لبنان عقدة التفاهم الحاسمة بين طهران وواشنطن.. من المباحثات إلى اختبار التنفيذ
مقالات

لبنان عقدة التفاهم الحاسمة بين طهران وواشنطن.. من المباحثات إلى اختبار التنفيذ

18/06/202610:15:56

مع كل تعثر في المفاوضات الإيرانية- الأميركية، خلال الأشهر الماضية، كانت قنوات الوساطة الإقليمية والدولية تتدخل لإعادة ضبط المسار ومنع انهياره. لقد نجحت هذه الجهود في معالجة عدد من الملفات الخلافية؛ سواء تلك المرتبطة بمضيق هرمز أم بالأموال الإيرانية المجمدة أم بآليات تنفيذ التفاهم المرتقب.

إلا أن الملف اللبناني بقي الاستثناء الأبرز؛  إذ لم تنجح المقاربات السياسية التقليدية في احتوائه؛ ليتحول تدريجيًا إلى العقدة الأكثر حساسية في مسار التفاهم بين طهران وواشنطن.

منذ مراحل المفاوضات الأولى؛ تعاملت إيران مع الحرب الدائرة في لبنان بأنها جزء أساسي من أي تفاهم شامل مع الولايات المتحدة.

بحسب القراءة الإيرانية؛ بإن معالجة الملفات الإقليمية الأخرى، من دون التوصل إلى صيغة واضحة تضمن إنهاء الحرب على الساحة اللبنانية، لن تكون كافية لإنتاج اتفاق مستقر وقابل للحياة.

لذلك تمسكت طهران بموقف ثابت مفاده أن أي تفاهم لا يتضمن معالجة مباشرة للوضع اللبناني سيبقى ناقصًا، ويفتقر إلى الضمانات الكفيلة باستمراره.

مع اقتراب الجانبين من بلورة الصيغة النهائية للتفاهم، برز خلاف أساسي في طبيعة الالتزام الأميركي المطلوب إزاء لبنان؛ فواشنطن سعت إلى اعتماد صيغة تنص على أنها “ستسعى” إلى تثبيت وقف إطلاق النار والعمل على إنهاء العمليات العسكرية؛؛ ذلك يوفر هامشًا سياسيًا يسمح بالتعامل مع التطورات الميدانية برأيها.

إلا أن طهران رفضت هذه المقاربة، ورأتها صيغة فضفاضة لا تتضمن التزامات واضحة يمكن البناء عليها.

في المقابل؛ أصرت إيران على اعتماد صياغة أكثر إلزاما تنص على أن الولايات المتحدة “تتعهد” بوقف الحرب وضمان استمرارية وقف إطلاق النار، مع إدراج بند إضافي يؤكد احترام سيادة لبنان واستقلاله ووحدة أراضيه.

لم يكن الخلاف، هنا، لغويًا أو شكليًا، إنما ارتبط بجوهر التفاهم نفسه وبطبيعة الضمانات التي تسعى طهران إلى الحصول عليها.

بالنسبة إلى القيادة الإيرانية، لا يعدّ بند السيادة اللبنانية مجرد إعلان سياسي أو ديبلوماسي، هو يمثل الركيزة الأساسية التي سيبنى عليها مستقبل الاتفاق.

إذ تأكيد سيادة لبنان واستقلاله يعني عمليًا، وفقًا للقراءة الإيرانية، أن أي وجود عسكري “إسرائيلي” داخل الأراضي اللبنانية بعد دخول التفاهم حيز التنفيذ سيعتد انتهاكًا مباشرًا للالتزامات الواردة فيه.

من هنا؛ ترى طهران أن مسؤولية الولايات المتحدة لا تقتصر على رعاية الاتفاق؛ أيضًا تمتد إلى العمل على ضمان انسحاب “إسرائيل” من الأراضي اللبنانية ومنع أي خرق يمس السيادة اللبنانية. إذ إن إيران لا ترى الملف اللبناني بندًا تفصيليًا ضمن حزمة التفاهمات؛ هو من ضمن المعايير الذي ستقاس على أساسه صدقية الالتزامات الأميركية.

مسار المباحثات تعرض، في أكثر من مناسبة، لاختبارات صعبة أبرزها استهداف الاحتلال الإسرائيلي الضاحية الجنوبية، وهو ما أثار شكوكًا واسعة داخل دوائر القرار الإيرانية بشأن جدية الضمانات الأميركية وقدرة واشنطن على التأثير في السلوك “الإسرائيلي”.

كما رأت طهران أن تلك الضربة أعادت أزمة الثقة إلى الواجهة؛ لا سيما في ظل المعلومات التي تحدثت عن إبلاغ الولايات المتحدة مسبقا بالعملية العسكرية. مع تصاعد المخاوف من انهيار المسار السياسي؛ تحركت الوساطة القطرية بشكل مكثف، وأجرت سلسلة من الاتصالات مع الجانبين بهدف احتواء التداعيات ومنع انهيار التفاهم؛ حيث استغلت طهران هذا التصعيد “الإسرائيلي” وعدلت في مطلبها بتحديد الجهات المتحاربة،  وطالبت بوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب بين ايران و حزب الله من جهة و أميركا و”إسرائيل” من جهة أخرى.

بعد وقف النار؛ استمرت الخروقات “الإسرائيلية” في جنوب لبنان، وهنا انتقل الاهتمام من مرحلة البحث في النصوص إلى مرحلة مراقبة السلوك الميداني؛ لأن أي تفاهم لا يثبت قدرته على الصمود على الأرض يفقد قيمته السياسية.

مع ارتفاع حدة الخروقات “الإسرائيلية”؛  برز تطور لافت برز في امتناع المستوى السياسي الإيراني عن إصدار مواقف أو تصريحات مباشرة حيال الأحداث الميدانية في لبنان وترك الملف للمؤسسة العسكرية الإيرانية.

في هذا الصدد؛ جاء التحذير الصادر عن مقر خاتم الأنبياء ليشكل أول موقف رسمي عسكري يتناول الخروقات “الإسرائيلية بعد تثبيت التفاهمات؛ حيث يحمل هذا التطور دلالات سياسية وعسكرية بالغة الأهمية. صمت القيادة السياسية  النسبي يوحي بأن طهران ترى أن مهمة الدبلوماسية  قد انتهت عند حدود إنجاز التفاهم السياسي، والمرحلة اللاحقة أصبحت مرتبطة بالتنفيذ الميداني، أي إن المسؤولية انتقلت من غرف المفاوضات والاتصالات السياسية إلى المؤسسات العسكرية والأمنية المكلفة بحماية التفاهم ومنع انهياره.

بهذا السلوك، توجه إيران رسالة مباشرة إلى واشنطن مفادها أن التفاهم الحالي أو الاتفاق المستقبلي لن يشكل، بأي حال من الأحوال، مظلة حماية لإسرائيل، ولن يمنحها هامشًا لمواصلة العمليات العسكرية تحت غطاء التفاهم مع طهران؛ بل إن الولايات المتحدة بصفتها الطرف الضامن وصاحبة النفوذ الأكبر على إسرائيل  ستكون مسؤولة عن أي خرق لوقف إطلاق النار أو لأي انتهاك للسيادة اللبنانية.

القيادة الإيرانية  تؤكد أن أي إخلال “إسرائيلي” بالتفاهم لن يعفي واشنطن من المسؤولية السياسية والأمنية، ولن يمنع إيران أو حلفاءها من التعامل مع الخروقات بأنها تهديد مباشر للمعادلات الجديدة التي أفرزها الاتفاق.

في الوقت نفسه؛ تشير التقديرات الإيرانية أنه في حال اتجه العدو الإسرائيلي إلى توسيع نطاق المواجهة أو محاولة فرض وقائع جديدة بالقوة؛ فإن المشهد قد يتجه نحو سيناريوهات أكثر خطورة  تشمل استهداف المصالح الأميركية وقوعدها في المنطقة؛ فضلاً عن إعادة تفعيل أوراق الضغط المرتبطة بمضيق هرمز وحركة الملاحة فيه.

مع توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية؛ لا يمكن أن يقاس نجاحها بلحظة التوقيع عليها؛ بل يجب الانتظار لمعرفة قدرتها على اجتياز اختبار التنفيذ؛  فالساحة اللبنانية تحولت إلى المعيار الفعلي لقياس صدقية الالتزامات المتبادلة.

بالنسبة إلى إيران؛ لم يعد وقف إطلاق النار وحده كافيًا؛ بل إن ضمان السيادة اللبنانية وإنهاء أي وجود عسكري “إسرائيلي” داخل الأراضي اللبنانية أصبحا جزءًا لا يتجزأ من منظومة الضمانات المطلوبة لمراقبة الاداء الأمريكي وقدرته على ترجمة التعهدات إلى وقائع ميدانية.

حسن حيدر-العهد

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...