مقالات
حين تتحوّل إدارة الشؤون الخارجية إلى وكيلٍ عن العدو

في الدبلوماسية، كما في الحرب، ثمة فارق جوهري بين أن تخسر معركة وأن تسلِّم سلاحك قبل أن تطلق رصاصة واحدة. الأولى مأساة يرثيها التاريخ، والثانية جريمة يحاكمها.
ولبنان منذ انتخاب جوزف عون رئيساً للجمهورية في التاسع من كانون الثاني 2025، وتشكيل حكومة نواف سلام في الثامن من شباط من العام نفسه، لم يخسر معركة دبلوماسيةً واحدة، لأنّه ببساطةٍ مؤلمة لم يخُض أيّ معركة!
لا صوتاً في مجلس الأمن، ولا ملفاً في جنيف، ولا شكوى في فيينا، ولا حتى مذكرة احتجاج تُحترَم بها أبسط تقاليد الرسائل الدبلوماسية.
صمت في الحقول التي يجب أن يعلو فيها الصوت، وصراخ في الحقول التي يجب أن يُضبط فيها اللسان.
ويختصر دبلوماسي لبناني مخضرم المشهد بأن «للبنان ثلاث مندوبيّات دائمة في نيويورك وجنيف وفيينا، ويسدد سنوياً نحو مليوني دولار اشتراكاً في الأمم المتحدة حيث تُرسم السياسات وتتغيّر المسارات.
غير أن المنابر الأممية، كالأسلحة، لا تجدي نفعاً إلا في يد من يحسن استخدامها. أما حين تُترك في يد من لا يريد استخدامها، فهي عبءٌ مالي ووصمة عجزٍ سياسي».
الخريطة الدستورية للواجبات المهدورة
الدستور اللبناني ليس ديكوراً يُعلَّق على جدران قصر بعبدا والسراي الحكومي وقصر بسترس. المادة 49 منه تجعل من رئيس الدولة «رمز وحدة الوطن»، وتلزمه بـ«المحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه». والمادة 52 تلزمه بالتفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، مع إخطار مجلس النواب «حينما تمكنه من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة».
وترسخ المادة 66 مبدأ المسؤولية الوزارية بشكل لا لبس فيه، إذ تجعل الوزراء مسؤولين بالتضامن عن السياسة العامة للدولة، وفردياً عن أعمال وزاراتهم.
وهذا يعني أنّ وزير الخارجية، في تقاعسه عن حماية المصالح اللبنانية، مسؤول فردياً عن هذا التقاعس، كما تتحمل الحكومة مجتمعة مسؤولية تضامنية عن الفشل الدبلوماسي الجماعي.
أمّا المادة 65 فتشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء لاتخاذ قرارات «الحرب والسلم»، وهذا النصاب صمام الأمان الذي يمنع رئيساً أو وزيراً أو حكومة كاملة من التفرّد بقرار يحدد مصير بلد. وفوق هذه النصوص جميعاً، تقف الفقرة «ي» من مقدمة الدستور التي تنزع الشرعيّة عن أيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
في المقابل، يمنح ميثاق الأمم المتحدة في مادّته 35 كل دولة عضو الحق في عرض أيّ نزاعٍ على مجلس الأمن أو الجمعية العامة. هذا الحقّ لا يحتاج إلى إذنٍ من أحد، ولا ينتظر ضوءاً أخضر من حليفٍ ولا من راعٍ. والمادة 51 تكفل الحقّ الطبيعي في الدفاع عن النفس، وتُلزم الدولة بالإبلاغ الفوري لمجلس الأمن. وتحدد اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 في مادتها الثالثة مهام البعثة الدبلوماسية بأنها – قبل أي شيء آخر – «حماية مصالح الدولة المعتمِدة ومواطنيها في الدولة المعتمَد لديها».
وثمّة إرث فقهي لبناني يجب أن يستحضره كل من يمسك بقلمٍ في هذا الموضوع. فقبل 43 عاماً، وفي ذروة الصراع حول اتفاق 17 أيار، كتب العلامة المرحوم الدكتور محمد المجذوب في «السفير» مقالة مرجعيّة بعنوان «بطلان المعاهدات المبرمة في ظلّ الاحتلال« (19 كانون الثاني 1983)، أصّل فيها لقاعدةٍ ذهبية: «إن المعاهدة التي تُنتزع وتُبرَم في ظل الاحتلال والإكراه المادي والمعنوي تُعتبَر باطلة، ويحق للدولة المقهورة، عندما تَسترد حريتها، إلغاءها وإبطالها».
واستند إلى سوابق دولية قاطعة، أهمها شكوى إيران إلى مجلس الأمن في 19 كانون الثاني 1946 ضد الاتحاد السوفياتي الذي كان يحتل مقاطعة أذربيجان؛ إذ ردّت طهران على تذرع موسكو باتفاقٍ سابقٍ معها بأنّ الاتفاق «كان باطلاً لم تتوافر فيه حرية الرضى، لأنّه وُقِّع في ظل الاحتلال». وأضاف سابقةً ثانية: إلغاء مصر عام 1951 للمعاهدة المصرية – البريطانية لعام 1936، حيث بيّنت مذكرتها التفسيرية أن سبب الإلغاء هو أن المعاهدة «عُقدت في ظلّ الضغط الناشئ عن الاحتلال البريطاني… ليس الإكراه المادي فقط، بل الإكراه الأدبي كذلك، الذي ينتج عن الاحتلال المتغلغل في كافة مرافق مصر، والعبث بكافة مصالحها».
وهذا التأصيل تكرّسه المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، إذ تُعلن صراحةً بطلان كلّ معاهدةٍ تُبرَم تحت التهديد أو باستخدام القوّة.
مرحلة التأسيس للاستسلام
منذ خطاب القسَم في كانون الثاني 2025، رفع الرئيس عون شعار «اعتماد الدبلوماسية مساراً حصرياً للتعامل مع كيان العدو الإسرائيلي». عنوان يبدو في ظاهره عقلانياً، لكنه في جوهره جهل مركّب بالتاريخ والقانون معاً. فكيان العدو الذي لم ينسحب من شبرٍ واحد في جنوب لبنان عام 2000 ولا من غزّة عام 2005، ولم يُوقف عدواناً في تموز 2006 إلّا تحت ضربات القوة، لا يمكن أن يُفترَض أنه سيفهم لغةً أخرى.
والمادة 49 من الدستور تلزم رئيس الجمهورية بالمحافظة على سلامة الأراضي، فكيف يكون المُحافظ على الاستقلال من يتخلّى طواعيةً عن أداة حمايته الوحيدة؟ هذا الخلل البنيوي، الذي يُقدِّم الاستسلام المسبق في صورة عقلانيةٍ دبلوماسية، تفريط بالسيادة يَرقى إلى مستوى «الإخلال بالواجبات الدستورية». وما بدا مشروعاً وطنياً تحوّل في الممارسة إلى قائمةٍ من التنازلات قبل أن تبدأ أي مفاوضة.
تصريحات مسؤولين لبنانيين، كيوسف رجي، ترقى إلى ما يُعرَّف في فقه القانون الجنائي الدولي بـ«التحريض غير المباشر» و«الإسناد المعنوي للعدوان»
البيان الوزاري لحكومة سلام، الذي نال ثقة المجلس النيابي في 26 شباط 2025، تعهّد بـ«تطبيق القرار 1701 بكل موجباته»وبـ«حصر السلاح بيد الدولة»، متجاهلاً ذكر المقاومة كلياً. وهذا الإغفال ليس سهواً تحريرياً، كما لاحظ الفقيه الدستوري الدكتور عصام إسماعيل («الأخبار» – 21 شباط 2025)، بل «مخالفة دستورية» بالمعنى الحرفي.
فالمجلس الدستوري في قراره رقم 7/2024 أكّد أنّ الميثاق العربي لحقوق الإنسان – الذي أبرمه لبنان بموجب القانون رقم 1/2008 – اكتسب «القيمة الدستورية»، ومادّته الثانية تنصّ على أن «لكافة الشعوب الحق في مقاومة الاحتلال الأجنبي».
وبالتالي، «تعمّد إغفال ذكر المقاومة من البيان الوزاري يخالف نصاً ذا قيمةٍ دستورية». ولم يأتِ البيان على ذكرِ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر، ولا على التعويضات المتراكمة، ولا على الحقوق المائيّة في حوض نهر الأردن العلوي. هكذا، وُلدت الحكومة بخطيئةٍ دستوريّة موصوفة، ووُلدت ومعها قائمة ما تريد إنجازه ضد شعبها، لا ما تريد انتزاعه من عدوها.
وليست «وثيقة واشنطن» سابقةً في مسلسل التجاوزات الدستورية لهذه السلطة. فقبل أشهر، قام رئيسا الجمهورية والحكومة بتهريب «اتفاقية الترسيم البحري مع قبرص» التي تُفرّط بمساحة بحرية تُقارب الخمسة آلاف كيلومتر مربع من المياه اللبنانية، ووقّعاها ونشراها في الجريدة الرسمية من دون أي تفويض من مجلس النواب، في خرقٍ موصوف للمادة 52 من الدستور.
ما جرى مع قبرص لم يكن خطأً إجرائياً، بل «بروفة» متعمدة (قُدّم طعنان بها أمام مجلس شورى الدولة) ستحاول السلطة تكرارها لتمرير أي اتفاقٍ مع كيان العدو بعيداً عن الرقابة.
الأخطر من ذلك أنّ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء في بيانه الوزاري ليست مجرّد وثيقةٍ احتفالية، بل بمثابة «عقدٍ سياسي» مع البرلمان يلزم الحكومة طوال ولايتها. وأي خروج جوهري عنه يعرضها لخطر سحب الثقة فوراً وتحويلها إلى حكومة تصريف أعمال.
حين تتجاوز حكومة سلام بياناً وزارياً منحها ثقةً مشروطة بـ«تطبيق القرار 1701»، لا بإلغاء حالة الحرب وتجريم المقاومة وعقد مفاوضاتٍ مباشرة مع العدو، أفلا يكون ما تفعله اليوم خروجاً صريحاً عن العقد الذي قام على أساسه منحُها الثقة؟ الجواب: نعم، وهو ما يُؤسِّس لمسارٍ موازٍ من المساءلة لا يحتاج إلى إثبات «الخيانة العظمى»، بل يكفي فيه إثبات تجاوز ولاية البيان الوزاري.
منذ تولي وزير الخارجية يوسف رجي منصبه لم يُخف أبداً ميوله السياسية المتطرّفة ضدّ المقاومة. في 14 كانون الثاني 2026، منح كيان العدو الإسرائيلي علناً «الحقّ في استكمال اعتداءاته» ما لم يُحصر السلاح، معتبراً أنّ اتفاق وقف النار «كان لصالح إسرائيل». وفي 7 كانون الثاني، هدّد بأنّ «الجيش قادر على مواجهة حزب الله إذا اقتضت الضرورة»، رابطاً إعادة الإعمار والمساعدات بحصر السلاح.
وهي تصريحات تبنّى فيها رواية العدو حرفياً، وكرّس فيها منطق الإذعان والابتزاز، في خرقٍ صريح لقانون مقاطعة إسرائيل والمادتين 285 و273 من قانون العقوبات، وإخلالٍ جسيم بالواجب الدستوري المنصوص عليه في المادة 66 من الدستور.
هذا الكلام، الذي كان يمكن أن يصدر عن وزير خارجيّة كيان العدو الإسرائيلي، صدر عن الوزير المسؤول دستورياً عن حماية المصالح اللبنانية، في دبلوماسيّةً معكوسة لم يعرفها التاريخ اللبناني، يُخاطب فيها رجّي الداخل بلغة الخارج، ويُجمل لدى شعبه موقف من يُحاصره ويقصفه.
وما يجب قوله بوضوح قانوني صارم، إن تصريحات مسؤولين لبنانيين، ومنهم رجي تحديداً، لا تشكّل مجرد انحيازٍ سياسي فاضح، بل تتجاوزه إلى التكييف القانوني الصريح. فهي بمقتضى قواعد القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة والدستور اللبناني وقانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955، تُعتبر تبريراً غير مشروع لجرائم العدوان والقتل والتدمير، وتوفر غطاء معنوياً لاستهداف المدنيين والمقاومين في حالتهم المحمية دولياً.
هذه التصريحات ليست حياداً سلبياً ولا «رأياً سياسياً»، بل مشاركة فعلية في الاعتداء، وشراكة في الدم المسفوك، وتترتب عليها المسؤولية الجنائية كاملة. وهي ترقى إلى ما يُعرَّف في فقه القانون الجنائي الدولي بـ«التحريض غير المباشر» و«الإسناد المعنوي للعدوان» – مفاهيم طوّرها الاجتهاد الدولي منذ نورمبرغ وحتى محاكم رواندا ويوغوسلافيا.
المنابر الأممية المُعطَّلة
في مجلس الأمن الدولي، انعقدت جلسة مفتوحة حول لبنان في 10 آذار 2026، بعد ثمانية أيامٍ من اندلاع الحرب. التقرير الصادر عن المجلس في 9 آذار يكشف – ويا لها من فضيحة – أن المبادرة جاءت من المنسقة الخاصة جينين هينيس بلاسخارت، لا من البعثة اللبنانية. وخلال 2025، فاتح الوفد الجزائري في الأمم المتحدة الوفد اللبناني بتقديم شكوى ضد كيان العدو جراء جرائمه، فجاء الرد بارداً: «لا قرار لبناني رسمي بذلك».
والأنكى أنّ هذا التقاعس صار عقيدة معلنة، لا مجرد سهو إجرائي. فقد كرر رئيس الحكومة، وتبعه وزير الخارجية، السؤال الاستنكاري ذاته أمام كل مطالبة بإدانة العدوان أو طلب انعقاد مجلس الأمن: «هل كلما حصل عدوان يجب أن نُدين؟». سؤال يبدو في ظاهره عقلانياً، لكنه في جوهره إعلان صريح بالتخلي عن الواجب الدستوري الموصوف.
والجواب البديهي الذي لا يحتاج إلى عبقرية فقهية: نعم، يجب أن تدين الدولة كل عدوان يطال أراضيها، لأن هذا ما تفرضه النصوص التي فُصِّلت في صدر هذا المقال. الإدانة ليست رفاهية خطابية، بل وثيقة قانونية يؤسَّس عليها بناء القضيّة في كل المحافل، ومن يستهن بها يهدم الأرضية التي يقف عليها لبنان في كل مفاوضة مقبلة.
في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، الذي يتمتع بصلاحية تشكيل لجان تحقيقٍ مستقلة على غرار الحالات الأوكرانية والغزّية والسورية، لم يُقدِّم لبنان ولو طلباً واحداً لجلسة خاصة منذ اندلاع الحرب. تكفي 16 دولةً عضواً للمطالبة بجلسةٍ خاصّة، ولبنان قادرٌ بعلاقاته العربية والإسلامية والأوروبية على تأمين هذا النصاب خلال ساعات لو أراد. لكنه لم يُرد.
تهريب «اتفاقية الترسيم البحري مع قبرص» التي تُفرّط بمساحة بحرية تُقارب الخمسة آلاف كيلومتر مربع، «بروفة» ستحاول السلطة تكرارها لتمرير أي اتفاقٍ مع كيان العدو
في الوكالة الدولية للطاقة الذرّية في فيينا، حيث كان يجب أن تُقدَّم شكوى موثقة حول استخدام العدو خلال حرب 2024 لذخائر تحتوي على مواد منضّبة (Depleted Uranium)، وفي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي حيث كان يجب أن تُرفع شكوى تتعلق باستخدام الفوسفور الأبيض في المناطق المأهولة (وكلاهما موثّقان دولياً)، لم يُقدَّم أي ملف لبناني رسمي.
أمّا مع الفاتيكان، فالمشهد يَزداد إيلاماً. ففي مشهدٍ نادرٍ من الصدام العلني بين الكرسي الرسولي والبيت الأبيض، تحوّلت دعوة البابا لاوون الرابع عشر في 12 نيسان 2026 لوقف إطلاق النار في لبنان، واستناده إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني في التنديد بـ«وهم القدرة المُطلقة» الذي يغذي آلة الحرب، إلى شرارةٍ لأزمةٍ دبلوماسيةٍ حادّة. ردّ ترامب بهجومٍ وصف البابا فيه بـ«الضعيف والسيّئ في السياسة الخارجية»، فأجابه الحبر الأعظم من طائرته: «لا أخشى إدارة ترامب وسأواصل رفع صوتي عالياً ضد الحرب».
وبينما اشتعلت هذه الحرب الكلاميّة، بقي المشهد الأكثر إدانةً هو الصمت المُطبَق للثلاثي المسؤول دستورياً عن الدبلوماسية – عون وسلام ورجّي – الذين لم يصدر عنهم بيانُ شكرٍ ولا تغريدةٌ عابرة لرئيس دولةٍ ذات سيادةٍ أخلاقية وازنة، تحرّك لحماية المدنيين فيما تخلّت الدبلوماسية اللبنانية عن واجبها. كلمةٌ واحدة من البابا في عظةِ الأحد تصل إلى مئات الملايين وتحرِّك ضمائر الناخبين الكاثوليك في دولٍ يحكمها اللوبي الإسرائيلي بإحكام. لكن إرضاء ترامب لدى الثلاثي السياسي الحاكم (عون – سلام – جعجع وممثّله رجي) أهم من شكر بابا الفاتيكان.
«ورقة واشنطن»: الصمت أبلغ من التوقيع
هل صدر بيان رسمي لبناني يُؤكد الموافقة على «وثيقة واشنطن» الصادرة في 16 نيسان 2026؟ الجواب: صمت مُطبق. لا الرئاسة الأولى أصدرت بياناً، ولا رئاسة الحكومة، ولا وزارة الخارجية. أعلنت وكالات الأنباء الدولية وحدها أنّ «لبنان وإسرائيل عقدا أوّل محادثاتٍ دبلوماسية مباشرة منذ عقود». أما في بيروت، فلا شيء. ولا حتى تغريدة.
هذا الصمت ليس تفصيلاً بل هو الكارثة بعينها. ففي القانون الدستوري، ثمة فرق جوهري بين الصمت حين يكون الكلام مُختاراً، والصمت حين يكون الكلام واجباً. الصمت أمام وثيقة تلزم البلاد بمنع مقاومتها وتكرّس عبارة «البلدان ليسا في حالة حرب» – في تناقضٍ صارخٍ مع قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955 والمادّة 285 من قانون العقوبات اللبناني واجتهاد محكمة التمييز في القرار 119/1996 – هذا الصمت اعترافٌ ضمنيّ: في فقه القانون يُسمّى «الإقرار بالسكوت»، وفي السياسة خيانة لثقة الناخب، وفي القانون الدولي تنازل يصعب الرجوع عنه لاحقاً.
الإيرانيون أنقذوا ما عجزت الحكومة عن إنقاذه
ثمة حقيقة صادمة لا يقولها إعلام الوصاية ولا الإعلام الرسمي، لكنّها موثقة في مصادر دبلوماسية غربية محايدة: ما أوقف الحرب على لبنان لم يكن حنكة الدبلوماسية اللبنانية، بل الإصرار الإيراني في مفاوضات إسلام آباد. صحيفة “Middle East Eye” نقلت في 12 نيسان الجاري عن مصدرٍ دبلوماسيّ مصريّ رفيع: «الإيرانيّون كانوا جدّيّين تماماً بألّا يمضوا قُدُماً من دون لبنان».
هذا يعني أن إيران دافعت عن لبنان في طاولة المفاوضات، فيما كانت حكومة لبنان تُفاوض على نزع سلاح من يدافع عنه ويصدّ غزوه. هذه ليست مفارقةً عابرة، بل إدانة كاملة للثلاثي المسؤول دستورياً عن الدبلوماسية. حين تنقذك طهران مما تفعله بيروت بك، فأنت إزاء حالة انهيارٍ في مفهوم الدولة.
والأنكى أن التقرير ذاته يكشف أن مصر وتركيا وباكستان سعت للتواصل مع رئيس الحكومة لإقناعه بالمسار الدبلوماسي الإقليمي، فيما كانت بيروت الرسمية تُعلن التنصل من أي «وقف إطلاق نار تفرضه إيران» وتكتفي بطلب «الضغط الأميركي» على العدو من الراعي الأميركي، شريكِ العدو في العدوان.
المسؤوليّة الجزائية: الطريق إلى المحاكمة
تنص المادة 60 من الدستور على أنّ رئيس الجمهورية «لا تبعة عليه حال قيامه بوظيفته إلّا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى». و«الخيانة العظمى» تُفسَّر فقهياً بأنها انتهاك جسيم للالتزامات الوظيفية، أو التخابر مع العدو، أو أعمال تضرّ بسيادة الدولة وأمنها. والمادتان 70 و71 تفصلان آلية محاكمة رئيس الحكومة والوزراء أمام المجلس الأعلى بتهمة «الإخلال بالواجبات المُترتبة» أو «الخيانة العظمى».
السؤال: هل يُشكّل التفريط بالسيادة، والصمت أمام وثيقةٍ تُجرّم المقاومة، والتقصير في تفعيل المنابر الأممية، والتنازل عن الحقوق المُكتسَبة قبل بدء مفاوضاتٍ غير شرعيةٍ في ذاتها، «إخلالاً بالواجبات» بالمعنى الدستوري؟ الجواب واضح: نعم. والتنازل عن هذه الواجبات أو التقصير المتعمَّد في أدائها هو، في القانون اللبناني والمقارن، إخلالٌ يستوجب المساءلة، وقد يرتقي إلى «الخيانة العظمى» إذا ثبت أنّ الفعل تمّ عن علم وقصد ومصلحة متعارضة مع المصلحة الوطنية. ويستتبع ذلك سؤالاً أخطر: هل يُعتبر منع الجيش من صدّ العدوان وأمره بالانسحاب، و«لقاء رئيس وزراء العدو» والانصياع لرغباته، جرمَ خيانة عظمى وفق ما تقدّم؟
الحق يأخذه أصحابه لا من ينكرونه عليهم ومن يعجز عن حماية شعبه ليس له أن يمنع شعبه من حماية نفسه
العقبة ليست قانونية بل سياسية: المادة 80 تشترط موافقة ثلثَي مجلس النوّاب لتوجيه الاتّهام، وهو نصاب يكاد يكون مستحيلاً في برلمانٍ تُهيمن عليه الأكثرية التي شكّلت الحكومة. غير أن ثمة اجتهاداً حقوقياً حديثاً يُحاول كسر هذا القيد بالتمييز بين «العمل السياسي» و«الإهمال الجسيم» الذي يؤدّي إلى جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات العادي (كالقتل والإيذاء والتدمير)، وهو مسارٌ قابل للتفعيل خاصّةً بعد انتهاء الولاية، أو بضغطٍ شعبيّ يدفع المجلس النيابي لرفع الحصانة.
ويلفت إلى ذلك الفقيه الدستوري الدكتور عصام إسماعيل إلى أنه «بعد خروج المقاومة منتصرة من هذه المعركة… لها الحقّ، وفق العادة التي أقرّتها حكومة سلام، بأن تُلغي كافة مفاعيل القرارات التي اتخذتها هذه الحكومة ومساءلة أعضاء هذه الحكومة وملاحقة المرتكبين منهم أمام العدالة الوطنية الصادقة».
حين تُفاوض المقاومة عن نفسها
هنا تصلُ الحجّة إلى نتيجتها الحاسمة: حين تعجز الدبلوماسية الرسمية عن أداء واجبها وتتحوّل إلى أداةٍ للضغط على شعبها بدل عدوها، يصبح من الواجب أن تتولى الجهة المُستهدَفة من العدوان – وهي المقاومة – مسؤوليّة التفاوض غير المباشر عن نفسها.
وهذه الحقيقة ليست تخميناً، بل صاغها الدكتور إسماعيل بأسئلةٍ لا تَحتمل الجواب: «إنّ الحكومة اللبنانية التي تنكّرت للمقاومة وحظرت نشاطها العسكري والأمني ووقفت بوجهها في قتال العدو، هي ذاتها تَضع شروطاً على وقف الأعمال القتالية… بأيّ صفة تريد هذه الحكومة الدخول طرفاً في المفاوضة على وقف الأعمال القتالية التي تعارضها؟ وهل يمكن للمقاومة أن تثق بأن يكون ممثّلو هذه السلطة مفاوضين عنها لوقف إطلاق النار؟».
وهذا ليس اختراعاً، ولا انقلاباً على الدولة، ولا «تمرّداً». هذا ما حدث في تفاهم نيسان 1996 بالضبط، حين توسّطت الولايات المتحدة وفرنسا في مفاوضاتٍ غير مباشرة جمعت كيان العدو والمقاومة عبر القناة السورية الضامنة، فيما اقتصر دور الحكومة اللبنانية على التغطية الشكلية. وأقر نصّ التفاهم بأنّ «ليس فيه ما يمنع أيّ طرفٍ من ممارسة حقّه المشروع في الدفاع عن النفس».
وأُنشئت آنذاك لجنة المراقبة الخماسية بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا وكيان العدو ولبنان في صيغة اعترفت ضمنياً بالمقاومة طرفاً قادراً على إيقاف القتال واستئنافه. وفي حرب تموز 2006، تكرّرت الصيغة: تفاوض رئيس مجلس النواب نبيه بري مع مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد وولش، ممثلاً المقاومة التي لم تكن الحكومة اللبنانية تملك تفويضاً بالحديث باسمها، وأدت تلك المفاوضات إلى إنتاج القرار 1701. وفي مفاوضات تشرين الثاني 2024، تكرّر الأمر مرّةً ثالثة: المبعوث الأميركي آموس هوكشتين تفاوض مع الرئيس بري الذي كان يحمل تفويضاً حزب الله.
والأمثلة الدولية كثيرة كذلك، كمفاوضات الفيتكونغ مع واشنطن عام 1973، ومفاوضات الأميركيين في الدوحة مع حركة «طالبان» رغم تصنيفهم لها «منظمة إرهابية».
كما أكّدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا في قضيّة هاراديناج 2008 أنّ الجماعة المسلحة المنظمة ذات القيادة هي طرف كامل في النزاع بموجب القانون الدولي الإنساني، بمعزلٍ عن اعتراف الحكومة بها. ووفقاً للبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1977 الذي صادق عليه لبنان، تنصّ المادتان 1/4 و96(3) على أن «السلطة الممثّلة لشعبٍ منخرطٍ في نزاع» تملك أهلية قانونية مستقلّة. وليست المقاومة «ميليشيا متمرّدة» كما يصفها خصومها، بل «سلطة ممثّلة لشعبٍ في نزاعٍ مسلّح مشروع».
أكثر من ذلك، في القانون الدولي العام ما يُسمّى بـ«مبدأ الممثل الفعلي» (Effective Representation): حين تثبت الحكومة الرسمية عجزها عن تمثيل مكوِّنات أساسية من شعبها، أو تتخذ مواقف معاديةً لمصالحه الجوهرية، يصبح للمكوِّن المتضرِّر الحق في الدفاع عن نفسه عبر قنواتٍ موازية. وهذا السند الأقوى لتولي المقاومة، عبر الوساطات المتاحة، التفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي. ليس بديلاً عن الدولة، بل تكميلاً لها حين تعجز عن أداء دورها، وردعاً لها حين تنحرف عن الواجب.
وهذا المبدأ ليس نظريّاً في الحالة اللبنانية، بل مُجسَّد على الأرض. المقاومة تمارس حقها القانوني عبر توكيل رئيس مجلس النواب بالحديث باسمها. وحين ينضاف الدعم الإيراني الاستراتيجي، يصبح ثلاثي «الميدان – الدبلوماسية – العمق الإقليمي» قادراً على تحقيق ما تعجز عنه سلطة تختصر نفسها في ترديد ما يُملى عليها من واشنطن. أي تفاوضٍ يقوده الرئيس بري بتفويضٍ من المقاومة قانوني وشرعي، سواءٌ رضي الثلاثي السياسي الحاكم (عون – سلام – جعجع) أم سخط.
خاتمة
ما يجري في لبنان ليس «خياراً سياسياً» يُحتَمَل فيه الاختلاف، ولا «اجتهاداً مُختلَفاً عليه بين المُخلصين». ما يحصل تفريط موصوف بالحقوق الوطنية، وإخلال جسيم بالواجبات الدستورية. الثلاثي المسؤول دستورياً عن الدبلوماسية يُدير هذه المفاتيح كأنها وكالة عقارية تقبض على بضاعة العدوّ لتُسلّمها لأصحابها مع شهادة شكر.
التاريخ قاسٍ مع مَن يُقصّرون في لحظاتٍ كهذه. ميشال شيحا، الذي كتبَ مقدّمة الدستور، قال يوماً إنّ «لبنان يحيا بمعجزة، لكن المعجزة تحتاج إلى رجالٍ يستحقونها». اليوم، الرجال الذين يدَّعون قيادتها لا يَستحقّونها. لا في الدبلوماسية، ولا في السياسة، ولا في القانون، ولا في الميثاقية التي صاغها أجدادهم بدماء الوحدة الوطنية.
في غضون ذلك، تفاوض المقاومة عن نفسها، عبر قنواتها وحلفائها، لأن من لا يُدافع عنك في طاولة المفاوضات لا يستحق أن يُفاوض باسمك. هذه ليست هرطقةً دستورية، ولا دعوة لشقّ الصفّ الوطني، بل بديهيّة يفهمها كل عاقل قبل أن يفهمها فقهاء القانون الدولي: الحقُ يأخذه أصحابه، لا من ينكرونه عليهم. ومن يعجز عن حماية شعبه، ليس له أن يَمنع شعبه من حماية نفسه.
مجتبى الحسيني-الاخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



