
مقالات هل بدأت المعركة الأخيرة لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين؟
07/07/202613:18:09
لا مكان للأونروا في غزة الجديدة، نحن نطوي صفحة عقدة الاعتماد الدائم على المساعدات والصراع”. هذه الكلمات ليست مجرد تغريدة على حساب منصة إكس لما يسمى مجلس السلام التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول غزة الجديدة، ولا موقفًا سياسيًا يمكن أن يمر مرور الكرام، بل تعكس توجهًا لرؤية سياسية تستحق التوقف عندها مليًا، لأنها لا تتحدث عن مؤسسة دولية إغاثية فحسب، بل تمس أحد أكثر الملفات حساسية في القضية الفلسطينية، والمتمثل في قضية اللاجئين الفلسطينيين.
حين يتحدث مجلس السلام عن غزة الجديدة بلا أونروا، فإنه يتحدث عمليًا عن غزة بلا لاجئين فلسطينيين، وغزة بلا ذاكرة وبلا حقوق، فالأونروا ليست مؤسسة خدماتية فحسب، بل هي تجسيد لاعتراف دولي بأن قضية ملايين اللاجئين الفلسطينيين ما زالت قائمة وتحتاج إلى حل، وتصفية الأونروا بهذا الشكل ليست حلًا للمشكلة، بل محاولة لتصفية أصحابها، وحين يُستهدف وجود الأونروا، لا يكون الجدل حول مؤسسة إغاثية فقط، بل حول الذاكرة السياسية والقانونية لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وحول ما إذا كان العالم يتجه إلى إعادة تعريف واحدة من أقدم القضايا التي ما زالت تنتظر العدالة.
استهداف الأونروا بهذا الشكل لا يمكن فصله عن التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، فبينما تتسارع النقاشات في العواصم حول اليوم التالي وإعادة الإعمار وتشكيلة الحكم في غزة، يبرز الحديث عن محو وجود مؤسسات ارتبطت تاريخيًا بالقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الأونروا.
ومن المعروف أن الأونروا تأسست عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لتقديم الإغاثة والخدمات للاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضيتهم، ومنذ ذلك الحين، لم تقتصر مهمتها على تقديم المساعدات، بل أصبحت رمزًا للاعتراف الدولي بأن قضية اللاجئين ما زالت قائمة، وأن المجتمع الدولي لم يفِ بعد بالتزامه في إيجاد حل سياسي عادل وشامل.
وإذا كان المقصود بغزة الجديدة هو غزة بلا وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، ماذا يبقى من قضية اللاجئين إذا غاب الشاهد الدولي الذي ارتبط بها منذ أكثر من 70 عامًا؟
هذه المواقف السياسية يجب أن تُقرأ باعتبارها جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل القضية الفلسطينية، لا باعتبارها مجرد دعوة لإعادة تنظيم عمل إنساني يتعلق بسكان قطاع غزة، فالأونروا ليست مؤسسة خيرية يمكن استبدالها بأخرى، بل مؤسسة أُنشئت إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين، وهو ما يعني أن وجودها يعكس اعترافًا دوليًا مستمرًا بأن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تُحل بعد.
وبالتالي، فإن أي دعوة لإنهاء دور الأونروا أو تصفية عملها في غزة لا تثير مخاوف إنسانية فحسب، بل تطرح أيضًا أسئلة سياسية وقانونية عميقة حول مستقبل قضية اللاجئين وحق العودة ومكانة هذه القضية في النظام الدولي، وعلى الجانب الآخر، فإن استهداف الأونروا بهذا الشكل يُفهم لدى كثير من اللاجئين الفلسطينيين على أنه استهداف للرمزية التي تمثلها.
هناك سؤال مهم في هذا السياق، ماذا يعني غزة الجديدة بلا أونروا وفق ما يروج مجلس السلام؟ قد يبدو للبعض أن الأمر متعلق بالاعتماد على المساعدات، لكن القضية أوسع من ذلك، فالأونروا هي الشاهد الوحيد على قضية اللاجئين التي نشأت نتيجة سلب الأرض وتهجير السكان وحرمانهم من حق تقرير المصير والعودة، والمشكلة في هذا السياق، والتي لا تجيب عنها هذه المواقف الصادرة عن مجلس السلام، هي، كيف يمكن إنهاء الاعتماد على المساعدات بينما يستمر الاحتلال في تدمير البنية التحتية، واستمرار سياسات التهجير، وحرمان ملايين اللاجئين الفلسطينيين من حل سياسي وُجدت الأونروا أساسًا لمعالجته؟ وبالتالي، فإن إنهاء الحاجة إلى الأونروا لا يكون بإلغائها، بل بإزالة الأسباب التي أوجدتها، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي.
في تقديري، القضية أكبر من ذلك فالمواقف الظاهرة عن مجلس السلام توحي بأن الأمر يتعلق باستهداف الخدمات، لكن المضمون الأعمق يشير إلى استهداف القضية ككل، فمن الخطأ الاعتقاد بأن المسألة تتعلق بوقف التمويل أو إغلاق مؤسسة دولية خدماتية فقط، فالأونروا تمثل الرابط السياسي والقانوني بين المجتمع الدولي وقضية اللاجئين الفلسطينيين.
ورغم أن الحقوق القانونية للاجئين لا تستند إلى وجود الوكالة وحدها، فإن استمرارها يشكل تذكيرًا دائمًا بأن المجتمع الدولي لا يزال يعترف بأن هناك قضية إنسانية لم تُحل بعد، والخطورة تكمن أيضاً في أن إنهاء الأونروا في قطاع غزة قد يعني إنهاء حضور قضية اللاجئين في المحافل الدولية، حتى وإن بقيت قانونيًا قائمة.
ستنعكس تداعيات إنهاء دور الأونروا في قطاع غزة سلبًا على اللاجئين الفلسطينيين بشكل مباشر فمن المعروف أن قطاع غزة يضم عددًا كبيرًا من المخيمات التي تؤوي اللاجئين، من جباليا شمالًا إلى مخيم يبنا في رفح جنوبًا، وتعتمد هذه المخيمات على المساعدات الغذائية، ناهيك عن عشرات الآلاف من الطلبة الذين يدرسون في مدارس الأونروا، وآلاف المرضى الذين يتلقون الخدمات الصحية في مراكزها، وفي ظل الظروف الإنسانية الحالية، سيكون من الصعب تعويض هذا الفراغ من أي مؤسسة دولية أخرى مهما كبرت تمويلاً.
والأهم أن التداعيات لن تتوقف عند الجانب الإنساني، بل ستمتد إلى البعد الوطني، إذ إن أي تراجع في حضور الأونروا يعني تراجعًا في حضور قضية اللاجئين على المستوى الدولي، وهو ما يفرض على الفلسطينيين التعامل مع هذه التطورات باعتبارها قضية سياسية بامتياز، لا مجرد أزمة تمويل ومساعدات.
وفي هذا السياق، تقع مسؤولية فلسطينية كبيرة على عاتق الفلسطينيين قبل أن تكون مسؤولية دولية، تتمثل في الدفاع عن الأونروا، ولا ينبغي أن يُفهم هذا الدفاع على أنه دفاع عن استمرار الاعتماد على المساعدات، بل دفاع عن بقاء الاعتراف الدولي بقضية اللاجئين الفلسطينيين إلى حين التوصل إلى حل عادل وشامل لها. وبالتالي، وفي مواجهة تصاعد هذه الطروحات التي تهدف إلى تصفية قضية اللاجئين، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك فلسطيني سياسي وإعلامي وقانوني يوضح للعالم أن الأونروا ليست المشكلة، بل هي نتيجة لمشكلة لم تُحل منذ عام 1948، وأن المشكلة الأساسية تتمثل في استمرار الاحتلال على أرض فلسطين.
المعركة اليوم تُخاض على أكثر من صعيد، ومن المهم عدم إغفال معركة الرواية والسردية، والضغط السياسي، وتكثيف الحضور الإعلامي والقانوني في المحافل الدولية والعربية، لأن الصمت أمام محاولات تصفية الأونروا في قطاع غزة لن يكون خيارًا حكيمًا، والمطلوب اليوم إطلاق حملات إعلامية وقانونية ودبلوماسية تشرح للرأي العام معنى وجود الأونروا، وتوضح أن إنهاء دورها يمس بشكل مباشر قضية اللاجئين الفلسطينيين ويزيد من تعقيدها، ويتطلب نجاح أي حملة الاستناد إلى الحقائق الثابتة في هذا الموضوع والقانون الدولي وسردية إعلامية واضحة تخاطب العالم بلغة الحقوق والالتزامات الدولية لا بلغة الشعارات فقط، هكذا تكون أكثر نجاعة وفاعلية وتأثيرا.
تغريدة مجلس السلام التي تدعو إلى غزة جديدة بلا أونروا ليست مجرد موقف إعلامي أو رأي، بل تعكس تحولًا خطيرًا في مقاربة قضية اللاجئين، ومحاولة لإعادة تعريف واحدة من أهم قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وهنا يجب إعادة التذكير بأن الأونروا ليست مجرد مؤسسة إغاثية، بل شاهد دولي على قضية لا تزال قائمة، وأن ملايين الفلسطينيين اللاجئين لم تُنهَ حقوقهم، وإن الطريق إلى إنهاء الحاجة إلى الأونروا لا يبدأ بإلغائها، بل يبدأ بإنهاء الأسباب التي أوجدتها، عبر إنهاء الاحتلال والوصول إلى حل عادل ودائم لقضية اللاجئين، وضمان حق العودة وفق القانون الدولي والقرارات الأممية.
وحتى يتحقق ذلك، فإن الدفاع عن الأونروا ليس دفاعًا عن مؤسسة، بل عن ذاكرة وطنية وشاهد على النكبة واعتراف دولي وحقوق ما زالت تنتظر العدالة، استهدافها بهذا الشكل لا يمكن قراءته بوصفه خلافًا حول مؤسسة إغاثية، بل باعتباره استهدافًا لرمز قانوني وسياسي يجسد استمرار قضية اللاجئين في الوعي والشرعية الدولية، وحين تُطرح مشاريع تدعو إلى إنهاء دور الأونروا، فإن السؤال الحقيقي لا يكون عن مصير الوكالة، بل عن مصير القضية التي أُنشئت من أجلها، وعن محاولات تحويل حق تاريخي وقانوني إلى ملف يمكن إغلاقه بتغريدة.
أخيراً /أنا من يبنا المحتلة، قرية أُزيلت من الخريطة عام 1948، لا أرى في الأونروا مجرد وكالة إغاثة، بل شاهدًا حيًّا على حق لم يسقط بالتقادم، وذاكرة تحفظ أن اللجوء ليس قدرًا دائمًا، بل نتيجة ظلمٍ ما زال قائمًا، وأي حديث عن إنهائها قبل إنهاء أسباب وجودها ليس سوى التفاف على الحقيقة وطمسٍ لجوهر العدالة، فالحق لا يسقط بالتقادم، وكما قال الأجداد: العودة حقٌّ كالشمس، لا يُحجب أبدا.
شرحبيل الغريب – الميادين
جاري تحميل الخبر التالي...