الاتفاقات المركّبة.. وقت مستقطع إلى حين المواجهة؟
مقالات

الاتفاقات المركّبة.. وقت مستقطع إلى حين المواجهة؟

30/06/202608:15:02

ليلة الخميس الجمعة الواقعة في 25 – 26 حزيران يونيو 2026، حاولت ناقلة نفط العبور من مضيق هرمز من دون أخذ الإذن الإيراني فتعرضت لهجوم من قبل الحرس الثوري. كانت هذه الناقلة الأميركية التي تتموه بعلم دولة ثالثة تحاول العبور في إطار محاولة أميركية لاختبار مدى جدية الإيرانيين في تأكيد حقهم بالسيادة على مضيق هرمز، وأيضاً محاولة لتمييع بنود اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران والذي شكل موضوع سيادة إيران على مضيق هرمز ركيزته الأساسية.

وبذريعة الرد على الهجوم على الناقلة قامت القوات الأميركية بقصف جزر إيرانية قريبة من مضيق هرمز ما استدعى رداً إيرانياً تمثل باستهداف القواعد الأميركية في البحرين والكويت وغيرها.

بالتوازي مع محاولة الولايات المتحدة خرق بنود الاتفاق مع إيران في مضيق هرمز، جرى تلاعب آخر في بنود الاتفاق عبر محاولة فصل الساحات، والذي تمثل بضغط الولايات المتحدة على رئيس الجمهورية اللبناني لإعطاء موافقته على توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار مع العدو الإسرائيلي يتجاوز البعد التقني ليرقى إلى اعتراف لبنان بكيان العدو والتطبيع معه.

اتفاق 17 أيار جديد

فبقراءة متأنية لبنود الاتفاق نجد أن البند الأول يتضمن تأكيد “إسرائيل ولبنان على حق كل دولة في الوجود بسلام، ورغبتهما المشتركة في العيش بأمان كدولتين سياديتين متجاورتين. وتعلن إسرائيل ولبنان عزمهما على إنهاء الصراع بشكل نهائي، ومعالجة أسبابه الجذرية، وبالتالي إنهاء أي حالة حرب بينهما بشكل رسمي،” إضافة الى “عزمهما على حل هذه القضايا كدولتين ذواتي سيادة من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة.”

كذلك فإن نص الاتفاق الإطاري شرعن بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في المناطق التي تحتلها رابطاً انسحابها بتفكيك حزب الله ونزع سلاحه عبر تأكيده على بند يؤكد ضرورة “التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها، ما يُمكّن الجيش الإسرائيلي من إعادة الانتشار تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية،” رابطاً ذلك بملحق أمني تم إعداده في الولايات المتحدة.

ويربط الاتفاق الإطاري الانسحاب الإسرائيلي بتدرج الدولة اللبناني في تنفيذ بنود الاتفاق بشرط “إنهاء وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية” وعلى تولّي الجيش تدريجياً المسؤولية الأمنية في المناطق المحاذية لتلك التي تسيطر عليها قوات الاحتلال بما يجعل الجيش عملياً قوة عازلة بين المقاومة من جهة وقوات الاحتلال من جهة أخرى، ويحتّم تصادم المقاومة مع الجيش في حال أصرت على مواصلة عملياتها ضد الاحتلال، ما قد يدفع باتجاه حرب أهلية لبنانية، وهو ما أشار إليه معلقون سياسيون إسرائيليون.

والأخطر في الأمر أن هذا الاتفاق الإطاري ينص على لجوء الحكومة اللبنانية إلى دعم الولايات المتحدة والدول العربية لتحقيق غرض نزع “سلاح الجماعات المسلحة” ما يعيد إلى أذهاننا تجربة القوات متعددة الجنسية التي انتشرت في لبنان في العام 1982 وشاركت في القتال ضد القوى التي انبرت لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي في ذلك الوقت.

وقد وصل الحد بالاتفاق الإطاري إلى التزام الحكومة اللبنانية بتشكيل آليات تنسيق عسكري برعاية أميركية و”إطلاق برنامج مشروط لدعم الجيش اللبناني وإعادة إعمار لبنان وانعاش اقتصاده” وهو ما يشكل ابتزازاً للبنانيين اقتصادياً حارماً إياهم من فرصة إعادة اعمار بيوتهم المهدمة إلا إذا تم تحييد المقاومة والقبول بالاحتلال الإسرائيلي والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

والجدير ذكره في هذا الإطار، أن نص الاتفاق أشار صراحة إلى ضرورة “ضمان ألا تصل أموال الإعمار إلى الجماعات المسلحة” أي إلى البيئة الداعمة للمقاومة وتأكيده على “إنشاء مجموعات عمل ومسارات تفاوض مباشرة للتوصل إلى اتفاق سلام وأمن شامل، واتخاذ إجراءات لبناء الثقة، وصولاً إلى سلام دائم واستقرار إقليمي بدعم ووساطة الولايات المتحدة.”

وإذا قارنا بنود الاتفاق الإطاري ببنود اتفاق 17 أيار نجد تطابقاً كبيراً في المضمون وحتى الشكل، وكأن الولايات المتحدة و “إسرائيل” وبعض النخب اللبنانية، ومن ضمنها رئيس الحكومة الذي كان عضواً في الوفد المفاوض اللبناني آنذاك، تحاول تطبيق ما عجزت عن إنجازه قبل 43 عاماً.

رد محور المقاومة

جاء الرد سريعاً من المقاومة في لبنان، إذ نزل مؤيدو حزب الله وأيضاً الرافضون للاتفاق من الأحزاب والتيارات الأخرى إلى الشارع معبرين عن رفضهم للاتفاق الإطاري. وفي هذا الإطار فإنه بناء على أن لبنان يشكل معياراً على مدى تقدم أو تعثر المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، خصوصاً أن طهران وضعت لبنان بنداً أول في شروطها لقبول وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، نجد أن مجرد الدفع باتجاه هذا الاتفاق الإطاري يؤشر إلى أن المفاوضات لا تجري على خير ما يرام بين الولايات المتحدة وإيران.

ويمكن الانطلاق من الساحة اللبنانية إلى الخليج والبناء على تجدد التوتر هناك في ظل تبادل القصف الدائر بين الأميركيين والإيرانيين. ويبدو أن القيادة الإيرانية باتت تعي حقيقة أن الأمور قد تتجه إلى تجدد المواجهة مع الولايات المتحدة.

بناء على ذلك، يمكن فهم البيان الصادر عن مجلس خبراء القيادة في إيران والذي صوت لصالحه 62 من أصل 86 عضواً وأيد فيه قرارات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد مجتبى الخامنئي، مشدداً على ضرورة التزام المفاوضين الإيرانيين بها، معتبراً أن الولايات المتحدة تحاول استغلال المفاوضات لإعادة بناء ترسانتها العسكرية لتجديد الهجوم على الجمهورية الإسلامية.

وفي ما يتعلق بالبنود، فإن البند الأول شدد على عدم التنازل عن أي بند من بنود التفاوض مع الولايات المتحدة ومن ضمنها موضوع حق إيران بالتخصيب الذي شدد المرشد على إخراجه من دائرة التفاوض، وتلازم وقف إطلاق النار في كل الساحات مع ضرورة انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من لبنان من دون قيد أو شرط مع ما يتضمنه ذلك من ضرورة الإعمار.

أما البند الثاني، فلقد شدد على ضرورة الانتقام من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو لاغتيالهما قادة إيرانيين على رأسهم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإمام علي الخامنئي والجنرال قاسم سليماني وغيرهما. كذلك فلقد شدد البيان على سيادة إيران على مضيق هرمز وضرورة أن تكون حركة العبور فيه في ظل إدارة إيرانية بالتعاون مع الدولة الأخرى المشاطئة للمضيق وهي سلطنة عمان، من دون تدخل من دول غير مشاطئة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

إضافة الى ما تقدم، فلقد شدد البيان على ضرورة رفع جميع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ودفع الولايات المتحدة تعويضات عن الدمار الذي تسبب به عدوانها على إيران، والأهم من كل ذلك التشديد على انسحاب القوات الأميركية من منطقة “غرب آسيا” أي المشرق العربي، وهذا يشكل مؤشراً إضافياً على احتمالات تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في ظل الخطاب عالي النبرة من طرفي النزاع، إضافة إلى تبعات ذلك في مجمل منطقة المشرق العربي.

ويبدو أن القيادة الإيرانية تتحضر لصراع طويل الأمد وهي باتت تحضر الداخل الإيراني لهذه المواجهة. من هنا يمكن أن نفهم تشديد البيان على “رفض خطاب الضعف” بما يمنع المفاوض الإيراني من القبول بأي تنازلات عن البنود التي حددها المرشد كأساس للتفاوض مع الأميركيين.

فالبيان يرسّخ سلطة المرشد عبر التأكيد على أن القرار النهائي في القضايا الاستراتيجية يعود إليه وحده وفقاً لدستور الجمهورية الإسلامية، بما يحتم على رئيس الدولة ورئيس الحكومة والهيئات الأدنى العودة إليه قبل بتّ أي قرار. وفي إطار التحضر لحرب طويلة فإن البيان أكّد مواصلة التعبئة الشعبية فيما شدد البيان على موقف مجلس الخبراء الداعم للقيادة “أي المرشد” وعزمه على التدخل لمواجهة أي انحراف عن الخطوط التي رسخها الإمام السيد مجتبى الخامنئي.

خواتيم المفاوضات

بناء على ما تقدم يمكن الاستنتاج من أن المفاوضات الإيرانية الأميركية قد لا تكون تسير إلى خواتيم إيجابية، وأن المرحلة الحالية قد تشكل فترة هدنة تحاول الإدارة الأميركية تقطيعها حتى إجراء الانتخابات النصفية التي ستجرى في الولايات المتحدة في الخريف المقبل.

في هذا الوقت تحاول واشنطن انتزاع بعض الأوراق بغية تعزيز موقفها قبل تجدد المواجهات، وهذا يفسر ضغطها على لبنان لتوقيع الاتفاق الإطاري مع “إسرائيل” بغية كسر مبدأ وحدة المسارات الذي تصر عليه إيران.

في الوقت نفسه تحاول واشنطن رعاية “ناتو إسلامي” يضم القوى السنية في المنطقة ومن ضمنها تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وباكستان لمحاصرة إيران.

لكن هذا الحلف يواجه تناقضات داخلية خصوصاً أن باكستان ترى في إيران حليفاً طبيعياً في مواجهة التحالف الهندي – الإسرائيلي.

كذلك فإن مصر، التي قد لا ترى في إيران “حليفاً مريحاً”، إلا أنها تعطي الأولوية للخطر على أمنها القومي المتمثل “بإسرائيل” من جهة وبالموقف التركي الملتبس من جهة أخرى، خصوصاً أن مصر باتت محاصرة في أبعاد أمنها القومي بحضور إسرائيلي من جهة أو تركي عبر الجماعات الإسلامية من جهة أخرى في كل من ليبيا والسودان والقرن الأفريقي وسوريا.

في المحصلة فإن كل هذا لا يشي بأننا قد نكون متوجهين إلى سلام في المنطقة بل إلى تجدد للنزاع ولو بأشكال أخرى.

جمال واكيم-الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24