
مقالات وقائع الاتصالات التي وفرت اتفاقاً غير مضمون لوقف إطلاق النار
02/06/202607:30:58
في الأسبوع الماضي، شهدت المواجهات في الجنوب تطورات لافتة. فقد أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه ينفّذ عملية عسكرية شمال نهر الليطاني، مستهدفاً عملياً المنطقة التي أُضيفت إلى خرائط الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي الموقّع في تشرين الثاني 2024، والتي جعلت من منطقة يحمر الشقيف جزءاً من نطاق تطبيق القرار 1701.
وكان الاحتلال قد طالب، على مدى 15 شهراً، بأن تشمل إجراءات نزع السلاح هذه المنطقة، وتلقّى لبنان مراراً، عبر لجنة «الميكانيزم»، طلبات إسرائيلية بالعمل على مواقع فيها باعتبارها خرقاً للقرار.
وقدّم العدو معطيات يدّعي فيها أن حزب الله يعمل على ترميم مواقع عسكرية في هذه المنطقة ونقل عتاد إليها.
وفي أكثر من مناسبة، لجأ إلى تنفيذ عمليات موضعية امتدّت نحو مرتفعات علي الطاهر ومنطقة المحمودية. وفي إحدى المرات، توجّهت قوة من الجيش اللبناني إلى المنطقة للتحقق مما زعمت لجنة «الميكانيزم» أنه منشأة تابعة للمقاومة، وأدى ذلك يومها إلى إشكال بين الجيش والمقاومة، التي أكدت أن هذه المنطقة لا تقع جنوب نهر الليطاني.
بالنسبة إلى العدو، لا يتعلق الأمر بتلة أو مرتفع محدد، بل بشريط جغرافي يمتد من الجهة الشرقية لقلعة الشقيف، حيث تضيق المسافة الفاصلة عن الحدود اللبنانية – الفلسطينية في القطاع الشرقي.
وإلى جانب ذلك، يدرك الاحتلال الأهمية الجغرافية لهذه المنطقة بالنسبة إلى المقاومة، إذ تشكّل نقطة ارتكاز أساسية تحتاج إليها في ظروف الحرب، ولا سيما للقوات العاملة في القطاع الشرقي.
ومن هنا، سعى إلى تحقيق فصل ميداني عبر هذه الزاوية، بالتوازي مع محاولته السيطرة على تلال في منطقة زوطر الغربية، التي يعرف جيداً أن المقاومة استخدمتها خلال حرب تموز 2006، عندما تمكّن رماة صواريخ الـ«كورنيت» من توجيه ضربات مؤلمة إلى دباباته المتوغلة على مسافة تقارب أربعة كيلومترات من تلك النقطة.
كان يمكن لهذا التطور أن يبدو جزءاً من عملية عسكرية اعتيادية، إلا أن أهداف العدو تجاوزت مجرد تحقيق إنجاز ميداني بالوصول إلى قلعة الشقيف.
فهو يعلم جيداً أن المقاومة لا تتمركز في القلعة، كما أنها لم (ولن) تستخدم المواقع الأثرية في الجنوب أو البقاع لأغراض عسكرية. وقد أخفق الاحتلال مراراً في تبرير استهدافه لمواقع أثرية عبر الادعاء بأن المقاومة تستخدمها لأغراض عسكرية.
لكن بالنسبة إلى إسرائيل، كان هناك بعد آخر أكثر أهمية، يتعلق بالبعد المعنوي. وهذا ما يفسر الحملة المجنونة التي قادتها قوات الاحتلال لرفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة، قبل أن يخرج بنيامين نتنياهو ليعلن ما أراد تصويره على أنه «فتح عظيم»، فيما كان ضباطه يلفتون انتباهه إلى أن طبيعة المواجهة ستجعل الاحتفاظ بهذه النقطة أمراً بالغ الصعوبة. وهو ما أثبتته الوقائع الميدانية خلال الساعات الـ36 الماضية.
حملة العقاب الردعي
في الحملة العنيفة التي شنّها العدو الأسبوع الماضي، لم يكن الهدف محصوراً بتحقيق مكاسب ميدانية مباشرة، بل تمحور أساساً حول تطبيق مبدأ «العقاب الردعي» وتنفيذ أوسع عملية تهجير لعشرات الآلاف من سكان قضائي صور والنبطية.
وكان من المتعذّر تحقيق هذا الهدف من دون ارتكاب سلسلة واسعة من المجازر وعمليات القصف العشوائي التي استهدفت البشر والحجر والبنية التحتية على حد سواء.
هذا الواقع دفع المقاومة إلى مقاربة المشهد من زاوية مختلفة، ولا سيما أنها كانت قد اعتمدت، بعد إعلان وقف إطلاق النار في نيسان الماضي، تكتيكاً عسكرياً جديداً يقوم على فرض قواعد اشتباك ميدانية مختلفة.
وارتكز هذا التكتيك على منع العدو من تثبيت قواته في مواقع محددة، وإجباره على تغيير أماكن تموضع جنوده وآلياته بصورة دائمة، فضلاً عن تقييد حركته لساعات طويلة من النهار.
وقد تحقق ذلك بصورة رئيسية عبر استخدام سلاح المسيّرات الانقضاضية والاستطلاعية، من دون الحاجة إلى توسيع استخدام أنواع أخرى من الأسلحة. وظلت المسيّرات تحلّق على مدار ساعات النهار، قبل أن تقرر المقاومة توسيع نطاق عملياتها زمنياً عبر إدخال كاميرات حرارية أتاحت تشغيل المحلّقات ليلاً أيضاً.
وأدى ذلك إلى إرباك القوات الإسرائيلية التي كانت تعتمد على تحريك الآليات والقوات الراجلة خلال ساعات الليل.
عند هذه النقطة، بدأت إسرائيل تدرك أن الوضع يتجه نحو مزيد من التعقيد. فقد نجحت المحلّقات في الوصول إلى الجنود في أثناء تنقلهم على الطرقات، أو داخل سيارات الجيب، أو في ناقلات الجند، كما استهدفت تحركات القوات المؤللة، وتمكنت في حالات عدة من ملاحقة الجنود داخل غرف مغلقة وخلف التحصينات.
وتضاعف وقع هذا المشهد على العدو مع سقوط أكثر من 415 جندياً وضابطاً بين قتيل وجريح، فيما أقرّ العدو بمقتل تسعة ضباط وجنود وإصابة أكثر من 35 آخرين بجروح خطيرة خلال أربعين يوماً.
غير أن المشكلة الأعمق بالنسبة إلى إسرائيل تمثلت في أن هذا النمط من العمليات لم يعد محصوراً بالمواقع العسكرية والتجمعات المنتشرة داخل الأراضي اللبنانية، إذ انتقلت المقاومة إلى تنفيذ عمليات استطلاع واسعة النطاق تمهيداً لإرسال المحلّقات نحو المستوطنات الحدودية.
ورغم أن هذه المحلّقات كانت تركز على ملاحقة الجنود والأهداف العسكرية، وتتجنب الاقتراب من المدنيين داخل المستوطنات، فإن تأثيرها النفسي كان بالغاً. فقد بدأت موجات مغادرة المستوطنين تتزايد تباعاً، بالتزامن مع تصاعد الصراخ السياسي والشعبي في مستوطنات الشمال.
الرد الإسرائيلي الوحشي على المدنيين، وتوسيع دائرة القصف والتوغل والاحتلال، دفع المقاومة إلى إدخال تعديل جوهري على آليات القتال. فكان القرار بنقل جزء أساسي من المواجهة إلى العمق الإسرائيلي.
وبين 28 أيار والأول من حزيران، باشرت المقاومة توسيعاً تدريجياً لنطاق القصف الصاروخي، فاستهدفت بدايةً مستوطنات الحافة الأمامية، ثم انتقلت إلى مستوطنات الصف الثاني، وصولاً إلى كرمئيل في الوسط وصفد في الشرق. قبل أن توجّه، يوم السبت، ضربة صاروخية كبيرة نحو منطقة الكريوت شرق حيفا، وهي منطقة تضم نحو 350 ألف مستوطن موزعين على عدد من المدن والبلدات.
وكانت الرسالة واضحة بالنسبة إلى العدو: المقاومة تتجه نحو فرض معادلة «التهجير مقابل التهجير». وهي معادلة تدرك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أنها لا تستطيع تحمّل تداعياتها لمدة طويلة، خصوصاً بعدما تبيّن أن رشقة صاروخية اعتيادية استهدفت كريات شمونة كانت كافية لدفع نحو 600 عائلة، أي ما يقارب 2500 مستوطن، إلى مغادرة المنطقة خلال ساعات الليل باتجاه مدن الوسط وطبريا.
بلغ التوتر داخل إسرائيل مستوى غير مسبوق، لكن نتنياهو كان يدرك أن أي تصعيد واسع النطاق يحتاج إلى موافقة أميركية. وبعيداً من السجالات السياسية الداخلية، انصبّ جهده على إقناع ترامب بأن توسيع دائرة الضربات باتجاه الضاحية الجنوبية لبيروت يمكن أن يحقق هدفين: إجبار حزب الله على وقف قصف المستوطنات، وجرّ إيران إلى مقايضة فتح مضيق هرمز مقابل وقف قصف الضاحية الجنوبية. وهو ما راق لترامب الغارق في تأملاته، فأعطى موافقة مبدئية على الأمر. إلا أن نتنياهو سارع إلى استثمار هذا التفاهم بأقصى قدر من الاستعراض السياسي والإعلامي لخدمة أهدافه الداخلية. وعمل على تسريب تفاصيل جهوده في إقناع الإدارة الأميركية، إلى حد دفع عدداً من المراسلين العسكريين الإسرائيليين إلى الترويج لفكرة أنه هو من اتخذ قرار ضرب بيروت، وأن ترامب استمع إلى طرحه ووافق عليه. لكن ما لم يكن في حسابات الطرفين، هو ردّة الفعل الإيرانية على هذه التطورات.
تدخل إيران
كان الإيرانيون، في الأصل، يعيشون حالاً من الحيرة إزاء كيفية التعامل مع التقلبات المتواصلة في الموقف الأميركي. فبعدما تلقّوا، عبر الوسطاء عصر الثلاثاء الماضي، إشارات تفيد بوجود موافقة أميركية مبدئية على إعلان نيات مشترك، وأن الرئيس الأميركي يحتاج إلى ساعات أو بضعة أيام لترتيب المخرج السياسي والإعلامي المناسب لإعلان موافقته، عاد الإحباط ليخيّم على الأجواء في طهران.
وشعر المسؤولون الإيرانيون بأن ثمة أمراً يُدبَّر في الخفاء، ما دفعهم إلى الإسراع في إعداد استراتيجية بديلة. وفي هذا السياق، أبلغ الإيرانيون الوسطاء أنه ليست لديهم أي إضافات على الورقة التي سبق إعدادها، قبل أن ينتقلوا إلى رفع مستوى التنسيق مع حزب الله في لبنان، بهدف ضمان أن يشمل أي اتفاق محتمل وقفاً فعلياً وشاملاً للحرب على لبنان، لا أن يتكرر السيناريو الذي أعقب التفاهمات السابقة.
ومع تصاعد الشكوك الإيرانية، انتقل التنسيق من مستوى التفاهمات على آليات العمل السياسي إلى آليات العمليات العسكرية. وأبلغت طهران الوسطاء أن ما يجري في لبنان، بالتزامن مع التأخير الأميركي في إقرار مذكرة التفاهم، يشكل بالنسبة إليها جرس إنذار خطيراً. ثم ذهبت خطوة أبعد، عندما أبلغت الوسطاء أن قراءتها للمناورة الأميركية على المستوى السياسي، وللتصعيد الإسرائيلي على المستوى العسكري، تقودها إلى الاعتقاد بوجود محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل إنجاز أي تفاهم.
وبناءً على هذا التقدير، بدأت إيران تسريب معلومات عن نيتها وقف المفاوضات، بالتوازي مع تحريك وحدات صاروخية رصدت الولايات المتحدة وإسرائيل نشاطها. ثم أبلغت الوسطاء، يوم الأحد، أنها تدرس تنفيذ هجوم استباقي، انطلاقاً من اعتقادها بأن الحملة العسكرية الجديدة على لبنان ليست سوى مرحلة تمهيدية ضمن مسار أوسع يستهدف إيران نفسها. وترافق ذلك مع رفع حزب الله مستوى هجماته الصاروخية على المستوطنات الشمالية، فيما كانت المقاومة تعيد تنظيم مجموعاتها على الأرض استعداداً لموجة جديدة من القتال البري.
بري يلجأ إلى «مساعدة صديق»
في هذه الأثناء، كان الأميركيون يبحثون عن أوراق إضافية يمكن وضعها على الطاولة، لكنهم فوجئوا بأن الأمور لا تسير وفق ما يشتهونه. إذ بدا واضحاً أن حلفاءهم في لبنان باتوا قلقين من تداعيات التصعيد الإسرائيلي، وأن بعض الأصوات بدأت ترتفع رافضةً حتى مبدأ الذهاب إلى مفاوضات في ظل هذا المستوى من التوتر.
وفيما كان السفير الأميركي ميشال عيسى يواصل ألعابه الصبيانية بحثاً عن مكاسب شخصية، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري يلفت نظر شخصيات لبنانية بارزة إلى خطورة المرحلة.
وعندما أدرك الرئيس جوزيف عون حساسية الوضع، بادر إلى طرح فكرة مبادرة تقوم على أنه في حال أعلن حزب الله التزامه وقف قصف المستوطنات، فإن الولايات المتحدة ستعمل على إلزام إسرائيل بوقف العمليات العسكرية الكبيرة، بما في ذلك قصف بيروت والضاحية الجنوبية.
غير أن حزب الله أبلغ عون، كما أبلغ أطرافاً معنية أخرى، أنه ليس في وارد تقديم أي التزام خارج ما سبق أن أعلنه، مؤكداً أنه في حال التزم العدو وقف إطلاق النار، فإن المقاومة ستلتزم بالمثل، لكنها لن تبادر إلى أي خطوة لا تناسب استراتيجيتها.
أمام هذا الاستعصاء، لجأ الرئيس بري، عبر قنواته الخاصة، إلى التواصل مع الجانب الأميركي، بـ«مساعدة صديق». وتم التواصل الأولي، إذ عرض بري ضمانته بأن المقاومة ستلتزم وقف إطلاق النار شرط التزام إسرائيل بالمثل.
ولتفادي أي التباس، بادر بنفسه إلى الإعلان عن هذا الموقف عبر قناة NBN، قبل أن ينقله رسمياً عبر القنوات الجانبية إلى الجانب الأميركي. إلا أن الردّ الذي وصل من واشنطن لم يكن مطمئناً، إذ أشارت المعطيات إلى عدم وجود ضمانات فعلية بالتزام إسرائيلي كامل.
عندها، أوقف بري محرّكاته السياسية، وقال لمن يعنيهم الأمر إن الكرة باتت في ملعب الطرف الآخر.
وعندما أعلنت إسرائيل صباح أمس نيتها قصف الضاحية وبيروت، لفت رئيس المجلس انتباه الجميع، بما في ذلك عبر قناته الخلفية، إلى أن الأمور ستذهب نحو ما لا تحمد عقباه على الجميع. فيما كانت إيران تتقدم خطوة إضافية في التلويح بالتدخل المباشر، عبر اتصالات مكثفة أجراها المفاوض الإيراني مع الوسطاء الإقليميين. وترافق ذلك مع تبادل رسائل غير معلنة، بعضها حمل طابعاً عسكرياً واضحاً، قبل أن يتبلور انطباع لدى واشنطن بأن الوضع قد يخرج عن السيطرة، في ظل تقدير بأن طهران قررت العودة إلى الحرب!
ما حصل لاحقاً أن ترامب، القصير النفس، أقفل باب المناورة، وطلب من نتنياهو العودة إلى المنزل، وتخفيف التصعيد العسكري حالياً، ووعده بأنه سيعمل على انتزاع ما يناسب إسرائيل عبر المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية. لكن الرئيس الأميركي الذي يعرف أن لا قيمة لمفاوضات اليوم والغد بين سلطة بيروت ووفد نتنياهو، بدا مقتنعاً بأن عدم حصوله على ضمانة بوقف شامل للحرب، مع جدول انسحاب كامل لقوات الاحتلال، يفرض عليه مقاربة مختلفة. لذلك ومن دون أن يكترث لأحد، لا في واشنطن أو تل أبيب أو بيروت، كشف عن التواصل مع حزب الله عبر «وسطاء رفيعي المستوى»، قبل أن يعود ويلبي طلب سفيره ميشال عيسى بـ«بيع» الإنجاز إلى فريقهم في لبنان.
عملياً، ما جرى لم يتجاوز كونه تجميداً مؤقتاً للمشهد، فيما يبقى الاختبار الحقيقي مرتبطاً بمدى التزام إسرائيل بوقف القصف التدميري وعمليات التهجير في الجنوب. في المقابل، لا تبدو المقاومة في وارد تقديم أي التزام بوقف شامل ونهائي للعمليات ضد قوات الاحتلال ما لم يتحقق وقف كامل من جانب العدو.
أما في ما يخص كيفية التعامل مع بقاء الاحتلال في الجنوب، فهو ملف قائم بذاته، وعلى السلطة اللبنانية وراعيها الأميركي أن يقدما حلّاً واقعياً قابلاً للتطبيق. وما لم يحصل ذلك، ستعود النار حكماً لتطارد جنود العدو، بمحلّقات وبغيرها…
ابراهيم الامين-الاخبار
جاري تحميل الخبر التالي...