
مقالات تشييع السيد علي الخامنئي.. عندما يتحول التشييع إلى استفتاء سياسي
06/07/202613:08:25
ليست كل الجنازات مجرد مراسم وداع، فثمة جنازات تتحول إلى حدث سياسي وتاريخي يعيد رسم المشهد بأكمله.
وما شهدته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في تشييع قائدها الشهيد السيد علي خامنئي، لم يكن مجرد مراسم دفن لقائد دولة، بل كان مشهداً استثنائياً حمل رسائل سياسية وشعبية تجاوزت حدود إيران إلى العالم بأسره.
لقد امتلأت الشوارع والساحات بموجات بشرية متدفقة، فيما امتدت مراسم التشييع لأيام عدة عبر مدن مختلفة، وسط مشاركة جماهيرية وصفتها معظم وسائل الإعلام العالمية بأنها ضخمة وغير مسبوقة في تاريخ إيران الحديث.
وبينما تحدثت التقديرات الرسمية عن مشاركة تتراوح بين 15 و20 مليون شخص، ذهبت تقارير أخرى إلى تقديرات أعلى وصلت إلى نحو 30 مليون مشارك خلال مجمل مراسم التشييع في إيران والعراق، في حين اكتفت وكالات دولية بالحديث عن حشود هائلة دون تبني رقم محدد، وهو ما يعكس صعوبة إحصاء تجمعات بهذا الحجم.
لكن، وبغض النظر عن الرقم النهائي، فإن الصورة وحدها كانت كافية لتقول ما عجزت عنه آلاف التقارير والتحليلات. فالمشهد لم يكن يحتاج إلى مترجم أو محلل سياسي. ملايين الوجوه، وسيلٌ بشري امتد إلى ما لا نهاية، وطقوس وداع استمرت أياماً؛ كلها كانت تعبيراً عن حالة وجدانية وسياسية يصعب تجاهلها.
سقوط الرواية الغربية:
لسنوات طويلة، بنت الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية خطابها السياسي والإعلامي على فرضية أن النظام الإيراني يعيش حالة عزلة عن شعبه، وأن الإيرانيين ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض عليه، وأن أي مواجهة خارجية أو ضغوط اقتصادية ستؤدي تلقائياً إلى انهياره من الداخل.
لكن مشاهد التشييع أعادت طرح سؤال جوهري: كيف يمكن تفسير خروج هذه الأعداد الهائلة إذا كان النظام يفتقد إلى أي حاضنة شعبية؟
قد يختلف المراقبون في تفسير حجم المشاركة، فمنهم من يرى أنها تعبير عن التأييد السياسي، ومنهم من يعتبرها انعكاساً لعوامل دينية أو وطنية أو اجتماعية، إلا أن إنكار ضخامة الحدث نفسه أصبح أمراً بالغ الصعوبة في ضوء الصور والمشاهد التي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية.
مفاجأة لواشنطن:
الرئيس الأميركي دونالد ترامب والإدارة الأميركية تحدثا مراراً عن أن الضغوط العسكرية والسياسية تستهدف (تحرير الشعب الإيراني) من نظامه، إلا أن مشهد التشييع أوجد واقعاً مختلفاً عن الرواية التي رُوِّج لها.
فالرهان الأميركي كان يقوم على أن يؤدي اغتيال القيادة الإيرانية إلى إسقاط النظام وإحداث تصدع داخلي، لكن الذي ظهر في الشوارع كان، على الأقل في تلك اللحظة، مشهداً مختلفاً اتسم بتجمعات جماهيرية كبيرة وشعارات رافضة للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى اعتبار مراسم التشييع أيضاً رسالة سياسية موجهة إلى الخارج.
الرواية الأميركية… هل تتكرر؟
ليست هذه المرة الأولى التي ترفع فيها الولايات المتحدة شعار (تحرير الشعوب).
لقد قيل ذلك في العراق عام 2003، وكانت النتيجة مئات آلاف الضحايا، وانهيار مؤسسات الدولة، وصعود الإرهاب، وحروبًا أهلية امتدت سنوات طويلة.
وقيل الأمر ذاته في ليبيا، فانتهى البلد إلى انقسام سياسي وأمني ما زالت آثاره مستمرة.
ورُفعت الشعارات نفسها في سورية واليمن وأفغانستان، لتجد شعوب تلك الدول نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً من الوعود التي سبقت التدخلات.
وهنا يبرز السؤال المشروع: إذا كانت واشنطن تحسب نفسها حريصة إلى هذا الحد على حرية الشعوب، فلماذا ارتبطت معظم تدخلاتها العسكرية في المنطقة بانهيار الدول وتفكك المجتمعات واتساع رقعة الفوضى؟
بين الصورة والواقع
قد لا تكون المشاركة في جنازة دليلاً كافياً وحده لقياس حجم التأييد السياسي لأي نظام، كما أنها لا تنفي وجود معارضين أو احتجاجات داخلية شهدتها إيران في مراحل مختلفة.
إلا أن المشهد الجماهيري الضخم يفرض نفسه بوصفه معطىً سياسياً لا يمكن تجاهله أو محوه بخطاب إعلامي مسبق.
فالسياسة لا تُقاس فقط باستطلاعات الرأي، بل تُقاس أيضاً باللحظات التاريخية الفاصلة التي تنزل فيها الجماهير إلى الشوارع بصورة تلقائية عاطفية وطنية لتعلن موقفاً أو تعبر عن هوية وطنية أو دينية.
الرسالة الأهم:
ربما كانت الرسالة الأبرز التي حملها هذا التشييع أن الشعوب، عندما تشعر بأنها تواجه تهديداً خارجياً، كثيراً ما تعيد الالتفاف حول دولها ورموزها، بصرف النظر عن حجم الخلافات الداخلية.
لقد أرادت الولايات المتحدة أن تقدم نفسها بوصفها نصيراً للشعب الإيراني، لكن المشاهد التي خرجت من طهران ومدن إيران المختلفة قدمت رواية أخرى، و فرضت على العالم إعادة النظر في الصورة النمطية التي رُسمت عن العلاقة بين الدولة الإيرانية وجزء واسع من مجتمعها.
ويبقى المؤكد، أن التاريخ سيتوقف طويلاً أمام هذه الجنازة، ليس فقط بسبب حجمها، بل لأنها تحولت إلى حدث سياسي بامتياز، وإلى استفتاء شعبي قرأه كل طرف بطريقته، لكنه أثبت مرة جديدة أن الوقائع على الأرض كثيراً ما تكون أكثر تعقيداً من الشعارات التي تُرفع في العواصم الكبرى.
منير شحادة-العهد
جاري تحميل الخبر التالي...