
مقالات 25أيار… يوم انكسر الاحتلال وسقطت أوهام القوة أمام دم الجنوب
25/05/202609:27:43
كتبت الإعلامية فاطمة عيسى في الخامس والعشرين من أيار، لا يستعيد اللبنانيون ذكرى عابرة في رزنامة وطنية، بل يستعيدون معنى وطن كُتب بالدم والصبر والتضحيات. ففي ذلك اليوم من عام 2000، انسحب الاحتلال الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب، بعد سنوات طويلة من القهر والاعتقالات والقتل والتهجير. لكن الأهم من حدث الانسحاب نفسه، أن هذا التحرير لم يكن منّة من أحد، ولم يكن نتيجة تسوية دولية أو قرار خارجي، بل جاء نتيجة مسار طويل من المقاومة والصمود الشعبي والإيمان بأن الأرض لا تُستعاد إلا بأصحابها.
هذا التحرير لم تهبه الدول الكبرى للبنان، ولم يُقدَّم كهدية في مؤتمر أو تفاوض. لم يأتِ لأن العالم قرر فجأة أن ينصف الجنوب وأهله، بل لأن هناك رجالًا ونساءً عاشوا سنوات كاملة تحت النار، ورفضوا الاستسلام، وواجهوا آلة الاحتلال بما امتلكوه من إرادة وإيمان. هو تحرير صنعه الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم، والأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن، والأسرى الذين تحمّلوا العذاب في المعتقلات، والقرى التي دفعت أثمانًا هائلة كي يبقى ترابها حرًا.
ولعلّ ما يجعل عيد التحرير مختلفًا عن كثير من المناسبات الوطنية، أنه لم يكن شعارًا نظريًا أو خطابًا عاطفيًا فقط، بل لحظة حقيقية شعر فيها الناس بأن الاحتلال يمكن أن يُهزم. يومها عاد أبناء الجنوب إلى قراهم بدموع الفرح، وفتحت الطرقات التي كانت مغلقة بالخوف، وعادت الأرض إلى أهلها بعدما ظنّ كثيرون أن الاحتلال سيصبح أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره.
هذا الإنجاز لم يكن سهلًا. سنوات طويلة من الاعتداءات والاجتياحات والمجازر سبقت لحظة التحرير. من القرى التي دُمّرت، إلى البيوت التي هُجّر أهلها، إلى الشهداء الذين سقطوا على امتداد الجنوب والبقاع الغربي والضاحية. كل تلك التضحيات تراكمت لتصنع لحظة 25 أيار، التي لم تكن انتصارًا عسكريًا فقط، بل انتصارًا لفكرة أن الشعوب قادرة على انتزاع حقها مهما طال الزمن.
وفي كل عام، تعود هذه الذكرى لتذكّر اللبنانيين بأن الأوطان لا تُحمى بالكلمات وحدها، وأن الكرامة الوطنية ليست تفصيلًا يمكن التفاوض عليه. فحين تخلى العالم عن الجنوب، بقي أهله متمسكين بأرضهم. وحين كان الاحتلال يراهن على التعب والخوف والانقسام، كانت هناك بيئة كاملة تؤمن بأن التحرير آتٍ مهما طال الانتظار.
ومن رحم هذه البيئة نفسها، البيئة التي صبرت وقدّمت أبناءها وبيوتها وأعمارها دفاعًا عن الأرض، لا يبدو الحديث عن التحرير مجرد ذكرى انتهت في 2000، بل مسارًا ما زال مفتوحًا على امتداد الزمن. فكما كان التحرير الأول نتيجة إيمان لا ينكسر، وكما صمد الجنوب في كل المحطات اللاحقة رغم كل ما أصابه من حروب واعتداءات، يولد اليوم حديث “التحرير الثالث” كامتداد طبيعي لهذه السيرة لا كفكرة عابرة. هو ليس شعارًا، بل قناعة تتجذر في الوعي بأن هذه الأرض التي لم تُكسر يومًا تحت الاحتلال، لن تُترك في أي مواجهة مقبلة. هناك من يرى أن ما بدأ في التحرير الأول لم ينتهِ بعد، وأن ما يُكتب اليوم هو استمرار لمعركة طويلة عنوانها الثابت: هذا الجنوب لا يُهزم، وهذه البيئة لا تنكسر، وما بُني بالدم لا يمكن إلا أن يكتمل بالنصر.
وعيد التحرير ليس مناسبة عابرة لتبادل الشعارات والخطب، بل لحظة تختصر معنى الأرض والكرامة والسيادة. هو اليوم الذي سقطت فيه كل النظريات التي حاولت إقناع الناس بأن الاحتلال قدر، وأن الهزيمة أمر واقع، وأن الشعوب الصغيرة لا تستطيع مواجهة آلة عسكرية مدعومة من العالم كله.
في 25 أيار، أثبت الجنوب أن ما أُخذ بالقوة لا يُستعاد بالاستسلام ولا بالدبلوماسية وحدها، ولا بالرهان على الدبلوماسية أو الانتظار على أبواب المجتمع الدولي. فكم من قرارات صدرت، وكم من بيانات كُتبت، وكم من وعود أُطلقت، بينما كانت القرى تحترق والناس تُقتل والأرض تُسرق؟ لكن ما غيّر المعادلة فعلًا، لم يكن الكلمات، بل الدم الذي سال دفاعًا عن التراب، والإرادة التي رفضت الاعتراف بالاحتلال مهما طال الزمن.
هذا التحرير لم يصنعه العالم، بل صنعته التضحيات. صنعه رجال خرجوا وهم يعرفون أن الطريق قد ينتهي بالشهادة، وأمهات دفنّ أبناءهن ووقفن من جديد بثبات لا يشبه إلا الجنوب نفسه. صنعته بيئة كاملة آمنت أن الكرامة لا تُستجدى، وأن الحقوق لا تعود بالتوسل، بل بالصبر والمواجهة والثبات.
ولهذا، يبقى السؤال الذي لا يهدأ في ذاكرة هذا الجنوب: إذا كان الاحتلال قد سقط يومًا أمام الدم والصمود، وإذا كان التاريخ قد كُتب بالفعل مرة، فهل يمكن أن يُعاد كتابته من جديد؟ أم أن ما بدأ في التحرير الأول لم يُقفل بعد، بل ما زال فصله الأخير يُكتب على نار المواجهة والصبر والتضحيات؟
الإشكالية ليست فقط في مواجهة عدو يملك قوة النار والتكنولوجيا، بل في مواجهة فكرة أعمق: هل يكفي أن ننتصر مرة كي نضمن أن النصر سيستمر؟ أم أن كل جيل سيُترك وحيدًا ليعيد اختبار المعادلة نفسها من جديد، بين دمٍ يُقدَّم وأرضٍ تُصان، بين ذاكرة التحرير وخوف العودة إلى الوراء؟
وهنا تمامًا يولد معنى “التحرير الثالث” كاختبار لا يشبه ما قبله. ليس لأنه وعدٌ سهل، بل لأنه سؤال مفتوح على الاحتمالين معًا: أن يكتمل النصر، أو أن يبقى الصراع مفتوحًا على مدى الزمن. وبين هذين الاحتمالين، يبقى الجنوب ثابتًا على يقين واحد لا يتغيّر: أن الأرض التي حُررت بالدم، لا يمكن أن تعود إلا بإرادة لا تنكسر.
خاص موقع صدى الضاحية
جاري تحميل الخبر التالي...