
مقالات استشهاد اسبرنزا غندور: المكان الذي انطفأ
06/07/202617:29:12
انكسر شيءٌ في النبطية اليوم مع خبر استشهاد اسبرنزا غندور. لم يكن وقع الخبر عادياً على من عرفوها، بل بدا لكثيرين وكأن المدرسة نفسها فقدت روحها، وكأن مكاناً كاملاً انطفأ فجأة.
مديرة روضة يوسف سلمان شمعون الرسمية استشهدت بغارة إسرائيلية نفّذتها طائرة مسيّرة، أثناء وجودها مع والدتها وعاملة منزلية وعامل يعمل معهم، في النبطية، في مكان لم يكن يُفترض أن يكون في قلب الخطر. رحلت فجأة، تاركة وراءها صدمة ثقيلة.
صديقة عمرها، مريم شميساني، مديرة روضة أيضاً، لا تتحدث عنها كمديرة مدرسة، بل كإنسانة رافقتها سنوات طويلة. تقول إنها كانت «طاهرة، خدومة، وصاحبة قلب كبير، امرأة تحب الناس ببساطة ومن دون تصنّع».
تحمل المرأة الخمسينية اسماً إسبانياً يعني «الأمل». اسم يشبهها فعلاً، كما تقول شميساني. «كانت حيوية، كثيرة الحركة، حاضرة دائماً، وصاحبة شخصية قوية وواضحة. تؤمن بالقضية الفلسطينية وبالجنوب الذي تنتمي إليه، وتدافع عما تؤمن به بلا خوف».
منذ عام 1995 بدأت عملها في المجال التربوي، متنقلة بين التعليم والإدارة، قبل أن تصبح مديرة وواحدة من الوجوه المعروفة في التعليم الرسمي. لكن أكثر ما ترك أثراً لدى من عملوا معها، لم يكن موقعها الإداري، بل طريقتها مع الناس.
في السنوات الصعبة التي عاشها التعليم الرسمي، حين كان المعلمون يداومون، رغم غياب الرواتب والأزمات المتلاحقة، كانت اسبرنزا السبب الذي يدفع كثيرين للاستمرار.
كانوا يشعرون أنها تتعب معهم، وتحمل همهم فعلاً، لا بالكلام فقط. كانت تلاحظ الحزن من النظرة، والتعب من الصمت، وتحاول دائما أن تخفف عن المحيطين بها.
أحبّت المدرسة، بكل تفاصيلها. كانت تدخل الاحتفالات المدرسية بحماس يشبه الأطفال، وتشارك الجميع مناسباتهم، ولا تنسى عيداً أو مناسبة. بالنسبة إلى زملائها، لم تكن مجرد مديرة، بل شخصاً يشعرون معه بالأمان.
لديها ابن وحيد يعيش خارج لبنان، فيما كان زوجها مسافراً حين وصله خبر استشهادها عبر وسائل الإعلام. تفاصيل صغيرة لكنها تجعل الخسارة أكثر قسوة، وأكثر إنسانية.
قبل يوم واحد فقط من رحيلها، كانت تتحدث بشكل طبيعي مع أقاربها وتتابع يومها كعادتها. لم يكن أحد يتخيّل أن تلك الأحاديث العادية ستكون الوداع الأخير.
رحلت اسبرنزا غندور، لكن صورتها بقيت في ذاكرة كل من عرفها: امرأة أعطت عمرها للتربية، وأحبّت الناس بصدق، فبادلها الناس المحبة نفسها. ثم بكوها جميعاً دفعة واحدة.
فاتن الحاج _ الأخبار
جاري تحميل الخبر التالي...