
خاص صدى الضاحية ٢٦ عامًا على شروق شمس الحريّة من الجنوب
25/05/202611:23:06
كتبت الزميلة دانا المكحل لم أعش سنوات الاحتلال ولا لحظة التحرير، ولم أكن من جيل حرب تموز، لكنّني أنتمي إلى جيلٍ تربّى على روايات الجنوب، على حكايات القرى الحدودية، والأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن، والأرض التي بقيت حيّة رغم القصف والحرمان. كبرنا ونحن نسمع عن معتقل الخيام، وعن البيوت التي هُجّر أهلها منها، وعن المقاومين الذين واجهوا الاحتلال بإيمانٍ جعل المستحيل ممكنا.
كلّما اقتربتُ من هذا التاريخ، أشعر أنّ التحرير لم يكن حدثًا عسكريًا فحسب، بل حالةً إنسانية كاملة. كان لحظة استعادة الناس لحياتهم العادية، لحقولهم، لبساتينهم، لأشجار الزيتون، ولتفاصيل صغيرة حرمهم الاحتلال منها سنوات طويلة.
وبفعل سنوات طويلة من الصمود والعمليات النوعية التي نفّذتها المقاومة، اندحر جيش الاحتلال الإسرائيلي عن جنوب لبنان والبقاع الغربي في ٢٥ أيار ٢٠٠٠ من دون قيد أو شرط، منهياً احتلالا دام نحو اثنين وعشرين عاما، وتاركا خلفه مواقعه المحصّنة وعملاءه وسجونه التي تحوّلت شاهدا على مرحلة من الإضطهاد والمعاناة.
ولم يكن هذا التحرير وليد لحظة مفاجئة، بل نتيجة مسارٍ طويل من عمليات الاستنزاف التي اعتمدت فيها المقاومة على الكمائن المحكمة، وزرع العبوات، واستهداف الحواجز والمواقع العسكرية، في مواجهة جيش امتلك أعتى الأسلحة لكنه عجز عن كسر إرادة الأرض وأهلها.
وبرزت خلال سنوات المواجهة عمليات عسكرية شكلت تحولا مفصليا في مسار الصراع، كان من أبرزها عملية أنصارية عام ١٩٩٧، حين وقعت قوة خاصة إسرائيلية في كمين محكم أعدّته المقاومة على ساحل بلدة أنصارية الجنوبية، ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد كبير من عناصر القوة الخاصة الإسرائيلية، في واحدة من أكثر العمليات تعقيدا وإيلاما للعدو خلال فترة الاحتلال. وقد شكلت العملية يومها صدمة كبيرة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بعدما كشفت قدرة المقاومة على الرصد والتخطيط وإدارة المواجهة بدقة عالية.
كما شكلت العمليات الاستشهادية التي نفذها مقاومون من مختلف حركات المقاومة اللبنانية محطة مفصلية في مسار المواجهة، بعدما نجحوا في إيقاع خسائر كبيرة في صفوف الاحتلال، وترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن الإنسان المؤمن بقضيته قادر على مواجهة آلة الحرب مهما بلغت قوتها. ومن بين هؤلاء برزت أسماء بقيت حاضرة في الذاكرة الوطنية، أمثال أحمد قصير، حسن قصير، سناء محيدلي، سهى بشارة، بلال فحص، صلاح غندور، وغيرهم ممن كتبوا بدمائهم فصولًا من تاريخ المقاومة والتحرير.
ولعل ما جعل التحرير محطة مفصلية، أنّه أسقط صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وأثبت أن الاحتلال ليس قدرا دائما، وأن الإرادة الشعبية قادرة على تغيير المعادلات مهما بدا ميزان القوى مختلا. فالمقاومة لم تنتصر بالسلاح وحده، بل بثقة بيئتها بها وباحتضان الناس لخيار الصمود رغم التضحيات الهائلة التي دفعتها القرى الجنوبية على مدى سنوات الاحتلال.
ومنذ ما قبل التحرير وحتى اليوم، لم تكن بيئة المقاومة مجرد حاضنة عابرة لمرحلة زمنية، بل شكلت جزءا أساسيا من معادلة الصمود. هذه البيئة التي عاشت الاحتلال والاعتداءات والحروب المتكررة، وقدمت أبناءها وبيوتها وأرزاقها، بقيت ثابتة رغم الأثمان القاسية. تبدلت السنوات وتغيرت الظروف، لكنها لم تتراجع عن قناعتها بأن حماية الأرض تحتاج إلى صبر طويل وإرادة لا تنكسر.
تأتي ذكرى التحرير اليوم بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية على لبنان حيث ينفذ العدو غارات متواصلة وأحزمة نارية تستهدف الجنوب والبقاع الغربي والضاحية الجنوبية ، وكأن العدو عاد لينتقم لهزيمته فيصب حقده على كل من قاوم و رفض التسليم .
يعيش الجنوبيون اليوم ذات المعاناة التي عايشوها في تلك الحقبة ، فيأتي ٢٥ أيار كرسالة أمل للجنوبيين بأن العودة حتمية لا محالة وما النصر إلا صبر ساعة .
فهل سنشهد عيد تحرير ثالث فيعود الجنوبيون إلى قراهم معانقين شمس الحرية ، أصواتهم تصدح بالأناشيد الثورية، وتعلو الزغاريد وتنثر الورود فيرسم المقاومون بدمائهم ٢٥ أيار جديد ؟
جاري تحميل الخبر التالي...