما يفتح خطر الصدام الداخلي، وإمّا التسليم بمسار ينتزع من لبنان عنصر القوّة المتوفّر لديه، وأيضاً من دون ضمان الانسحاب الكامل.
وفي الحالتين تكون “اسرائيل” هي المستفيد. فإذا وقع الصدام، تُستنزف الدولة والمقاومة والمجتمع بعيداً عن مواجهة الاحتلال. وإذا جرى التسليم، تحصل “اسرائيل” على مطلب إستراتيجي من دون أن تقدّم التزاماً صريحاً بالخروج.
المسألة ليست خلافاً على مصطلح، ولا نقاشاً تقنياً حول مراحل انتشار عسكري، بل صراع على تعريف الواقع وتوزيع المسؤوليات. حين تقبل السلطة باستبدال الانسحاب بإعادة الانتشار، فإنها تقبل بأن يكون الاحتلال خاضعاً للإدارة لا واجب الإنهاء. وحين تخضع السيادة للمعيار الأمني “الإسرائيلي”، فإنها تجعل الحق اللبناني نتيجة مشروطة لا أصلاً ثابتاً.
أمّا الوظيفة الاستراتيجية للمسار، فهي نقل المواجهة من لبنان في مواجهة الاحتلال إلى لبنان في مواجهة نفسه: سلطة تضغط، ومقاومة تُحاصر، واحتلال يراقب من الخارج وينتظر النتائج. فإذا وقع الصدام ربحت “اسرائيل” بإشغال خصومها بأنفسهم، وإذا جرى التسليم ربحت بنزع عنصر القوّة الذي يجعل لبنان مكشوفاً على مخاطر وجودية واستراتيجية في منطقة تتميّز بسيولة المتغيّرات.
هكذا تتحوّل “اسرائيل” من قوة محتلة إلى طرف يدّعي الدفاع عن أمنه، وتتحوّل المقاومة من ردّ على الاحتلال إلى ذريعة لاستمراره، وتتحوّل السلطة من جهة مُطالَبة بتحرير الأرض إلى أداة لإدارة شروط الاحتلال. والنتيجة ليست استعادة السيادة، بل إعادة تعريفها وفق السقف الذي تسمح به واشنطن وتقبله “إسرائيل”.
علي حيدر – صحيفة الأخبار
جاري تحميل الخبر التالي...