
عناوين الصحف البناء: محاولة «إسرائيلية» لفرض قواعد اشتباك جديدة من استهداف الضاحية الجنوبية
08/06/202605:57:54
كتبت صحيفة “البناء”: لم يكن الحدث الأبرز أمس، ما تسبّبت به الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا حتى الرد الإيراني الذي أعقبها، بل السياق الذي أحاط بالحدثين معاً، والنتيجة السياسية التي انتهت إليها المواجهة. حيث إن المشهد الذي بدأ بقصف إسرائيلي للضاحية انتهى بتدخل أميركي مباشر عنوانه طلب عدم الردّ الإسرائيلي على الردّ الإيراني، وهو ما يكشف حجم التحوّل الذي طرأ على قواعد الاشتباك منذ وقف النار المعلن في السابع من نيسان.
منذ ذلك التاريخ، سعت واشنطن وتل أبيب إلى بناء معادلة جديدة تقوم على فصل الجبهات. فالحرب مع إيران انتهت بوقف نار، لكن لبنان بقيَ ساحة مفتوحة للضغوط العسكرية والسياسية. وكانت الفكرة الأساسية أن تستمرّ «إسرائيل» في إدارة معركتها ضدّ حزب الله تحت عناوين مختلفة، من دون أن يؤدي ذلك إلى إعادة فتح المواجهة مع إيران. لذلك جاءت محاولات إنشاء قواعد اشتباك جديدة تسمح لـ»إسرائيل» بحرية الحركة العسكرية مقابل التزام لبناني ومقاوم بضبط النفس.
لكن هذه الصيغة واجهت منذ البداية اعتراضاً إيرانياً غير معلن في كثير من الأحيان، وواضحاً في مضمونه. لأنّ طهران كانت تعتبر أنّ أيّ محاولة تستهدف عزل لبنان عن نتائج الحرب الإقليمية تعني عملياً منح «إسرائيل» فرصة لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه خلال الحرب نفسها. ولذلك تكرّرت الرسائل التي تؤكد أنّ استهداف بيروت أو الضاحية لن يُنظر إليه باعتباره حدثاً لبنانياً صرفاً.
عندما صدرت التهديدات «الإسرائيلية» بقصف الضاحية الجنوبية، بدا أنّ تل أبيب تختبر هذه المعادلة بالتنسيق مع واشنطن على الأرجح، كما قال البيان «الإسرائيلي». وجاء الردّ الإيراني واضحاً، إذا وقع الاستهداف فسيكون هناك ردّ. لم يكن ذلك مجرد موقف إعلامي، بل إعلاناً عن خط أحمر جديد. ومع ذلك مضت «إسرائيل» في تنفيذ تهديدها، معتقدة ربما أنّ الردّ الإيراني سيبقى ضمن حدود البيانات السياسية أو الإجراءات الرمزية التي تحفظ ماء الوجه من دون تغيير في الوقائع، ومستندة إلى ما يفترض أن يمثله الاتفاق مع السلطة اللبنانية على قاعدة إعلان العداء المشترك لإيران وحزب الله من جهة، وتحميل حزب الله مسؤولية إفشال وقف إطلاق النار من جهة أخرى.
ما حدث كان مختلفاً. فقد نفذت إيران وعدها وردّت بصورة مباشرة، لتؤكد أن التهديد لم يكن للاستهلاك السياسي. وهنا برزت اللحظة المفصلية. فبدلاً من أن تنتقل «إسرائيل» إلى الرد على الرد، كما كان يحدث في مراحل سابقة، دخلت الولايات المتحدة على الخط بصورة عاجلة. ووفق ما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كان الهم الأميركي الأساسي منع انزلاق الأمور إلى دورة تصعيد جديدة قد تطيح بكل ما بُني منذ وقف النار عبر مطالبة بنيامين نتنياهو بالامتناع عن الرد على الضربات الإيرانية.
تكمن أهمية هذه اللحظة في أنها نقلت مركز الثقل من الفعل العسكري إلى النتيجة السياسية. فإيران لم تحقق إنجازاً لأنها أطلقت رداً عسكرياً فحسب، بل لأنها نجحت في الانتقال من مرحلة التهديد إلى مرحلة التنفيذ ثم إلى مرحلة تثبيت النتائج. فحين تضطر واشنطن إلى مطالبة «إسرائيل» بعدم الرد، تصبح الرسالة واضحة، ومضمونها أن هناك خشية أميركية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى حرب لا يريدها البيت الأبيض.
بالنسبة إلى «إسرائيل»، نشأ مأزق مزدوج. لأنّ الردّ على الرد الإيراني يعني المجازفة بإسقاط وقف النار وإعادة فتح المواجهة الإقليمية، وهي مواجهة دون غطاء أميركي ودون دعم أميركي. بينما التراجع يعني الإقرار الضمني بأنّ «إسرائيل» ليست صاحبة اليد العليا في حرب لبنان وليس في معادلات الإقليم فقط، وأنّ اليد العليا هي لإيران في الإقليم ومنه لبنان. وبين هذين الخيارين ظهرت معادلة جديدة لم تكن قائمة قبل أيام.
يصعب النظر إلى الأحداث باعتبارها مجرد جولة عسكرية عابرة. فالمسألة تتعلق بمحاولة استمرت منذ السابع من نيسان بهدف فصل الجبهات وإبقاء لبنان خارج معادلة الردع الإقليمية. وما جرى يوحي بأنّ هذه المحاولة تلقت ضربة قوية. فإيران لم تكتف بإعلان موقفها، بل فرضت عملياً ربطاً بين الجبهة اللبنانية والمعادلة الإقليمية الأوسع، وأثبتت أنّ استهداف الضاحية يمكن أن يستجلب تداعيات تتجاوز حدود لبنان.
لم تعد الغارات الإسرائيلية على الجنوب وحدها عنوان المواجهة الدائرة بين «إسرائيل» و«حزب الله»؛ فاستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت عكس انتقالاً واضحاً إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فالضاحية ليست مجرد هدف جغرافي، بل مساحة تحمل رمزية سياسية وأمنية خاصة بالنسبة إلى «حزب الله»، ولذلك فإنّ استهدافها يكتسب أبعاداً تتجاوز حجم الضربة نفسها. ومن هنا، تبدو الغارة الأخيرة مؤشراً إلى أنّ تل أبيب تسعى إلى توسيع نطاق الضغط العسكري، وربط أيّ تصعيد على الجبهة الجنوبية بكلفة مباشرة تطال مراكز النفوذ الأساسية للحزب. وتزداد خطورة المشهد مع الحديث الإسرائيلي عن توغلات برية موضعية في جنوب لبنان، وإنشاء مواقع عسكرية جديدة، إذ كان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد بدأ تنفيذ عمليات توغّل برية موضعية في أطراف مدينة النبطية، مستخدماً أنواعاً مختلفة من الروبوتات لرصد العبوات الناسفة وكشف الخلايا المسلحة في المنطقة.
وعقب الضربة، صدر بيان لبنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس يفيد ببدء شن غارات على مقار لحزب الله في الضاحية. وتابع كاتس مشيراً إلى أنّ استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت يأتي ردّاً على إطلاق حزب الله صواريخ نحو «إسرائيل».
وأفادت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي بأن التقديرات تشير إلى أن الضربة على الضاحية نُفِّذت كرسالة ردع بالدرجة الأولى، وليس بهدف اغتيال شخصية محددة. وأضافت أنه حتى في حال وقوع إصابات في صفوف حزب الله داخل المقر المستهدف، فإنها طالت عناصر من الرتب أو المستويات الدنيا، وفق التقديرات الإسرائيلية. في حين أفادت مصادر إسرائيلية لـ«القناة 12» العبرية بوجود تقديرات تتوقع تصعيداً أوسع من جانب «حزب الله» خلال الساعات المقبلة، مشيرة إلى أن «إسرائيل» قد توسّع نطاق ردها العسكري.
في المقابل، ورداً على استهداف الضاحية، أطلقت إيران صواريخ باليستية باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويأتي الهجوم الإيراني بعدما توعّدت طهران بالردّ على الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، التي أسفرت عن سقوط شهيدين وإصابة نحو 20 شخصاً. وقال مقر «خاتم الأنبياء» الإيراني إن على الجيش الإسرائيلي أن يوقف هجماته على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً أنه في حال توسيع هجماته أو الرد على الهجوم الإيراني، فإنه سيواجه «ضربات ساحقة»، وستبدأ «هجمات تدميرية ضد الكيان وحماته». وقال الحرس الثوري إنه على الجيش الإسرائيلي وقف هجماته على لبنان، وإذا وسعها أو ردّ على تحركات إيران فسوف يواجه «ضربات ساحقة ومؤسفة». وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن الهجمات التي استهدفت «إسرائيل» نُفذت بشكل مشترك بين إيران وحزب الله.
وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف قد قال إن «إسرائيل» لا تلتزم بوقف إطلاق النار ولا تؤمن بالحوار، معتبراً أن الحصار البحري وانتهاك الاتفاقيات المتعلقة بلبنان يؤكدان أنها لا تفهم إلا لغة القوة. وأضاف أن الضوء الأخضر الأميركي لـ«إسرائيل» في لبنان يجعل المصالح الأميركية أهدافاً مشروعة.
وكان المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي قد توعّد بردّ «حازم ومؤلم» على الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، داعياً إلى «معاقبة إسرائيل»، وأضاف: «انظروا إلى سماء الأراضي المحتلة هذه الليلة».
وأفاد موقع «أكسيوس» نقلاً عن مسؤول أميركي بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اطلع على التصعيد بين إيران و«إسرائيل». ونقلت القناة 13 الإسرائيلية عن مصادر أن سلاح الجو عزز انتشار المقاتلات والطائرات المُسيّرة في أجواء لبنان تحسّباً لأيّ ردّ محتمل من حزب الله، في حين أكد مسؤولون لوسائل إعلام إسرائيلية أنه «لا يوجد شيء اسمه حدث محدود» وأن «إسرائيل» ستردّ على أي تصعيد. وفي غضون ذلك، قال ترامب لإيران: لقد أطلقتم صواريخكم وهذا يكفي، عودوا إلى طاولة المفاوضات وأبرموا صفقة.
وكان ترامب قد أعلن بعد ظهر أمس، دعمه تنفيذ «إسرائيل» مزيداً من الضربات التي وصفها بـ»الجراحية» ضدّ حزب الله، مؤكداً في الوقت نفسه أنه يسعى إلى «حياة أفضل للبنان». وقال ترامب إنه يتفاهم «بشكل ممتاز» مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مضيفاً: «لم أتفق معه في بعض الأمور. أريد حياة أفضل للبنان، وأريد أن تكون الهجمات على حزب الله أكثر دقة. يمكننا المساعدة في ذلك أو الاستعانة بسوريا، وأحمد الشرع سيسعد بالمساعدة». كما أكد ترامب في مقابلة مع شبكة NBC أنه لا يطالب بأن يكون لبنان جزءاً من أيّ اتفاق قصير الأجل مع إيران، لكنه شدّد على دعمه للعمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، في موقف يعكس استمرار الدعم الأميركي للتحركات الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية.
وأفاد موقع «أكسيوس» بأن «إسرائيل» أبلغت إدارة ترامب أن استمرار هجمات حزب الله على شمال «إسرائيل» يُعدّ انتهاكاً لوقف إطلاق النار ويمنحها الحق في استهداف بيروت، مشيراً إلى أن تل أبيب أبلغت الإدارة الأميركية مسبقاً بالغارة التي نُفذت على الضاحية الجنوبية لبيروت.
ونقل الموقع أيضاً عن مسؤول أميركي قوله إنّ أمام «حزب الله» خيارين: إما مواصلة الحرب أو السماح بعودة النازحين وإعادة إعمار لبنان. وأضاف أن الشروط المطروحة حالياً تحظى بموافقة الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية وتوفر مساراً واضحاً لإنهاء القتال، محمّلاً الحزب مسؤولية أي استمرار للأعمال العدائية.
وأكد المسؤول الأميركي أن الولايات المتحدة تدعم حق «إسرائيل» في الدفاع عن نفسها، وتستند إلى جانب الحكومة اللبنانية في جهودها لتأمين مستقبل أفضل للبنانيين، داعياً «حزب الله» إلى وقف إطلاق النار والسماح بتنفيذ الاتفاقات المطروحة. كما اتهم الحزب باستخدام البنية التحتية المدنية، ولا سيما المنازل السكنية، لإخفاء وتخزين الأسلحة، مشدّداً على أن السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة اللبنانية.
وأشار عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله إلى أن العدوان الذي حصل على الضاحية لن يدفعنا إلى التراجع عن خيارنا في المقاومة والصمود.
وأوضح فضل الله قائلاً: «لم نكن أمام (الفرصة الأخيرة) خلال المفاوضات، إنما أمام شروط إسرائيلية مذلّة، وشروط الاتفاق التي وصلتنا ورفضناها هي غير قابلة للنقاش». ولفت إلى أن حزب الله لم يتدخل في عمل الجيش، ولولا سحب السلاح من القرى الأمامية لما تمكن العدو الإسرائيلي من دخولها، واعتبر أنه كان يجب ـ على الأقل ـ تعليق المفاوضات عقب استهداف جنود الجيش اللبناني.
ولفت إلى أنّ جميع صيغ وقف النار التي قُدمت لنا تتضمن وجود الخط الأصفر الإسرائيلي، والخطر هو على كل المنطقة، وشدد على أن العداء مع «إسرائيل» ورد في اتفاق الطائف ولا يمكن إلغاؤه إلا باتفاق جديد.
وتقول مصادر سياسية إن «إسرائيل» لا تتعامل مع التفاوض مع لبنان بوصفه مساراً متوازياً مع وقف النار، بل كأداة ضغط تُدار تحت وطأة القوة العسكرية. وتشير إلى أن استهداف «إسرائيل» للجيش يحمل دلالات تتجاوز البعد الميداني، خصوصاً أنه تزامن مع تعثر الجولات التفاوضية الأخيرة ورفض الجانب اللبناني الدخول في ترتيبات أمنية أو تنسيق مباشر مع الاحتلال قبل التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار.
وتشير المصادر إلى أن الموقف الرسمي اللبناني عاجز عن ترجمة حجم الاعتداء إلى خطوات سياسية ضاغطة، إذ اقتصر الرد على بيانات الاستنكار والشجب، فيما استمرت الرهانات على إمكانية انتزاع وقف للنار عبر الوساطة الأميركية، رغم المؤشرات المتراكمة التي تؤكد أن «إسرائيل» لا تزال ترفض تقديم أي التزام واضح بهذا الشأن. وتشدد المصادر على أن ما يسمى بـ»إعلان المبادئ» لاقى اعتراضاً كبيراً، ليس فقط من القوى السياسية الرافضة لمساره، بل أيضاً داخل أوساط رسمية تعتبر أن بعض بنوده تمنح «إسرائيل» امتيازات أمنية وسياسية على حساب السيادة اللبنانية.
إلى ذلك، غادر قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى جمهورية باكستان منذ يوم السبت، تلبيةً لدعوة رسمية من نظيره الباكستاني المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش وقائد قوات الدفاع الباكستانية. وتندرج الزيارة في إطار العلاقات الثنائية بين الجيشين، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية تتعلق ببرنامجها أو مدتها. وتكتسب اللقاءات التي يجريها قائد الجيش أهمية خاصة، لا سيما أنها تلامس ملفات ترتبط بتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية الرسمية والاستعداد للتحديات التي قد تفرضها المرحلة المقبلة؛ فالمطلوب اليوم لا يقتصر على المحافظة على الاستقرار، بل يمتد إلى بناء مقومات دولة قادرة على مواجهة المتغيرات وحماية السلم الداخلي.
ورغم أنّ نتائج الزيارة قد لا تظهر بصورة فورية، فإن المؤشرات توحي، بحسب مصادر مطلعة، بأنها تندرج ضمن مسار أوسع يهدف إلى تحصين المؤسسة العسكرية وتوسيع شبكة علاقاتها الدولية، بما ينسجم مع الدور المنتظر منها في المرحلة المقبلة.
المصدر: الوكالة الوطنية للاعلام
جاري تحميل الخبر التالي...