
مقالات مضيق هرمز والعالم: هل نقترب من لحظة العالم ما بعد أميركا؟
12/06/202610:14:32
نحن على الأرجح أمام حرب ستشرحها السنوات. وكما لم تُفهم التأثيرات التي خلقتها الحرب على قناة السويس عام 1956 مباشرةً، إلا بعد أن ظهر تراجع الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، قد لا تُفهم الحرب في مضيق هرمز إلا حين يتضح شكل العالم القادم.
ما يبدو اليوم على أنّه أزمة في ممر مائي قد يكون غداً علامة على انتقال تاريخي.
فالحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر الأفكار التي صنعت الخرائط. وما يحدث اليوم في مضيق هرمز وما حوله قد يكون بداية سقوط فكرة قديمة: أن أميركا تستطيع أن تمسك بكل المفاصل إلى الأبد، وأن إسرائيل تستطيع أن تعيش فوق المنطقة لا داخلها، وأن إيران يمكن خنقها بلا ثمن، وأن دول الخليج تستطيع شراء أمنها من الخارج إلى ما لا نهاية.
هذه الفكرة القديمة تتصدع الآن. أما الفكرة الجديدة، فلم تكتمل بعد. ولهذا بالتحديد لن تظهر نتيجة الحرب الآن.
فالسنوات المقبلة هي التي ستكتب الخاتمة، وربما تكتب معها مقدمة عالم آخر، من عالم تقوده أميركا وحدها، إلى عالم تتزاحم فيه القوى، فيه إيران والصين مفردات أساسية في كتابة فصل ما بعد أميركا.
أنواع الحروب
لا تفهم كل الحروب في لحظاتها الأولى، فبعض الحروب تُرى نتائجها على الخرائط بعد أيام، وبعضها الآخر يحتاج إلى سنوات كي يكتشف تأثيره في توازنات الدول، وفي ثقة الحلفاء، وهيبة الإمبراطوريات.
الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ومضيق هرمز والخليج من النوع الثاني. قد تتوقف النار، وتُفتح المفاوضات، وتنخفض أسعار النفط، لكن ذلك لا يعني أن الحرب انتهت. فالمعنى الحقيقي لهذه الحرب لن يظهر في بيان عسكري أو صورة صاروخ، بل فيما ستؤدي اليه بعد سنوات في النظام الدولي: هل تبقى أميركا ممسكة بمفاصل العالم؟ أم أننا نقترب فعلاً من لحظة العالم ما بعد أميركا؟
شواهد الانكسار الأميركي
الشاهد الأول
مضيق هرمز نفسه. هذا الممر ليس ممراً مائياً عادياً، بل عقدة من عقد النظام العالمي. فيه يعبر 20% من احتياجات الطاقة العالمية، ومعها تطمئن الأسواق الآسيوية، وحسابات الصين، وقلق أوروبا، وثقة الخليج بالمظلة الأميركية.
الإمبراطوريات الكبرى عرفت دائماً قيمة المضائق: جبل طارق، السويس، عدن، باب المندب، ملقا، وهرمز. السيطرة على هذه المخانق كانت تعني السيطرة على حركة العالم.
لذلك نستحضر قناة السويس عام 1956. يومها ظنت بريطانيا وفرنسا أنهما قادرتان على استعادة القناة بالقوة، فإذا بالأزمة تكشف أنهما لم تعودا مركز العالم.
السويس لم تُسقط لندن وباريس في يوم واحد، لكنها أعلنت بداية النهاية. بعدها احتاج الأمر سنوات كي يتضح أن مركز الثقل انتقل إلى واشنطن وموسكو. قد لا تكون هرمز نهاية أميركا فوراً، لكنها قد تكون إحدى العلامات الكبرى على ارتخاء قبضتها والسؤال المشروع حول استمرار صلاحية هيمنتها.
الشاهد الثاني
أميركا – رغم قوتها العسكرية الجبارة – تبدو أقل قدرة على تحويل هذه القوة إلى نظام. هذه ليست مفارقة جديدة: في فيتنام ربحت واشنطن معارك كثيرة وخسرت الحرب.
في العراق عام 2003 أسقطت النظام بسرعة، ثم وجدت نفسها أمام فراغ استراتيجي أكل من هيبتها وفتح الباب لخصومها. في أفغانستان بقيت عشرين عاماً ثم غادرت على صورة انسحاب مذل.
القوة وحدها لا تكفي، خصوصاً إذا لم تنعكس قدرة على إنتاج استقرار يخدم مصالحها. وأميركا اليوم تبدو قادرة على الإيلام، لكنها أقل قدرة على الحسم.
وهنا تقترب نظرية العالم ما بعد أميركا من التحقق، لا بمعنى أن واشنطن ستختفي أو تصبح دولة عادية، بل بمعنى أن قدرتها على الانفراد بإدارة العالم تتآكل وتندثر. لم تعد أميركا قادرة على جمع الحلفاء كما فعلت في حرب الخليج عام 1991. لم تعد أوروبا تسير خلفها بلا تردد.
ولم تعد دول الخليج مطمئنة تماماً إلى أن المظلة الأميركية تكفي لحمايتها. وحتى حلفاؤها في شرق آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، يدركون أن اضطراب هرمز يضرب أمنهم الطاقوي مباشرة.
الشاهد الثالث
الصين. بكين ليست طرفاً مباشراً في الحرب، لكنها حاضرة فيها بقوة. الصين تعرف أن نقطة ضعفها الكبرى هي البحر: تجارتها وطاقتها تمر عبر ممرات يمكن للبحرية الأميركية أن تضغط عليها: تايوان، بحر الصين الجنوبي، ملقا، المحيط الهندي، ثم هرمز وباب المندب.
لذلك بنت الصين تفكيرها الاستراتيجي على البدائل البرية: السكك، الممرات، الربط القاري، وطريق الحرير الجديد.
ومن هنا تصبح إيران بوابة برية إلى الخليج، وممراً نحو آسيا الغربية، وجزءاً من محاولة صينية للخروج من الحصار البحري الأميركي.
الصين لا تتكلم كثيراً وهذه إحدى علامات صعودها. إنها تعمل بمنطق الزمن الطويل: تراقب، تستثمر، تربط الأسواق، تبني سككاً وموانئ، وتترك خصومها يستنزفون. قد تتضرر الصين من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها قد تربح استراتيجياً إذا انشغلت أميركا مرة أخرى في غرب آسيا بدل التفرغ للمنافسة في المحيط الهادئ.
وهذا بالضبط ما يجعل الحرب الحالية أكبر من إيران وأكبر من الخليج: إنها جزء من الصراع الأميركي – الصيني على شكل القرن القادم.
الشاهد الرابع
التطور الإيراني. فمن الخطأ قراءة إيران كدولة محاصرة فقط. الحصار نفسه تحوّل عبر العقود إلى مدرسة استراتيجية. إيران تعودت العقوبات وبنت اقتصاد حرب، وراكمت صناعة صاروخية، وطورت المسيّرات، ونسجت شبكة حلفاء إقليمية، وتعلمت التفاوض تحت الضغط.
لم تعد إيران تعتمد على سلاح واحد أو جبهة واحدة. هي تستعمل الجغرافيا، والطاقة، والمضائق، والتحالفات، والقدرة على الاحتمال.
وهذا تطور كبير: من دولة تدافع عن نظامها بعد الثورة والحرب العراقية – الإيرانية، إلى دولة تحاول فرض نفسها كرقم لا يمكن تجاوزه في أي نظام إقليمي جديد.
الأهم أن إيران طورت ما يعرف بـ«الصبر الاستراتيجي»، خصومها يريدون نتائج سريعة: ضربة خاطفة، انهيار سريع، اتفاق مذل، أو تمرد داخلي. أما إيران فتجيد النفس الطويل.
هذا لا يعني أنها بلا أزمات لكنها ليست دولة رخوة. إنها دولة ذات قدرة على المواجهة والحرب، وذات عمق تاريخي، ومؤسسات صلبة، وقدرة على تحويل الضغط إلى ورقة تفاوض.
لذلك، كل من تعامل معها بمنطق الضربة القاضية اكتشف أن القصة أعقد من ذلك.
الشاهد الخامس
الكيان الإسرائيلي، فإسرائيل التي كانت تُقدَّم بوصفها أصل القوة الأميركية في المنطقة، بدأت تظهر كعبء على الاستراتيجية الأميركية الكبرى.
كلما حاولت واشنطن نقل مركز اهتمامها إلى آسيا لمواجهة الصين، أعادتها إسرائيل إلى حروب الشرق الأوسط. وكلما احتاجت أميركا إلى ترميم صورتها الأخلاقية في العالم، جاءت حرب جديدة لتربطها مجدداً بمشاهد الإبادة والدمار والدعم الأمريكي غير المشروط.
هذه الكلفة لن تظهر كلها الآن، لكنها ستظهر لاحقاً في الوعي الأميركي نفسه، خصوصاً لدى أجيال جديدة لم تعد ترى إسرائيل كما رآها جيل الحرب الباردة.
دول الخليج
أما الخليج، فهو أمام الفترة الأعقد: لا بديل حقيقياً عن الجغرافيا إلا بالسياسة. خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر أو بحر العرب مفيدة، لكنها لا تعوّض هرمز كاملاً. الموانئ البديلة ضرورية، لكنها ليست آمنة في عصر الصواريخ والمسيّرات.
والطاقة المتجددة قد تقلل الاعتماد على النفط مستقبلاً، لكنها لا تحل أزمة اليوم.
البديل الحقيقي هو نظام إقليمي جديد: تعايش سعودي – إيراني، دور تركي وباكستاني ومصري، عودة العراق وسوريا إلى وظيفة التوازن، وخروج الخليج من منطق الارتهان الكامل للخارج.
هذا لا يعني أن الأمر سهل، لكن الضرورة أقوى من المزاج. المنطقة لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد ساحة مفتوحة للأساطيل والقواعد والحروب بالوكالة. وإذا كان العالم يتجه إلى ما بعد الأحادية الأميركية، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله المنطقة هو أن تدخل الزمن الجديد بعقل الزمن القديم.
لذلك، لن تُعرف نتيجة هذه الحرب الآن. قد يخرج طرف ليعلن النصر، وقد يخرج آخر ليقول إنه حقق أهدافه، لكن النتيجة ستظهر عندما نجيب على الأسئلة التالية: هل ازدادت الصين حضوراً في الخليج؟ هل تراجعت ثقة الحلفاء بأميركا؟ هل اضطرت السعودية وإيران إلى مصالحة أعمق؟ هل صار هرمز ورقة دائمة لا حادثاً عابراً؟ هل خرجت إيران أقوى كدولة جيوسياسية رغم كلفة الحرب؟ وهل بدأت أميركا تدرك أن القوة التي لا تصنع استقراراً تتحول إلى عبء على صاحبها؟
هادي بلوط-الاخبار
جاري تحميل الخبر التالي...