مقالات

وزارة التربية أمام ضغط القرار: الامتحانات بلا حسم

يعيش القطاع التربوي، منذ أسابيع، على وقع ضبابية وترقب يلفان مصير الامتحانات الرسمية، في ظل استمرار وزارة التربية في إدارة الملف من دون حسم واضح، رغم تصاعد الاعتراضات والأسئلة المرتبطة بخصوصية العام الدراسي الاستثنائي.

مع ذلك، علمت “الأخبار” أن لجان المواد في المركز التربوي للبحوث والإنماء ستعكف، اليوم، على مناقشة نتائج الاستبيان الذي وُزّع على المدارس والثانويات بشأن التحضير للاستحقاق الرسمي وتحديد الدروس المطلوبة، على أن يرفع المركز تقريره إلى وزارة التربية في 15 أيار.

وبينما خرجت اجتماعات وزيرة التربية، ريما كرامي، مع روابط الأساتذة في التعليم الرسمي، ونقابة المعلمين في المدارس الخاصة، واتحاد المؤسسات التربوية الخاصة، بانطباع يوحي بقرب الحسم قبل 15 أيار، تكشف الوقائع داخل الوزارة أن الملف لا يزال يدور في حلقة من النقاشات.

غير أنّ المعضلة الأساسية لا تكمن فقط في التأخير الإداري، بل في المقاربة التي تعتمدها وزارة التربية، والتي تبدو حتى الآن منفصلة عن حجم الواقع النفسي والاجتماعي والتعليمي القاسي الذي يعيشه عشرات آلاف الطلاب والأساتذة والمديرين.

فالإصرار على إجراء الامتحانات في أواخر حزيران، وكأن العام الدراسي مرّ بصورة طبيعية، يطرح علامات استفهام واسعة، خصوصا أن القيمين على البكالوريا الفرنسية والبكالوريا الدولية ألغوا الامتحانات في لبنان هذا العام، كما أن هناك سابقة بتنظيم الاستحقاق الرسمي في أواخر تموز، رغم أن الظروف كانت حينها أقل تعقيدا من الواقع الحالي.

كذلك، فإن الحديث المسرّب عن تمديد العام الدراسي أسبوعًا إضافيا يعني حكماً تمديد مواعيد الامتحانات، ما يكشف تناقضا واضحا بين الإصرار على تثبيت المواعيد الرسمية وبين الوقائع التربوية الفعلية على الأرض.

طرح بتأجيل الامتحانات واعتماد المواد الاختيارية

كلّ النقاش الدائر داخل الوزارة لا يأخذ في الاعتبار حجم الكارثة النفسية والاجتماعية التي يعيشها الطلاب. فهناك عشرات الآلاف الموجودين في مراكز النزوح، فيما يعيش الجزء الأكبر من الطلاب في المنازل أوضاعا قاسية، حيث تتكدّس أحيانا خمس عائلات في منزل واحد، مع انقطاع القدرة على التعلم عن بُعد وغياب الحد الأدنى من الاستقرار النفسي والمعيشي.

وهذا يعني عمليا أن كثيرا من الطلاب في المناطق المتضررة غير جاهزين لخوض امتحانات رسمية في الوقت الراهن، خصوصا أن عددا منهم يعيش مآسي شخصية مباشرة، من استشهاد أب أو أم أو أخ أو أخت، إلى تدمير المنازل أو فقدان مصادر العيش والاستقرار.

حتى الحلول التي طُرحت أخيرا لتأمين تعليم حضوري للطلاب المتضرّرين لم تحقق نتائج فعلية، إذ لم تتمكّن المدارس المخصّصة لذلك من استقطاب الأعداد المطلوبة من الطلاب، في ظل الأعباء النفسية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تثقل كاهلهم.

وفي خضم هذا الجدل، برز طرح تربوي قدّمته التعبئة التربوية في حزب الله والمكتب التربوي المركزي في حركة أمل خلال زيارتهما رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء هيام إسحق، تحت عنوان معالجة الاستحقاقات التربوية والامتحانات الرسمية وفق مقاربة تراعي واقع الحرب والعدوان.

وقد تضمّن الطرح مجموعة اقتراحات اعتُبرت منسجمة مع الظروف الاستثنائية الحالية، أبرزها تأجيل امتحانات الثانوية العامة والاكتفاء بتنظيم دورتين فقط حفاظًا على تكافؤ الفرص، وإلغاء الشهادة المتوسطة (البريفيه) لهذا العام والاكتفاء بالعلامات المدرسية، إضافة إلى تقليص المناهج التعليمية من 24 أسبوعا إلى 14 أسبوعا كحد أقصى، على أن تقتصر المواد المطلوبة على المضامين التي أُنجزت حتى الثاني من آذار، باعتبارها الدروس الأساسية التي يمكن البناء عليها في أي تقييم وطني عادل.

كما دعا الطرح إلى اعتماد المواد الاختيارية في الامتحانات الرسمية، وإقرار آلية تضمن العدالة في تطبيق المناهج الجديدة بين المدارس الرسمية والخاصة، في ظل التفاوت الكبير في القدرة على التعليم والمتابعة خلال الأشهر الماضية.

وفي ظل غياب رؤية رسمية واضحة حتى الآن، يبرز السؤال عمّا إذا كانت وزارة التربية ستتلقّف هذا الطرح التربوي بوصفه مقاربة واقعية تنطلق من الظروف الفعلية التي يعيشها الطلاب، أم أنّ القرار سيبقى أسير مقاربة إدارية تتعامل مع العام الدراسي وكأنّه عام طبيعي، متجاهلة حجم الانهيار النفسي والتعليمي والاجتماعي الذي يرافقه. فالتأخير في حسم المواعيد وإعلان الدروس المطلوبة لم يعد تفصيلا إداريا، بل تحوّل إلى مصدر ضغط إضافي على الطلاب وعائلاتهم، في وقت بات فيه المطلوب قرارا تربويا واضحا وعادلا يراعي الواقع لا النظريات.

فاتن الحاج-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى