جردة 100 يوم من النزوح: هكذا تآمرت حكومة سلام
مقالات

جردة 100 يوم من النزوح: هكذا تآمرت حكومة سلام

06/07/202618:03:45

وسط كل المتغيّرات التي شهدها لبنان، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية وحتى ما بعد «انتهائها»، برز ثابت واحد في المشهد: إخفاق حكومة نواف سلام في إدارة ملف النزوح. وإذا سلّمنا، جدلاً، بأن كل أشكال التقصير والتضييق التي مورست في حق النازحين لم تكن متعمّدة بل نتيجة انعدام الكفاءة، فإن مراجعة أداء الحكومة، ولا سيما مقاربة سلام ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد لهذا الملف، تؤكّد أن الخصومة مع حزب الله، تركت أثرها في التعاطي مع بيئته. فاقتصر حضور الدولة وتفاعلها مع أزمة النزوح على الحدّ الأدنى، تجنّباً لظهورها في موقع «الداعم» لجمهور الحزب، وهو الاتّهام الذي يُوجّه إلى حكومة الرئيس السابق نجيب ميقاتي بسبب مواكبتها الجيدة لملف نزوح عدوان عام 2024.

عملياً، «اهتمّت» السلطة فقط بنحو 12% من النازحين، حصل الفرد منهم على ما يقلّ عن وجبة غذائية واحدة وأقل من ليتر من المياه يومياً، فيما لم يتلقَّ سوى أقل من نصف النازحين خارج مراكز الإيواء مساعدة شهرية بقيمة 145 دولاراً، علماً أن معظمهم قبض هذا المبلغ مرة واحدة فقط طوال ثلاثة أشهر من الحرب. ولم تنفق الدولة اللبنانية من أموالها المودعة لدى مصرف لبنان ليرة واحدة على إغاثة النازحين، باستثناء مساهمات محدودة قدّمها مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة من موازناتهما الخاصة.

ومن توزيع الطعام الفاسد، إلى رفض وزارة الشؤون تجهيز مراكز الإيواء بمطابخ جاهزة، ومنعها الجمعيات من توزيع مواردها، وصولاً إلى اضطرار النازحين في بعض المراكز إلى شراء مياه الاستخدام والمازوت على نفقتهم، اتّسم الواقع الإنساني للنازحين بطابع كارثي. إلا أن الأكثر كارثية، بحسب شهادات عدد كبير من العاملين في القطاع الإنساني المحلي والدولي، كان تكليف حنين السيّد بهذا الملف: عقل يميني في رؤيته الاجتماعية يدير أزمة إنسانية بعقلية المؤسسات المالية الدولية، حيث تكون الأولوية لخفض الإنفاق وتشديد معايير الاستفادة، لا لتلبية الحاجات الإنسانية الطارئة. وتشير المعلومات إلى أن هيئات تابعة للأمم المتحدة رفعت شكوى إلى رئيس الحكومة، أبدت فيها امتعاضها من طريقة إدارة السيّد وما رافقها من إشكالات أثّرت في التنسيق مع المنظمات الدولية وآليات الاستجابة الإنسانية.

ويُضاف إلى ذلك البعد السياسي في مقاربة الملف. فقد امتنعت الوزيرة، مثلاً، عن الاجتماع أو حتى إجراء اتصال هاتفي مع اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية لأنه «محسوب على حزب الله»، رغم أن المنطقة كانت من أبرز بؤر النزوح وشهدت تهجير مئات الآلاف. في ما يلي جردة بأبرز الأرقام والمُعطيات والقرارات التي اتُّخذت بحق النازحين أكثر مما اتُّخذت لإغاثتهم. وهي تفتح باب المُساءلة السياسية والإدارية لرئيس الحكومة، بصفته رئيساً لهيكلية الاستجابة، ولوزيرة الشؤون الاجتماعية، باعتبارها «المتحكّمة» بكل رغيف خبز وقطرة ماء وصلت (أو بالأحرى لم تصل) إلى النازحين

كما تشكّل هذه الوقائع دعوة إلى الجهات الرقابية الرسمية والمدنية لإجراء تقييم شامل لأداء السلطة خلال الحرب، والتحقيق في ملفات عدة، من بينها استغلال الأزمة الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية، وملابسات تعيين زوجة رئيس الحكومة، سحر بعاصيري، من خارج الأصول القانونية، مسؤولة عن قطاع الغذاء ضمن هيكلية الاستجابة، وآليات تفضيل بعض الجمعيات على حساب أخرى، إضافة إلى نقص الشفافية حول توزيع المساعدات وسبل إنفاق الأموال المُخصّصة للاستجابة الإنسانية.

تجويع النازحين بالأرقام: إغاثة بالحدّ الأدنى

يكشف تحليل بسيط للأرقام الرسمية الواردة في تقارير وحدة إدارة الكوارث الضعف الشديد في المساعدات التي قدّمتها وزارة الشؤون الاجتماعية للنازحين المقيمين في مراكز الإيواء، علماً أن هذه المساعدات كانت مُموّلة بالكامل تقريباً من الجهات المانحة، لا من الدولة اللبنانية.

ووفق آخر تحديث أصدرته وحدة إدارة الكوارث في 10 حزيران، بلغ مجموع ما وُزّع 12,357,721 وجبة ساخنة أو باردة، و197,156 حصة جاهزة للأكل، و5,152,636 ليتراً من مياه الشرب، إضافة إلى 223,733 حصة مستلزمات نظافة، و14,054 حصة مستلزمات للأطفال، و71,934 حصة مستلزمات للدورة الشهرية، فضلاً عن توزيع 252,004 فرشات و311,299 بطانية.

عند احتساب هذه الأرقام قياساً إلى عدد النازحين، يتبيّن أن معدّل حصة الفرد يومياً بلغ أقل من وجبة غذائية واحدة، ساخنة أو جاهزة، وأقل من نصف ليتر من مياه الشرب، ونحو حصة ونصف حصة من مستلزمات النظافة طوال فترة النزوح. وبما أن الإحصاءات الرسمية تفيد بأن النساء شكّلن نحو نصف عدد النازحين، يعني ذلك أن معدّل ما حصلت عليه كل امرأة هو حصة واحدة فقط من مستلزمات الدورة الشهرية طوال ثلاثة أشهر من النزوح. وبذلك، فإن الحكومة أخفقت في توفير الحدّ الأدنى من الغذاء والمياه والتدفئة والاحتياجات الإنسانية الأساسية حتى للفئة التي كانت داخل مراكز الإيواء، والتي لم تتجاوز 12% من إجمالي النازحين.

في المقابل، بدا حضور الجهات الرسمية المعنيّة بالاستجابة أقرب إلى الشكلي، واقتصر إلى حدّ كبير على عراضات إعلامية لوزيرة الشؤون الاجتماعية، التي تجنّبت، في كل مرة، تقديم إجابات واضحة بشأن أوضاع نحو 88% من النازحين الذين أقاموا خارج مراكز الإيواء، سواء في المنازل أو لدى الأقارب أو في أماكن أخرى. وحتى إعلان وقف إطلاق النار، لم تكن السيّد قد أعلنت آلية واضحة لدعم هؤلاء. فبحسب الأرقام الرسمية، بلغ عدد النازحين نحو مليون ومئتي ألف شخص، منهم 141,400 فقط داخل مراكز الإيواء، مقابل نحو 1,058,000 خارجها. ومن بين هؤلاء، لم يحصل على مساعدات مالية سوى 490,833 شخصاً، أي نحو 46% فقط، فيما بلغت قيمة الأموال المصروفة، والمُموّلة من الجهات المانحة لا من الخزينة اللبنانية، نحو 15 مليون دولار.

وفي وقت كانت أعداد النازحين تتزايد مع اتّساع رقعة العدوان، بقي سلام وسائر المسؤولين عن خطة الاستجابة يراهنون على تمويل المجتمع الدولي، متذرّعين بعدم وجود بدائل. لكن، لو أرادت الحكومة الاضطلاع بمسؤولياتها الأساسية، لكان بإمكانها تخصيص جزء يسير من أموالها المودعة لدى مصرف لبنان، والمُقدّرة بنحو 10 مليارات دولار، لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية، إذ إن المبلغ الذي طلبته الحكومة من المجتمع الدولي في 13 آذار، وقدره 308 ملايين دولار لتغطية خطة الاستجابة، لا يمثّل سوى نحو 3% من إجمالي هذه الودائع.

ولاحقاً، في نهاية أيار، أطلقت الحكومة نداءً جديداً رفعت فيه قيمة الاحتياجات المطلوبة للاستجابة لأزمة النزوح إلى 639,875,890 دولاراً. وحتى آخر تحديث رسمي، لم تتجاوز التعهّدات المالية التي وافقت عليها الدول المانحة 237,370,724 دولاراً، أي ما يعادل نحو 37% فقط من حجم التمويل المطلوب.

توظيف وإنفاق على حساب المنكوبين

بعد 12 يوماً فقط على اندلاع الحرب، تكشّفت مُعطيات إضافية جعلت ملف النزوح فضائحياً، وطرحت تساؤلات حول أداء رئيس الحكومة نواف سلام ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزيرة التربية ريما كرامي.

وبحسب معلومات «الأخبار» آنذاك، طلبت السيّد من الجهات الأممية المشاركة في الاستجابة الإنسانية تمويل توظيف نحو 600 عامل وعاملة اجتماعيين لتوزيعهم على مراكز الإيواء. وقد أثار هذا الطلب استغراب تلك الجهات، لسببين أساسيين: أولاً، لأنها كانت قد عرضت سابقاً نشر مندوبين تابعين لها داخل المراكز، إلا أن الوزارة رفضت الاقتراح. وثانياً، لأن وزارة الشؤون تمتلك أساساً شبكة من المساعدين الاجتماعيين العاملين لديها. كما أن تجربة عدوان عام 2024 لم تشهد أي عمليات توظيف مماثلة بذريعة إدارة مراكز الإيواء، وأُدير الملف يومها بمستوى مقبول من التنظيم.

وعلى غرار السيد، طلبت كرامي في تعميم وجّهته إلى الجهات المانحة، «تأمين أتعاب للكوادر البشرية التابعة لوزارة التربية» التي ستتولّى إدارة مراكز الإيواء بالتنسيق مع وزارة الشؤون. والمقصود هنا مديرو المدارس، والنظّار، والأساتذة، وموظفو المكننة، والمُستخدمون، باعتبارهم، وفق التعميم، سيتولون إدارة تلك المراكز، رغم أن الحضور الفعلي اقتصر في معظم الحالات على مدير المدرسة وشخص آخر فقط. وجميع هؤلاء هم موظفون أو متعاقدون مع الوزارة ويتقاضون رواتبهم أساساً، ما أثار تساؤلات حول مبرّرات طلب تمويل إضافي لهم، وحول مقاربة السيّد وكرامي، التي عكست محاولة الاستفادة من الأزمة.

وبعدما تعذّر تأمين هذا التمويل، لجأت كرامي إلى وكالات الأمم المتحدة والمنظّمات الإنسانية طالبةً دعماً مالياً تحت عنوان «تشغيل مراكز النزوح». غير أن الطلب قوبل بالرفض مجدّداً، إذ اعتبرت تلك الجهات أن مختلف الخدمات داخل المراكز كانت مُموّلة ومُغطّاة من قبلها، وأن وزارة التربية لا تتحمّل أعباء تشغيلية تستوجب منحها أموالاً نقدية، مؤكّدة أنه إذا وُجدت احتياجات محدّدة، فيمكن رفعها لتتكفّل المنظمات بتأمينها مباشرة، لا عبر تحويل الأموال إلى الوزارة.

ولم ينهِ هذا الرفض المسألة. ففي 22 أيار، أي قبل نحو ثلاثة أسابيع من وقف إطلاق النار، وافقت الحكومة على تخصيص 1.8 مليون دولار شهرياً من حساب الهيئة العليا للإغاثة، لتغطية ما وصفته كرامي بـ«المصاريف التشغيلية» لـ416 مركز إيواء. وبحسب الطلب الذي حمل صفة «دراسة» أعدّتها كرامي حفل بتناقضات ومخالفات جسيمة («الأخبار»، 22 أيار 2026). واليوم، بعد وقف إطلاق النار، ينبغي أن تُسأل كرامي عن مصير الـ 1.8 مليون دولار وكيف صُرفت وما مصير المبالغ التي لم تُستخدم؟ وهي أسئلة يُفترض أن تكون موضع مُساءلة من رئيس الحكومة والسلطات الرقابية والنواب.

تعمّد إخفاء معلومات

طغى انعدام الشفافية على إدارة ملف النزوح منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب. فقد تعمّد نواف سلام وحنين السيّد عدم نشر أي وثيقة تفصيلية تتضمّن خطة الاستجابة أو آليات تنفيذها، ما حرم الأجهزة الرقابية الرسمية ووسائل الإعلام والرأي العام من نص مرجعي يمكن الاستناد إليه لتقييم أداء الحكومة ومُساءلتها. والأكثر دلالة أن الأسبوع الأول من الحرب انقضى من دون أن تصدر وزارة الشؤون، أو أي جهة رسمية أخرى، تقديراً شاملاً لعدد النازحين.

ومع كل انتقاد لطريقة إدارة الملف، كانت السيّد ومستشاروها ينتفضون للدفاع عن أدائهم. إلا أن هذه الملاحظات نفسها سمعتها السيد من أعلى مسؤول أممي معنيّ بالشؤون الإنسانية في لبنان، عمران ريزا، الذي وجّه إلى الوزيرة، خلال أحد الاجتماعات في الأسبوع الثالث من الحرب، انتقادات مباشرة بشأن غياب آلية لتتبّع المساعدات العينية التي تتلقّاها الوزارة، محذّراً من أن هذا الأمر يضرب أحد أهم مبادئ العمل الإنساني، وهو الشفافية.

فحتى ذلك الوقت، لم تكن الوزارة، لا في بياناتها المتكررة ولا في تقارير وحدة إدارة الكوارث، تعلن حجم المساعدات التي تتلقّاها أو طبيعتها. وأدّى حجب هذه المعلومات إلى تعطيل أي إمكانية لمقارنة الاحتياجات الفعلية بحجم الاستجابة، كما قيّد فرص المُساءلة والمحاسبة. وبعد أيام، بدأت الوزارة بنشر جزء من هذه البيانات عبر التقارير اليومية ورابطين إلكترونيين مُتاحين للجمهور، إلا أن المعلومات بقيت منقوصة. فالرابطان يتيحان معرفة إجمالي المساعدات الموزّعة وتوزّعها على الأقضية، والجهة التي تولّت توزيع كمية محدّدة من كل صنف، لكنهما لا يحددان أسماء مراكز الإيواء المستفيدة ولا تواريخ التوزيع، وهي معطيات أساسية تسمح بقياس حجم المساعدات التي تلقّاها كل مركز، والكشف عمّا إذا كانت بعض المناطق قد حظيت بمعاملة تفضيلية على حساب مناطق أخرى.

كذلك لم تنشر وزارة الشؤون، ولا الهيئة العليا للإغاثة، ولا أي جهة رسمية أخرى، أسماء الجمعيات التي تسلّمت مساعدات لتتولّى توزيعها، ولا المعايير التي اعتُمدت لاختيارها. فمن حق الرأي العام، ولا سيما النازحين، أن يعرفوا على أي أساس اختيرت جمعيات دون غيرها، وكم بلغ عددها، وما هي أنواع وكميات المساعدات التي حصلت عليها، ومتى تسلّمتها. فهذه المعلومات ليست منّة من السلطة، بل حق للبنانيين، وهي تشكل الحد الأدنى من متطلّبات الشفافية في إدارة الأموال والمساعدات المخصّصة للاستجابة الإنسانية، بما يتيح ممارسة الرقابة على أداء الدولة ومحاسبة المسؤولين. وفي المقابل، بدا لافتاً صمت غالبية منظمات المجتمع المدني التي ترفع شعارات مكافحة الفساد والحوكمة والشفافية وغيرها من العناوين البراقة، إذ غاب معظمها عن مُساءلة السلطة في واحد من أكثر الملفات حساسية خلال الحرب.

100 يوم على الطرقات

حتى وقت إعلان وقف إطلاق النار، كان نحو ألف نازح لا يزالون يقيمون في خيم نُصبت على الواجهة البحرية لبيروت. ولعلّ أكثر ما يُؤخذ على نواف سلام وحنين السيّد، بصفتهما المسؤولين المباشرين عن إدارة ملف النزوح، هو بقاء مئات العائلات لأكثر من مئة يوم في الشوارع، رغم توافر الإمكانات لتأمين بدائل أكثر كرامة.

وخلافاً للرواية التي روّجت لها الوزيرة وفريقها، وكرّرها عدد من الإعلاميين والمؤثّرين، لم يكن النازحون يرفضون الإقامة في مراكز الإيواء من حيث المبدأ، بل كانوا يرفضون نقلهم إلى مراكز بعيدة جداً في عكار وطرابلس، مفضّلين البقاء في بيروت أو محيطها حفاظاً على صلتهم بمناطقهم، ولتسهيل متابعة أعمالهم وأوضاعهم العائلية. فيما امتنعت ريما كرامي عن فتح عدد كافٍ من مراكز الإيواء في بيروت وجبل لبنان، رضوخاً لضغوط سياسية، ما جعل عدد المراكز المفتوحة في هاتين المحافظتين أقل مما كان عليه خلال عدوان عام 2024، رغم أن القسم الأكبر من النازحين تركّز فيهما.

وعندما تصاعدت الانتقادات، قدّمت حنين السيّد المدينة الرياضية بوصفها نموذجاً لمركز يستوفي شروط الإقامة الكريمة. غير أن الواقع الميداني ناقض هذه الرواية. فقد أظهرت الصور ومقاطع الفيديو الموثّقة من داخل المدينة حجم المعاناة التي عاشها النازحون، من غرق الخيم بمياه الأمطار، إلى الاكتظاظ الشديد، وقلة المراحيض الصالحة للاستخدام، وضعف الخدمات الأساسية، والنقص في المساعدات الإنسانية.

استثمار سياسي

لم يقتصر الاستثمار السياسي في أزمة النزوح على المستويات التنفيذية، بل بدأ من رأس هرم السلطة، مع تكليف سحر بعاصيري، زوجة رئيس الحكومة نواف سلام، بتولّي مسؤولية قطاع الغذاء ضمن هيكلية الاستجابة. وعادةً، يُدار هذا القطاع، كما سائر قطاعات الاستجابة الإنسانية، من خلال آلية واضحة تضم منسّقاً من إحدى وكالات الأمم المتحدة، وممثّلاً عن منظمة دولية أو محلية، يتولّيان التنسيق مع الوزارة المختصة، والتي يُفترض أن تكون، في هذا الملف، وزارة الاقتصاد بحكم مسؤوليتها عن الأمن الغذائي. ومعلوم أن بعاصيري لا صفة رسمية لها؛ فهي ليست وزيرة، ولا ترأس هيئة إغاثية تابعة لرئاسة الحكومة، ولا تدير مؤسسة عامة، وليست موظفة في الإدارة.

كما أن تكليفها لم يستند إلى أي أساس قانوني، ما يثير تساؤلات حول مشروعيته ويضع قرار الوزيرة السيّد موضع مُساءلة. يُضاف إلى ذلك أن سلام يتولّى رئاسة هيكلية الاستجابة الوطنية، بما يعني أنه المسؤول الأول عن الفريق المُكلّف بتنفيذ خطة الطوارئ، بمن في ذلك زوجته، وهو ما يطرح إشكالية واضحة تتعلق بتضارب المصالح وآليات المُساءلة داخل الهيكلية نفسها. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد. فقد طغى منطق توزيع الأدوار وفق الاعتبارات السياسية على إدارة الملف، إذ تدخّلت السيّد لإبعاد «جمعية بنين الخيرية»، التي كان رئيس الحكومة قد كلّفها بتجهيز وإدارة «مدينة كميل شمعون الرياضية» كمركز للإيواء، وأسندت المهمة إلى «مؤسسة مخزومي»، التابعة للنائب فؤاد مخزومي، الذي سعى إلى توظيف الملف سياسياً وانتخابياً.

وتكرّر الأمر عندما منحت السيد جمعيات يدور أصحابها في فلك رئيس الحكومة، وبعضهم أصدقاء للسيد نفسها، حصصاً غذائية وصلت إلى لبنان في إطار المساعدات الدولية، لتوزيعها باسم جمعياتهم على العائلات النازحة خارج مراكز الإيواء، من دون إعلان المعايير التي اعتُمدت لاختيار هذه الجمعيات. وفي المقابل، كانت الوزارة تطلب من جمعيات أخرى الانتظار، بحجة أنها لا تزال تعمل على إعداد آلية لتنظيم مساعدة النازحين المقيمين في المنازل.

ذوو الإعاقة تُركوا لمصيرهم

ما عاناه النازحون نتيجة تقصير السلطة اللبنانية في الاستجابة لأزمتهم، عاناه النازحون من ذوي الإعاقة بدرجة أشد، نظراً إلى حاجتهم إلى رعاية متخصّصة وتدابير تختلف عن تلك المخصّصة لبقية شرائح المجتمع. وقد وجد هؤلاء أنفسهم على هامش خطط الاستجابة منذ اللحظة الأولى، رغم أن وزارة الشؤون الاجتماعية هي الجهة الرسمية المعنية مباشرة بمتابعة أوضاعهم.

وكانت الهيئات والاتحادات الممثّلة للأشخاص ذوي الإعاقة قد رفعت إلى الحكومة والوزيرة حنين السيّد، قبل الحرب، سلسلة مطالب وتوصيات دعت إلى إدراجها ضمن خطط الطوارئ والاستجابة، ولم يُطبّق منها شيء خلال أزمة النزوح. فعلى سبيل المثال، لم تُخصّص المراكز التي كان يُفترض أن تكون مُهيّأة لاستقبال ذوي الإعاقة لهذه الغاية فعلياً، إذ شُغلت في معظم الحالات بنازحين آخرين، ما حرم أصحاب الاحتياجات الخاصة من الاستفادة منها. كذلك، لم تُوضع ترتيبات رسمية مُسبقة مع الأجهزة الأمنية أو الجهات الطبية المختصة لتأمين إجلاء الأشخاص ذوي الإعاقات الحركية خلال عمليات النزوح، رغم أن هذه المسألة كانت من أبرز المطالب التي طُرحت قبل الحرب.

كذلك، أخفقت وزارة الشؤون الاجتماعية في تأمين إقامة عدد من ذوي الإعاقة داخل المراكز والمؤسسات المتخصّصة التي تتعاون معها أصلاً. وتشير المعطيات إلى أن بعض هذه المؤسسات كان يبرّر رفض استقبال حالات إضافية بالادّعاء زوراً أن طاقتها الاستيعابية بلغت حدّها الأقصى.

تطبيل إعلامي

رغم حجم المخالفات، وشكاوى النازحين، وما تكشّف تباعاً من أوجه القصور وسوء إدارة ملف النزوح، حظي نواف سلام وحنين السيّد بحماية إعلامية من جانب شريحة كبيرة من وسائل الإعلام التي أحجم معظمها عن مقاربة الملف من زاوية تقييم أداء الحكومة والاستجابة الرسمية، وعندما تناول هذا الجانب في مناسبات محدودة، جاء التناول في الغالب بصيغة إيجابية، بما بدا أقرب إلى الترويج لأداء الحكومة منه إلى إخضاعه للنقد والمُساءلة، انسجاماً مع الخيارات السياسية التي تتبناها تلك الوسائل أو مع أجنداتها التحريرية.

تواطؤ أممي ضد النازحين

لم يقتصر تسييس أزمة النزوح على رئيس الحكومة وبعض الوزراء والقوى السياسية ووسائل إعلام مؤيّدة للحكومة، بل امتدّ أيضاً إلى مقاربة الأمم المتحدة نفسها للملف. ففي شهر نيسان، حصلت «الأخبار» على معلومات تفيد بأن أعلى مرجعية أممية معنية بتنسيق الاستجابة الإنسانية في لبنان وجّهت تعليمات إلى الموظفين الأمميين العاملين في مجال إغاثة النازحين، بتجنّب انتقاد أداء الحكومة، حتى ضمن التقارير الداخلية التي يرفعونها إلى المرجعيات الأممية في الخارج. وبحسب هذه المعلومات، استند التوجيه إلى تبرير مفاده أن «حكومة نواف سلام تواجه انتقادات شعبية، وعلى الأمم المتحدة الحفاظ على حياديتها».

وتكمن خطورة هذه التوجيهات في أنها تمسّ إحدى الركائز الأساسية لآليات المتابعة والتقييم والمُساءلة داخل منظومة العمل الإنساني، إذ تعتمد هذه الآليات بصورة رئيسية على التقارير الميدانية التي يرفعها الموظفون المنفّذون لبرامج الاستجابة. ومن شأن أي قيود على توثيق الملاحظات أو نقلها أن تؤثّر في دقة التقييمات اللاحقة، وأن تضع علامات استفهام حول مصداقية أي مراجعة أممية لأداء الحكومة في إدارة الأزمة.

وفي موازاة ذلك، قصّرت المرجعيات الأممية العاملة في لبنان في أداء دورها الأساسي، المتمثّل في ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين بأسرع السبل وأكثرها فاعلية، وهو أحد الالتزامات الجوهرية التي تقوم عليها المنظومة الإنسانية الدولية. وباعتبارها المموّل الرئيسي، بل شبه الوحيد، لخطة الاستجابة، كان في إمكانها أن تفرض على وزارة الشؤون الاجتماعية آليات أكثر مرونة وشفافية، وأن تدفع نحو تسريع إيصال المساعدات، وتحسين أوضاع النازحين، ولا سيما أولئك المقيمين خارج مراكز الإيواء.

إلا أنها اختارت التواطؤ مع سلام والسيد، إلى أن بدأت تتلقّى استفسارات وملاحظات من مرجعياتها في الخارج، ومن بعض الجهات المانحة، حول الواقع الإنساني المزري للنازحين، ما دفع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في لبنان (أوتشا) إلى الاعتراض لدى رئيس الحكومة على طريقة إدارة وزيرة الشؤون الاجتماعية لملف النزوح.

الحرب فضحت الحكومة ولم تفاجئها

مع اندلاع الحرب، لم تكن الهيئة العليا للإغاثة تمتلك سوى 20 ألف فرشة و60 ألف بطانية، فيما تقرّر فتح 325 مدرسة رسمية تدريجياً لاستقبال النازحين، بطاقة استيعابية لا تتجاوز 43 ألف شخص، أي نحو 9 آلاف عائلة. وهو رقم متواضع للغاية حتى وفق تقديرات المرحلة الأولى من النزوح.

اللافت أن هذا القصور لم يكن نتيجة مفاجأة فرضتها الحرب. فقبل اندلاعها بثلاثة أشهر، في تشرين الثاني 2025، كانت السلطات اللبنانية على علم بأن احتمال الحرب بات مرتفعاً. وكشفت «الأخبار» يومها عن رسالة وصلت إلى الرؤساء الثلاثة والمؤسسة العسكرية ووزارة الدفاع من جهات رفيعة المستوى، تضمّنت سيناريو لحرب وصفتها بـ«غير المضبوطة»، استناداً إلى تقديرات استخباراتية أُبلغت بها هيئات الأمم المتحدة العاملة في المجال الإنساني، والتي طُلب منها تفعيل خطط الطوارئ تحسّباً لحرب قد تؤدّي إلى نزوح نحو مليون لبناني من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

وعندما سُئل رئيس الحكومة والوزراء المعنيون عن الاستعدادات، بدا التخبّط واضحاً. فبينما كانت المنظّمات الدولية تؤكّد غياب أي جهوزية حكومية، أصرّ سلام على طمأنة اللبنانيين، مؤكّداً أن «لدى الحكومة خطة جاهزة لمواكبة الحرب المحتملة».

في المقابل، كان ممثّلو وزارات الشؤون الاجتماعية والطاقة والمياه والتربية يقدّمون رواية مختلفة تماماً، إذ أكّدوا، بحسب ما أفادت به آنذاك مصادر في عدد من هيئات الأمم المتحدة والمنظّمات الدولية، أن هذه الوزارات «لم تتلقَّ أي تكليف أو طلب رسمي من الحكومة للشروع في إجراءات استثنائية».

وفي الخلفية، كان واضحاً أن غالبية الجهات الرسمية تتجنّب الظهور بمظهر السلطة التي تستعدّ لاحتواء تداعيات حرب تستهدف حزب الله وبيئته. والتبريرات التي روّجها رئيس الحكومة وفريقه لا تصمد أمام الوقائع، إذ إن كثيراً من الإجراءات اللوجستية والتنظيمية كان يمكن التحضير لها مُسبقاً، لو توفّرت الإرادة السياسية.

حنين السيد تعمّدت عرقلة إيصال المساعدات

كلّف رئيس الحكومة وزيرة الشؤون الاجتماعية بتنسيق الاستجابة لأزمة النزوح. إلا أن الآلية التي اعتمدتها، بحسب مُعطيات ميدانية وشهادات عاملين في القطاع الإنساني، عرقلت توزيع المساعدات داخل مراكز الإيواء، ومنعت توزيعها خارجها. احتكرت السيد قرار تحديد نوع المساعدات، ومكان توزيعها، والجهة المخوّلة تنفيذ ذلك، ومنعت تقديم أي مساعدة من دون موافقتها، ما جعل وكالات الأمم المتحدة والمنظّمات الدولية الشريكة مضطرة إلى الحصول على موافقة الوزارة قبل أي عملية توزيع داخل المراكز. ولم يكن ذلك مُيسّراً، إذ كان يمرّ بمراحل عدة، ما أدّى في كثير من الحالات إلى تأخير توزيع المساعدات لنحو أسبوعين، في وقت كانت احتياجات النازحين تتفاقم يوماً بعد يوم. وأثار هذا الواقع استياءً لدى عدد من وكالات الأمم المتحدة، التي رأت فيه «خنقاً» لقدرتها على التحرّك بمرونة والاستجابة السريعة للحاجات الإنسانية.

كذلك منعت السيد المحافظين والقائمّقامين ورؤساء البلديات من استقبال المساعدات من المنظّمات الدولية أو المبادرات المحلية وتوزيعها مباشرة داخل مراكز الإيواء وخارجها، رغم أن ذلك كان من شأنه تسريع تلبية احتياجات النازحين. كما حُرم هؤلاء من ممارسة دورهم الطبيعي في إدارة الأزمة ضمن نطاقهم الإداري، رغم امتلاكهم مُعطيات أكثر دقّة حول أعداد النازحين واحتياجاتهم.

وفي السياق نفسه، مُنعت منظّمات كانت تمتلك مساعدات جاهزة للتوزيع من إيصالها إلى النازحين خارج مراكز الإيواء، بذريعة أن الوزارة تعمل على إعداد آلية لمسح الاحتياجات وتنظيم التوزيع، رغم أن هذه الفئة لم تكن تتلقّى أي دعم فعلي. تصرّفت السيد مع أوضاع هؤلاء وكأنهم قضية يمكن تأجيلها، متجاهلة أن المعايير الإنسانية الدولية تحدّد بوضوح أولويات الاستجابة في مثل هذه الحالات. ولم تسلم حتى الفرق الطبية من هذا النهج، إذ أخّرت الوزيرة وصول وجبات الطعام الجاهزة إلى الفرق الطبية الصامدة في النبطية، لأن عملية التوزيع لم تكن مُنسّقة مُسبقاً معها.

أمّا أداء عدد من مندوبي الوزارة في الميدان، فلم يكن أفضل حالاً. في بعض مراكز الإيواء، منع هؤلاء ممثّلي جمعيات أهلية من التحدّث إلى النازحين الذين كانوا يشكون من نقص المساعدات، وفي حالات أخرى منعوا شركاء لوزارة الصحة من تقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، بحجة عدم الحصول على موافقة مُسبقة من «الشؤون».

وفي موازاة ذلك، سعت الوزارة، إلى تقديم صورة إعلامية مُضلّلة. فطلبت مستشارة الوزيرة، ماري غيه، من مندوبي الوزارة في مراكز الإيواء التقاط صور مع نازحين «تبدو أوضاعهم جيدة». إلا أن هذه الصورة الترويجية الخادعة اصطدمت بآلاف الصور والتقارير التي وثّقت عائلات افترشت الأرض، ونقصاً حاداً في البطانيات ووسائل التدفئة، خصوصاً في المناطق الجبلية، فضلاً عن النقص في الغذاء ومواد التنظيف الأساسية.

ريما كرامي أخّرت الإيواء

تعاملت وزيرة التربية ريما كرامي مع النازحين بعقلية إدارية أقرب إلى إدارة مدرسة منها إلى إدارة أزمة إنسانية. ففي تعميم أصدرته، فرضت تسجيل أسماء النازحين عند الدخول إلى مراكز الإيواء والخروج منها، ومنعت استقبال أيّ زائر إلا بعد الحصول على إذن مُسبق وإبراز هويته. وفي الوقت الذي كانت رقعة العدوان تتوسّع وتتزايد معه أعداد النازحين، تلقّت كرامي، خلال شهر أيار، عدة طلبات من وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد لتزويدها بلائحة مدارس رسمية إضافية يمكن استخدامها كمراكز إيواء. إلا أن كرامي، بحسب معلومات «الأخبار» آنذاك، رفضت تزويد الوزارة بهذه اللائحة، مبرّرة ذلك بـ«ضرورة البحث عن مرافق أخرى غير المدارس لتحويلها إلى مراكز إيواء، والبدء بالتحضير لإخلاء المدارس المُستخدمة تمهيداً لاستئناف العام الدراسي».

وأمام هذا الموقف، اضطر المسؤولون في وكالات الأمم المتحدة، ولا سيما العاملون في قطاع الإيواء، إلى ممارسة ضغوط من أجل تسريع تأمين مراكز إضافية. فجاءهم الجواب بأن «الوزيرة تحتاج إلى أسبوعين لوضع المعايير التي سيُبنى عليها اختيار المدارس».

وهذا التبرير يثير أكثر من علامة استفهام. فإذا كانت المدارس التي استُخدمت منذ الأيام الأولى للحرب قد اختيرت وفق معايير واضحة، فما الحاجة إلى أسبوعين إضافيين لوضع معايير جديدة؟ أمّا إذا لم تكن هناك معايير أساساً، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول الأسس التي اعتُمدت لاختيار مراكز الإيواء منذ البداية. وفي الحالتين، بدا التأخير أقرب إلى المماطلة الإدارية منه إلى استجابة تفرضها ضرورات العمل الميداني، فيما كانت أعداد النازحين تتزايد يومياً وحاجتهم إلى مراكز إيواء جديدة تزداد إلحاحاً.

ندى أيوب _ الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24