
اخبار اقليمية نتنياهو يسابق الزمن: إمكانية التقدّم واستحالة التثبيت
30/05/202605:01:17
في سباقه مع الزمن، وقبل نفاد «المهلة الزمنية المحدودة» التي منحه إياها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، زجّ رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو جيشه في مغامرة أخيرة قبل إبرام الاتفاق الأميركي – الإيراني، في مسعى أخير إلى تغيير الوقائع الميدانية في جنوب لبنان عبر السيطرة على مواقع «استراتيجية ومُشرفة» كخط دفاع ثالث يتجاوز نهر الليطاني. وحُدّد الهدف بدقة: السيطرة على وادي الشقيف عبر الوصول إلى قلعة الشقيف عبر زوطر الشرقية ويحمر ودبين وبلاط، في الطريق إلى السيطرة على تلة «علي الطاهر» وتلال النبطية الأخرى.
وفي طريق العدو إلى القلعة، تحولت بلدة زوطر الشرقية خلال الأيام الممتدة بين 26 و28 أيار إلى واحدة من أكثر ساحات المواجهة اشتعالاً، بعدما حاولت قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ توغل بري واسع انطلاقاً من محور مجرى النهر وتلة الخزان باتجاه عمق البلدة، قبل أن تواجَه بمقاومة عنيفة ومتواصلة أجبرتها على التراجع تحت النار.
أولى محاولات التقدم نحو زوطر سُجّلت في الرابع من شهر أيار الجاري. عندما تقدّم العدو في منطقة خلّة الراج شمال بلدة دير سريان باتجاه زوطر الشرقية، ولدى وصولها إلى نقطة تأمين متقدمة للمقاومين، فتحت النيران باتجاهها وخاض المقاومون اشتباكاً عنيفاً بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة محققين إصابات مؤكدة في صفوفها. ما دفع العدو إلى تنفيذ تغطية نارية لتأمين سحب القوة والإصابات، ثم زج بعدد من الآليات نحو منطقة الاشتباك، فعمد سلاح المدفعية في المقاومة إلى استهداف قوّة الإخلاء بقذائف المدفعية والأسلحة الصاروخية المناسبة. كما تدخلت الأسلحة الرشاشة المضادة للطائرات التابعة لسلاح الدفاع الجوي في المقاومة لمنع المروحيات المعادية من المناورة والهبوط بقرب منطقة الحدث، ما اضطر العدو إلى سحب الإصابات براً باتجاه مستوطنة مسغاف عام، حيث قام بإخلائها جواً نحو الداخل الفلسطيني.
ولم يكن اختيار جيش الاحتلال لزوطر الشرقية نقطة انطلاق لعمليته البرية شمال الليطاني قراراً عشوائياً. فالبلدة تقع على عقدة جغرافية حساسة تربط بين محور النهر والنبطية ويحمر الشقيف، وتشرف على طرق ومساحات مفتوحة تسمح بحركة الدبابات والآليات الثقيلة أكثر مما تسمح به قرى أخرى ذات تضاريس أكثر تعقيداً. كما أن السيطرة على زوطر كانت ستمنح القوات المعادية موطئ قدم متقدماً على مشارف النبطية وتفتح المجال أمام توسيع نطاق العمليات شرقاً وغرباً.
لكن ما جرى على الأرض لم يسرِ وفق المخطط. فمنذ الساعات الأولى للتوغل تحولت زوطر إلى ساحة استنزاف كثيفة تعرضت فيها القوات المعادية لعشرات عمليات الاستهداف بالصواريخ والمدفعية والمسيّرات الانقضاضية والاشتباكات المباشرة.
وتركزت الضربات بشكل خاص على القوة المدرعة التي قادت التقدم، ما جعل محوري مجرى النهر والخزان، وهما المحوران الرئيسيان للهجوم، مناطق نيران مستمرة حالت دون تثبيت تقدم مستقر داخل البلدة.
المعركة بالأرقام
تظهر الأرقام النهائية لمعركة «الأيام الثلاثة» أن زوطر الشرقية تحولت خلال ثلاثة أيام إلى ساحة استنزاف مركزة للقوات الإسرائيلية، حيث نجحت المقاومة في الجمع بين القصف الناري الكثيف والاستهداف الدقيق للمدرعات والاشتباك المباشر، ما حال دون تثبيت أي تقدم ميداني مستقر داخل البلدة.
واستناداً إلى البيانات العسكرية الصادرة عن الإعلام الحربي في المقاومة الإسلامية، فقد تم تنفيذ 48 عملية عسكرية خلال ثلاثة أيام فقط، وقد استخدمت المقاومة مزيجاً من الصليات الصاروخية وقذائف المدفعية والطائرات المسيّرة الانقضاضية والصواريخ الموجهة والاشتباكات المباشرة.
وتكشف الأرقام أن المسيّرات الانقضاضية من طراز «أبابيل» كانت السلاح الأكثر استخداماً في المعركة، إذ نُفذت بواسطتها 18 عملية استهداف ضد الدبابات والمدرعات والآليات العسكرية الإسرائيلية.
كما أطلقت المقاومة 15 صلية صاروخية على تجمعات القوات والآليات، ونفذت 6 عمليات قصف مدفعي، إلى جانب استخدام الصواريخ الثقيلة والصواريخ النوعية والصواريخ الموجهة المضادة للدروع.
قاد العدو حملة تدمير هائلة لتغطية تقدم قواته في القطاع الشرقي، في معركة بكلفة مرتفعة مع صعوبة كبيرة بالتثبيت وإقامة المواقع
وتركز الجهد الرئيسي للمقاومة على استهداف القوة المدرعة التي قادت محاولة التوغل.
وخلال المعركة استهدفت المقاومة بالصواريخ 13 دبابة «ميركافا» في عمليات منفصلة، كما استهدفت المقاومة 4 ناقلات جند مدرعة من طراز «ناميرا»، إضافة إلى آليات «هامر» و«جاك هامر» العسكرية وآلية اتصالات وجرافات هندسية من نوع D9.
ولم تقتصر عمليات المقاومة على استهداف القوات المتقدمة، بل شملت أيضاً مواقع القيادة والسيطرة. فقد استهدفت المقاومة مبنى تتموضع فيه قيادة سرية المدرعات الإسرائيلية قرب الخزان بواسطة صاروخ ثقيل، في محاولة لتعطيل إدارة العمليات الميدانية داخل منطقة التوغل.
وتركزت الاشتباكات في عدة نقاط رئيسية داخل زوطر الشرقية ومحيطها، أبرزها مجرى النهر وطريق النهر ومحيط الخزان وتلة الخزان والمجمع الثقافي والمجمع الكشفي وأطراف البلدة. وتعرضت تجمعات جنود العدو وآلياته في هذه المواقع لعشرات الضربات الصاروخية والمدفعية والانقضاضية، ما جعل محاور التقدم تحت نيران مستمرة على مدار أيام المعركة.
إلى جانب النيران البعيدة، شهدت المعركة ثلاث مواجهات مباشرة بين مقاتلي المقاومة وقوات العدو المتوغلة. ففي المجمع الثقافي ثم في المجمع الكشفي داخل البلدة، خاض المقاومون اشتباكات من مسافة صفر بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، قبل أن تنتهي المواجهات بتراجع قوات العدو وإقدامها على تنفيذ أحزمة نارية وقصف مكثف على مناطق الاشتباك.
يحمر.. نسخة مكررة
مع فهم السياق العام لما جرى في زوطر، والتي توقفت الخميس الماضي، يمكن فهم انتقال العدو نحو يحمر الشقيف. فهذه الخطوة تبدو أقرب إلى محاولة فتح محور مناورة بديل والالتفاف على العقدة الدفاعية التي تشكلت في زوطر، أكثر منها انتقالاً طبيعياً بعد نجاح الاختراق.
ويبدو أن جيش العدو سعى إلى تجاوز منطقة الاستنزاف والبحث عن مسار جديد يسمح بمواصلة الضغط على القطاع نفسه من اتجاه مختلف.
غير أن المعطيات الميدانية في يحمر تشير إلى أن المشكلة الأساسية انتقلت مع قوات العدو المتقدمة. فخلال ساعات قليلة أمس الجمعة، تعرضت دبابات ميركافا لاستهدافات متتالية، وأُحرقت إحداها، فضلاً عن استهداف تجمعات لآليات العدو وجنوده عند أطراف البلدة بصليات صاروخية وأسراب المسيّرات الانقضاضية. كما ظهرت العبوات الناسفة للمرة الأولى في هذا المحور، ما يدل على أن المقاومة كانت مستعدة لاحتمال انتقال المعركة إلى يحمر وأعدت لها وسائل مواجهة مختلفة تجمع بين الكمائن والاستهداف الدقيق للمركبات المدرعة.
وعليه، فإن الانتقال من زوطر إلى يحمر لا يعكس بالضرورة تحولاً في الهدف العسكري الإسرائيلي بقدر ما يعكس محاولة لتغيير مسار التقدم، بعدما تحولت زوطر إلى ساحة استنزاف مكلفة.
إلا أن المعطيات الأولية من الميدان، تشير الى أن قوات العدو المهاجمة لم تنجح حتى الآن في التخلص من المعضلة نفسها، أي التقدم تحت نيران كثيفة تستهدف المدرعات وتحد من قدرتها على تثبيت السيطرة الميدانية.
محاولات التقدم الإسرائيلية في الساعات الأخيرة كانت ذات كلفة مرتفعة مع صعوبة كبيرة بالتثبيت، ما يطرح تساؤلات متزايدة في الأوساط الإسرائيلية حول جدوى البقاء في «المستنقع اللبناني» على المدى البعيد، خصوصاً وأن المشكلة الإسرائيلية في لبنان مركّبة، فإضافة إلى «مفاجأة» المسيّرات الانقضاضية وأثرها الميداني الكبير، يتزايد الحديث عن «تراكم الصوَر» الآتية من لبنان وأثرها النفسي والمعنوي على الجيش وأفراده كما على المستوطنين والجبهة الداخلية بشكل عام.
الاخبار
جاري تحميل الخبر التالي...