
مقالات المعركة على لبنان نفسه: ما وراء «اتفاق الإطار»
15/07/202609:28:25
ليس أخطر ما في «اتفاق الإطار» أنه يفرض التزامات أمنية على لبنان، ولا أنه يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة مع “إسرائيل”، بل أنه يحمل في طياته مشروعاً لإعادة تعريف لبنان نفسه: من هو العدو، وما وظيفة الدولة، ومن يملك حق القوة، وما موقع الجنوب، وما مصير المقاومة، وأي اقتصاد يُراد بناؤه بعد الحرب والانهيار.
بهذا المعنى،يجب عدم قراءة الاتفاق بوصفه نصاً منفصلاً عن المجتمع. فالوثائق الكبرى لا تعمل في الفراغ، ولا تبقى حبراً على ورق. إنها تعيد ترتيب المؤسسات، وتعيد توزيع القوة، وتنتج لغة جديدة للشرعية، وتخلق فئات رابحة وأخرى خاسرة. وما يبدو في ظاهره «تسوية أمنية» قد يتحوّل، مع الوقت، إلى برنامج كامل لإعادة هندسة الدولة والمجتمع والاقتصاد والوعي.
المسألة، إذاً، ليست فقط: ماذا وقّعت السلطة؟ بل: أي لبنان تريد أن تنتجه من خلال هذا التوقيع؟
لقد انهار النموذج الاقتصادي الذي حكم لبنان طوال عقود. النموذج المصرفي والريعي الذي عاش على تدفق الرساميل، والعقارات، والخدمات، والتحويلات، والدين العام، لم يعد قادراً على إعادة إنتاج نفسه بالشكل القديم. المصارف فقدت شرعيتها، والدولة أفلست، والطبقات الوسطى تآكلت، والهجرة اتسعت، فيما بقيت النخبة التي أدارت الانهيار تبحث عن صيغة جديدة تحمي بها امتيازاتها.
في مثل هذه اللحظات، لا تكون التسويات الخارجية منفصلة عن إعادة البناء الداخلي. فحين يفشل النظام في إنتاج الثروة، يلجأ إلى إنتاج وظيفة جديدة للبلد. وحين تسقط شرعية النموذج القديم، تبدأ عملية البحث عن نموذج آخر يضمن استمرار الفئات نفسها، ولو تحت شعارات مختلفة. هنا يصبح «السلام»، و«الاستقرار»، و«إعادة الإعمار»، و«الاندماج الإقليمي»، مفردات اقتصادية بقدر ما هي سياسية.
ليس المطلوب، وفق هذا المنطق، مجرد وقف الحرب. المطلوب إعادة إدماج لبنان في منظومة إقليمية جديدة، يصبح فيها رأس المال الخارجي والمساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار أدوات لإعادة تشكيل البلد. ولا يمكن لهذا الإدماج أن يتم من دون إعادة تعريف مصادر الخطر داخلياً. فالرأسمال لا يدخل فقط إلى أرض مستقرة عسكرياً، بل إلى مجتمع منزوع القدرة على الاعتراض، وإلى دولة تضع وظيفتها الأمنية في خدمة حماية الترتيب الاقتصادي الجديد.
هنا يصبح استهداف المقاومة أكبر من مسألة السلاح. فالمقاومة ليست مجموعة عسكرية معلقة خارج المجتمع، بل هي نتاج تاريخ اجتماعي طويل: مناطق مهمشة، قرى عاشت الاحتلال، فئات حُرمت من الدولة، شبكات تضامن، ذاكرة من الدم والتهجير، ثقافة سياسية تشكّلت خارج السردية الرسمية للنظام اللبناني.
من هنا، فإن تفكيك المقاومة لا يقتصر على جمع السلاح. إنه يحتاج إلى تفكيك البيئة التي أنتجتها، وإعادة تعريف تاريخها، وتشويه رموزها، وتجريم لغتها، وإعادة كتابة علاقتها بالدولة، وتحويل وجودها من تعبير عن مواجهة الاحتلال إلى «مشكلة داخلية» تحتاج إلى معالجة أمنية وإدارية.
هذه هي النقلة الأساسية: من مقاومة بوصفها نتيجة للاحتلال والعدوان، إلى مقاومة بوصفها سبباً للأزمة. ومن بيئة اجتماعية قاومت لأن الدولة غابت، إلى بيئة تُتهم بأنها تمنع الدولة من الحضور. ومن مجتمع دفع أثمان التحرير والدفاع، إلى مجتمع يُطلب منه أن يثبت ولاءه للدولة بالتخلي عن أدوات القوة قبل أن تتغير شروط الخطر.
هذه العملية ليست لغوية فقط. حين تتغير اللغة، تتغير المؤسسات. فإذا صارت المقاومة «تمرداً»، صار الجيش أداة لضبطها. وإذا صار الجنوب «عبئاً أمنياً»، صار تهجير أهله قابلاً للإدارة. وإذا أصبح الاستقرار مرهوناً بنزع السلاح، صارت المساعدات وسيلة ابتزاز. وإذا صار الاندماج الاقتصادي أولوية، تحولت كل مقاومة اجتماعية أو سياسية إلى عائق أمام الاستثمار.
عند هذه النقطة، تصبح الدولة شيئاً آخر. لا تعود جهازاً لحماية المجتمع من الخارج، بل تتحول تدريجياً إلى جهاز لإعادة ترتيب المجتمع من الداخل وفق مقتضيات الخارج. تصبح مهمتها ضبط الفئات المعترضة، وتطويع المناطق، وحماية مسارات التمويل، وإدارة التحولات التي تسمح للنخبة بإعادة إنتاج نفسها.
هكذا لا تعود الدولة «سيدة» لمجرد أنها تحتكر القوة. احتكار القوة، إذا استُخدم لحماية ترتيب مفروض من الخارج، لا يكون سيادة بل وظيفة. فالدولة قد تكون قوية في وجه مواطنيها، وضعيفة في وجه من يحتل أرضها. وقد تكون قادرة على تفكيك شبكات داخلية، لكنها عاجزة عن فرض انسحاب. وقد ترفع شعار القانون، فيما تعيد كتابة القانون نفسه بما يناسب التبعية الجديدة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس هل تستعيد الدولة احتكار السلاح، بل: في خدمة من ستستخدم هذا الاحتكار؟ هل لحماية الأرض؟ أم لضمان استقرار مشروع إقليمي لا مكان فيه للمقاومة؟ هل لتوحيد المجتمع؟ أم لإعادة ترتيب موازينه لمصلحة نخبة تريد أن تدخل حقبة جديدة من التبعية؟
إن تاريخ المنطقة يعلّمنا أن الاتفاقات الكبرى مع “إسرائيل” لم تكن يوماً مجرد نهاية حرب. كانت دائماً بداية تحولات أوسع: تغير في الاقتصاد، تبدل في وظيفة الدولة، صعود نخب جديدة، تراجع قطاعات شعبية، وانقلاب في اللغة السياسية. يتحول «العدو» تدريجياً إلى «شريك»، ويتحول الاعتراض إلى «تطرف»، وتصبح السوق بديلاً من السياسة، والاستهلاك بديلاً من التحرر، والاستقرار بديلاً من العدالة.
في هذا السياق، لا يُطلب من المجتمع فقط أن يقبل اتفاقاً، بل أن يتعلم طريقة جديدة في النظر إلى نفسه. أن يعتبر أن التضحية كانت خطأ، وأن المقاومة كانت عبئاً، وأن السيادة هي الحصول على مساعدات، وأن الوطنية هي الطاعة، وأن المستقبل يبدأ حين يُدفن الماضي.
إنها عملية إعادة تربية سياسية كاملة. يبدأ الأمر بتغيير المفردات، ثم ينتقل إلى المناهج والإعلام والمؤسسات والثقافة العامة. يُعاد تقديم التاريخ بوصفه سلسلة مغامرات غير محسوبة. تُفصل المقاومة عن الأرض التي أنجبتها. تُحوّل القرى التي صمدت إلى مناطق تحتاج إلى «تأهيل». وتُقدَّم النخبة التي أوصلت البلد إلى الانهيار بوصفها صاحبة المشروع الواقعي الوحيد.
لكن الواقعية التي لا تسأل من يدفع الثمن ليست واقعية. ما يُراد تقديمه على أنه انتقال إلى الاستقرار قد يكون انتقالاً إلى نمط جديد من السيطرة. فالمساعدات لن تكون بلا شروط، وإعادة الإعمار لن تكون عملاً خيرياً، والاستثمارات لن تأتي لتحرير الاقتصاد من التبعية، بل قد تعيد إنتاجها بأدوات أكثر صلابة.
ستدخل الأموال إلى مناطق مختارة، وستُربط المشاريع بالأمن، وسيُعاد توزيع الملكيات، وقد يُفتح المجال أمام رساميل خارجية في الأرض والطاقة والمرافئ والاتصالات والعقارات. وفي ظل دولة ضعيفة ومجتمع منهك، يصبح الخراب فرصة لتغيير الخريطة الاجتماعية نفسها. هنا يتحول الدمار إلى سوق، والتهجير إلى إعادة توزيع للسكان، والحاجة إلى مسار سياسي.
هذا ما يجعل المعركة على المقاومة جزءاً من معركة أوسع على من يملك لبنان. ليست المسألة فقط أن هناك من يريد نزع سلاح قوة عسكرية، بل أن هناك من يريد إزالة كل ما يعيق تحويل البلد إلى مساحة اقتصادية وأمنية مطواعة. المقاومة، في هذا المعنى، ليست مستهدفة فقط لأنها تقاتل “إسرائيل”، بل لأنها تمثل أيضاً حدوداً أمام الهيمنة الكاملة: حدوداً اجتماعية، وثقافية، وسياسية، ورمزية.
وهذا لا يعني أن كل ما يحيط بالمقاومة خارج النقد، ولا أن كل بنية اجتماعية مرتبطة بها مثالية أو مكتملة. لكنْ هناك فارق جوهري بين النقد من داخل مشروع التحرر، وبين التفكيك الذي يخدم مشروع السيطرة. وبين تطوير العلاقة مع الدولة، وبين استخدام الدولة لاجتثاث قوة نشأت لأن الدولة تخلت عن وظيفتها.
المطلوب اليوم هو الانتباه إلى أن النزاع ليس على بند أو سلاح أو منطقة فقط. النزاع على معنى الدولة. هل تكون الدولة أداة لتحرير المجتمع، أم أداة لإعادة إدخاله في التبعية؟ هل تعيد بناء الاقتصاد على الإنتاج والعدالة، أم على المساعدات المشروطة والخصخصة؟ هل تحمي المناطق التي دفعت الثمن، أم تعتبرها عبئاً يجب ضبطه؟ هل تستعيد السيادة من الخارج، أم تفرض سلطتها على الداخل؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينجح المشروع الجديد في تصوير نفسه بوصفه قدراً لا بديل عنه. أن يُقال للناس إن زمن المقاومة انتهى، وإن السوق هي المستقبل، وإن الخارج وحده يملك مفاتيح الإعمار، وإن النخبة نفسها التي صنعت الانهيار ستقود الخلاص. عندها لا يكون الاتفاق قد غيّر السياسة فقط، بل يكون قد صادر المخيلة الوطنية نفسها.
ليس الوطن مجرد حدود معترف بها، ولا علماً ومؤسسات. الوطن هو قدرة المجتمع على الدفاع عن شروط بقائه، وعلى تقرير شكل اقتصاده، وعلى حماية ذاكرته، وعلى رفض تحويل ألمه إلى فرصة للآخرين. ومن هنا، فإن الدفاع عن المقاومة لا ينفصل عن الدفاع عن استقلال المجتمع، وعن حقه في أن لا يُعاد تشكيله وفق مصالح رأس المال الخارجي والنخبة التابعة.
المعركة، في النهاية، ليست على صاروخ أو بند أو وزارة. المعركة على لبنان الذي سيخرج من هذه الحرب: هل يكون بلداً منزوع الذاكرة، محكوماً بالخوف والحاجة، تديره نخبة تربط وجودها برضا الخارج؟ أم يكون بلداً يعيد بناء دولته واقتصاده على قاعدة السيادة الاجتماعية والوطنية معاً؟
«اتفاق الإطار» ليس مجرد ورقة. إنه احتمال تاريخي لإنتاج لبنان جديد. والخطر ليس فقط أن يكون هذا اللبنان ضعيفاً أمام “إسرائيل”، بل أن يصبح منظماً لخدمتها: في اقتصاده، وفي أمنه، وفي وعيه، وفي تعريفه لمن هو العدو ومن هو المواطن الصالح.
لهذا، فإن مقاومة الاتفاق لا تكون فقط برفض بنوده، بل برفض المجتمع الذي يريد أن يصنعه. مجتمع بلا ذاكرة، ودولة بلا استقلال، واقتصاد بلا عدالة، ووطنية بلا مقاومة. فحين تُهزم المقاومة اجتماعياً وثقافياً، لا يبقى من لبنان إلا اسم لدولة تؤدي وظيفة لا تشبه شعبها.
زينب برجاوي-الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...