وصاية جديدة باسم السلام
مقالات

وصاية جديدة باسم السلام

30/06/202608:24:42

إنّ الاتفاق الإطاريّ الذي وقّعته سفيرة لبنان في واشنطن مع سفير دولة الإبادة الصهيونيّة، لا يشكّل استعادةً للسيادة اللبنانية كما تريد بيانات الرئاسة اللبنانيّة أن تصوّرها، بل يمثّل أخطر تنازل سياسي واستراتيجي منذ عقود، إذ ينقل القرار اللبناني من إرادة الدولة الحرة إلى نظام وصاية خارجية تقودها الولايات المتحدة، ويحوّل مفهوم السيادة من حقّ وطنيّ غير قابل للتصرف إلى التزام مشروط يُقاس برضى القوى الأجنبية وآليات التحقّق التي تضعها.

فالسيادة، وفق القانون الدولي، تعني المساواة الكاملة بين الدول واستقلال قرارها الوطنيّ. أمّا هذا الاتفاق، فيجعل تنفيذ الالتزامات اللبنانيّة خاضعاً للتحقّق الأميركي، ويربط إعادة الإعمار، والمساعدات المالية، وحتى «إعادة انتشار» (وليس انسحاب) قوّات الاحتلال الإباديّة، بشروط أداء تحدّدها واشنطن، لا المؤسسات اللبنانيّة.

وهكذا يصبح القرار الوطني رهينة رقابة خارجية دائمة، في سابقة تمسّ معنى استقلال الجمهورية.

والأخطر أن الاتّفاق يتبنّى بالكامل الرواية الصهيونيّة للحرب، إذ يقرّر أن الهجوم العسكريّ الإسرائيليّ جاء حصراً نتيجة «الجماعات المسلحة» غير التابعة للدولة، متجاهلاً الاحتلال، والانتهاكات الإسرائيلية المتكرّرة للسيادة اللبنانيّة، والاعتداءات المستمرّة على المدنيّين والبنى التحتية، ومحو قرى بأكملها. وبذلك يمنح العدوّ تبريراً سياسياً وقانونياً مُسبقاً لحروبه السابقة، من دون أي إقرار بمسؤوليّة دولة الإبادة وإلزامها بالتعويض والمحاسبة.

كما أن الاتفاق لا يفرض على إسرائيل أيّ التزام مماثل لما يفرضه على لبنان. فبينما يُلزِم الاتّفاق لبنان بنزع السلاح، وتغيير بنيته الأمنيّة، وإخضاع نفسه لآليات تحقّق دولية، لا يقدّم أي ضمانات مُلزِمة بشأن وقف الاعتداءات «الإسرائيلية»، أو الانسحاب الكامل غير المشروط، أو احترام السيادة اللبنانية، بل يترك لدولة الإبادة العنصريّة حقّ التذرّع «بالدفاع عن النفس» وفق تفسيرها الخاص.

ويكشف النص عن اختلال في موازين الالتزامات؛ فلبنان يقدّم تنازلات سيادية وأمنية واسعة منذ اليوم الأول، بينما تبقى الالتزامات الإسرائيلية مستقبلية ومشروطة، ويظلّ تنفيذها مرتبطاً بتقديراتها الأمنيّة الخاصة. وبهذا يشكّل هذا الإطار ترتيباً يفرض على طرف واحد إعادة تشكيل نظامه الأمنيّ والسياسيّ مقابل وعود غير مضمونة لطرف أعلن مراراً مشاريعه لاحتلال أراضي لبنان.

ثمّ إنّ إنشاء مجموعات عمل لإعداد «اتفاق شامل للسلام»، وفتح قنوات اتّصال مباشر ودائم بين الحكومتين، لا يشكّل ترتيبات أمنية، وإنّما يُعدّ انتقالاً تدريجيّاً نحو مسار تطبيع سياسيّ كامل.

وعدا أنّ التطبيع بالنسبة إلينا مرفوض من أساسه، فإنّ مساراً ذليلاً مثل هذا لا يراعي حتّى معالجة القضايا الجوهرية المتعلّقة بالاحتلال والانتهاكات وحقوق لبنان.

ومن أخطر ما يتضمّنه هذا الاتفاق التزام الطرفين بـ«وقف كل الأعمال العدائية أو الضارّة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية».

فهذا البند لا يقتصر على تهدئة الخطاب السياسي، بل يقيّد عملياً حقّ لبنان في استخدام الوسائل السلميّة التي يكفلها القانون الدولي للدفاع عن سيادته وحقوقه.

فالتوجه إلى الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن، أو محكمة العدل الدولية، أو المحكمة الجنائية الدولية، أو مجلس حقوق الإنسان، ليس عملاً عدائياً، بل هو من صميم الحقوق السياديّة للدول، ويشكّل بديلاً عن اللجوء إلى القوّة، خاصّة عندما تكون القدرة غائبة كما شاءت الدولة اللبنانيّة لقدرتها أن تكون.

إنّ التعهد بالامتناع عن هذه المسارات، يعني عمليّاً تحييد القانون الدولي لمصلحة الدولة الأقوى عسكرياً، وتجريد لبنان من إحدى أهم أدواته الدبلوماسية والقانونية في مواجهة الاحتلال والانتهاكات والاعتداءات.

إنّ تحويل المطالبة بالعدالة الدوليّة إلى سلوك محظور يكرّس الإفلات من المُساءلة، ويحاول أن يمنح العدوّ حصانة سياسيّة وقانونيّة من أي ملاحقة مستقبليّة، ويريد للضحيّة أن تتنازل مُسبقاً عن حقّها في المطالبة بالإنصاف والتعويض والمحاسبة.

وإذا صح هذا النص، فإنه يتجاوز كونه تنازلاً سياسياً، إذ يشكّل في الواقع مساساً خطيراً بحقوق سياديّة أصيلة لا يجوز لأي حكومة أو رئيس أو مجلس نوّاب أن يتخلّى عنها أو يقيّد ممارستها. فالتنازل عن حق لبنان في اللجوء إلى المحافل السياسيّة والقانونيّة الدوليّة يفرّط بأداة دبلوماسيّة، ولكن الأخطر أنّه ينقض جوهر التفويض الشعبي الممنوح للمسؤولين، ويحيل السلطة من موقع الدفاع عن حقوق الدولة إلى موقع التنازل عنها، بما يرقى إلى خيانة سياسية صريحة للأمانة الوطنية.

ومن البنود المعادية لمصالح لبنان أنّ إعادة إعمار لبنان تتحوّل إلى أداة ضغط سياسيّ، بحيث تصبح المساعدات الدولية والاستثمارات مشروطة بالامتثال الكامل للبرنامج الأمنيّ الذي ترعاه الولايات المتحدة.

وبذلك يغدو حقّ اللبنانيين في إعادة بناء وطنهم امتيازاً يمنحه المانحون، لا حقّاً ثابتاً للشعب الذي دُمّرت أرضه ومدنه. غير أنّ هذا الابتزاز لا ينبغي أن يُرهِب اللبنانيين؛ فلبنان، بما يمتلكه من طاقات اقتصاديّة وبشريّة واغترابيّة، قادر على النهوض وإعادة الإعمار من موقع القدرة الوطنيّة، لا من موقع الارتهان أو الاستجداء.

هذا الاتفاق المسخ، بصيغته الحالية، لا يعيد السيادة إلى لبنان، بل يصادر معناها، ويحوّل الدولة اللبنانية من صاحبة قرار وطني حرّ إلى جهاز تنفيذي لبرنامج أمني وسياسي مفروض من الخارج. لقد عرف التاريخ الأوروبيّ نموذجاً تَمثّل في حكومة فيشي الفرنسية، التي احتفظت بمظاهر الدولة بينما خضعت قراراتها الأساسية لإرادة قوة خارجيّة. ولا يعني استحضار هذا المثال القول بتطابق الظروف التاريخيّة أو القانونيّة، وإنما التنبيه إلى الخطر الذي ينشأ عندما تصبح السيادة الشكلية غطاءً لقرار سياسيّ وأمنيّ تحدّده قوى أجنبية، ويُختزل دور الدولة في تنفيذ ما يُملى عليها مقابل وعود (مجرّد وعود) بالأمن أو إعادة الإعمار.

إنّ لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى سلام يقوم على اختلال السيادة، ولا إلى إعادة إعمار مشروطة بالتنازل عن استقلال القرار الوطني. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الإملاءات، بل على حشد مصادر القدرة الداخليّة، وصون السيادة، وانسحاب العدوّ غير المشروط من الأراضي المحتلة، واحترام القانون الدوليّ، والمحاسبة على الجرائم والانتهاكات، وضمان الحقوق الوطنية اللبنانية كاملةً ومن دون انتقاص.

إنّ مَن يحترم السيادة اللبنانية غير القابلة للتجزئة، يرفض أي نظام وصاية أو رقابة خارجيّة على القرار الوطني، حفاظاً على استقلال لبنان وحرّية شعبه ومستقبل دولته ووحدة أراضيه، وعليه فإنّ مطلق أيّ مواطن حريص على بلاده، ومهما بلغت خصومته السياسيّة مع أطراف حزبيّة داخل بلاده، ينبغي أن يرفض هذا الاتفاق، وأن يطالب بإسقاطه سياسياً ودستورياً، وبمحاسبة كل من يحميه أو يسعى إلى تنفيذه.

وهذا يقتضي تأسيس جبهة وطنية عابرة للطوائف والمذاهب والانقسامات الحزبية، يكون هدفها صدّ هذا الاتفاق ومنع تمريره وإسقاطه، دفاعاً عن لبنان الدولة، لا عن أي فئة أو محور أو حزب.

خريستو المر-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24