مقالات
ما حقيقة العرض المرفوض؟

لم يستطع لبنان في ظلّ موازين القوى السياسية الحالية الحصول على أكثر من هدنة «تايوانية»، هي «تقليد» المفهوم الهدنة الأصلية المتعارف عليها دولياً، والتي تعني بكل لغات العالم وقفاً كاملاً لإطلاق النار، الاّ في الكيان الإسرائيلي الذي لديه مفهوم خاص لها يطبّقه في لبنان وغزة.
على رغم من كل المساعي التي بذلتها السلطة السياسية لتثبيت وقف إطلاق النار، قبل جلستي التفاوض الأخيرتين في واشنطن وخلالهما وبعدهما، الّا انّ الحدّ الأقصى الذي استطاعت نيله كان تمديد وقف النار الجزئي والهش الذي تتحكّم به المزاجية الإسرائيلية.
ويوضح المطلعون، انّ حقيقة ما عُرض على «حزب الله» في اليومين الأخيرين، لا يعدو كونه عودة إلى ما يشبه صيغة وقف إطلاق النار الهجينة التي كانت سائدة في حقبة ما قبل 2 آذار، على امتداد 15 شهراً، حين كان الجيش الإسرائيلي يستهدف عناصر «حزب الله» وكوادره او مقراته، من دون أن يلقى رداً في المقابل.
ويشير العارفون، إلى انّ الحزب لا يمكنه ان يقبل بإعادة تجديد مفاعيل مثل هذه الصيغة المختلة التوازن، خصوصاً أنّه انخرط في القتال أصلاً من أجل كسرها والتخلص منها، بعدما استنزفته طويلاً.
وبناءً على استمرار الاعتداءات وفق المنوال الذي درج عليه الاحتلال قبل تمديد الهدنة 45 يوماً، يبدو أنّ الأميركيين والإسرائيليين استكثروا على لبنان منحه ولو جائزة ترضية (وقف نار فعلي لشهر ونصف شهر)، تعزز موقف المتحمسين للتفاوض المباشر في مواجهة الاعتراضات عليه، وتسمح لهم بأن ينسبوا اليه فضل تحقيق إنجاز اول، من نوع تثبيت الهدنة وتعميمها.
وهناك من يعتبر انّه يُفترض بالدولة اللبنانية اتخاذ قرار بمقاطعة الجلسات المقبلة من التفاوض بمساريه الأمني والسياسي في نهاية الشهر الجاري وبداية الشهر المقبل، ما لم يتمّ تثبيت الهدنة على نحو شامل وكامل حتى ذلك الحين.
ويلفت أصحاب هذا الرأي، إلى انّ التلويح بالامتناع عن الاستمرار في المفاوضات المباشرة، يكاد يكون الورقة الوحيدة التي لا تزال تملكها السلطة في مواجهة فائض القوة العسكري والسياسي الذي يتسلّح به المفاوض الإسرائيلي على طاولة التفاوض غير المتوازنة.
ويشير هؤلاء، إلى انّ أصحاب القرار اللبناني معنيون بأن يلجأوا إلى خيار المقاطعة في التوقيت المناسب، لمحاولة تعديل قواعد اللعبة التي تريد تل أبيب أن تفرضها على طاولة المفاوضات وفي الميدان، تبعاً لما يتلاءم مع حساباتها ومصالحها، من دون أي مراعاة لاعتبارات الجانب اللبناني الذي يحتاج إلى تحصيل وقف إطلاق نار حقيقي «يرسمل» عليه في المراحل اللاحقة من المفاوضات، خصوصاً أنّ رصيده الحالي متواضع نتيجة عدم تمكنه من تحقيق أي مكسب جدّي منذ مرحلة لجنة «الميكانيزم» في الناقورة وحتى مفاوضات واشنطن.
ولعلّ أخطر ما في الهدنة الانتقائية التي يريد الطرف الإسرائيلي اعتمادها، انّها تكرّس الفصل بين لبنانَيين، الأول يسري عليه وقف إطلاق النار وتستمر فيه الحياة الطبيعية في كل المجالات، والثاني يضمّ الجنوب والبقاع الغربي، وهو مستثنى من مفاعيل التهدئة ويتواصل العدوان عليه قتلاً وتدميراً وتجريفاً وتهجيراً، وكأنّه ليس جزءاً عضوياً من الدولة ـ الأم.
والوجه الآخر والأخطر لهذه المعادلة، يكمن في السعي إلى تكريس انطباع مفاده، انّ الحرب تُشن على مكوّن بعينه لا على جميع اللبنانيين، وانّها تدور حصراً بين «حزب الله» وإسرائيل وليست بين الأخيرة ولبنان ككل. وهذا تصنيف من شأنه اللعب على أوتار التجاذبات الطائفية والسياسية في الداخل، وصولاً إلى استفراد فئة محدّدة وتسهيل استهدافها.
من هنا، فإنّ ضمان سريان وقف النار على كل الأراضي اللبنانية بلا استثناء هو أمر ضروري وملحّ، للحؤول دون فرز لبنان إلى مناطق بسمنة وأخرى بزيت، وإلى مكونات محمية وأخرى مهدّدة.
لكن كل المؤشرات تفيد بأنّ تل أبيب مصرّة حتى إشعار آخر على الاكتفاء بما يسمّى «خفض التصعيد»، الذي بات يعادل تحييد العاصمة بيروت ونسبياً الضاحية الجنوبية، بينما تواصل الاعتداءات على الجغرافيا الجنوبية والبقاعية، متسلّحة بذريعة «الدفاع المشروع عن النفس»، وهي ذريعة مطاطة جداً، من شأنها ان تترك يدها طليقة وطويلة.
وليس معروفاً اصلاً ما إذا كانت الهدنة المبتورة ستستطيع، على علاّتها، الصمود إذا استؤنفت الحرب بين واشنطن وتل ابيب من جهة وطهران من جهة أخرى، في ظل ارتفاع نبرة التهديدات الأميركية لإيران.
وغالب الظن انّ العصف الإقليمي سيُسقطها بالضربة القاضية آنذاك، خصوصاً أنّ الجولة الثانية من الحرب ستكون مصيرية وحاسمة، وبالتالي فإنّ جميع القوى المنخرطة فيها ستلعب أقوى أوراقها في الميدان بغية تحسين موقعها في التسوية لاحقاً.
من هنا، إذا أردت أن تعرف ماذا سيجري في لبنان، عليك أن تعرف ماذا سيجري في إيران، ليُبنى على الشيء مقتضاه.
عماد مرمل-الجمهورية
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



