أخبار عربية

التربية الإعلامية لمواجهة الشائعات في زمن الحرب

في زمن الحروب والأزمات، تصبح المعلومات سلاحاً ذا حدين.

من ناحية، تلعب دوراً حيوياً في إيصال الحقائق وتنظيم المجتمعات، ومن ناحية أخرى، يمكن أن تتحول إلى أداة للتضليل وتوجيه الرأي العام بطرق تخدم أطرافاً معينة.

في هذه البيئة المشحونة بالتوتر والارتباك، تظهر التربية الإعلامية كضرورة ملحّة لمساعدة الأفراد على التمييز بين الحقيقة والزيف، وتقليل تأثير المعلومات المغلوطة التي تنتشر كالنار في الهشيم، وخصوصاً عبر الوسائط الرقمية.

تشكل الحروب بيئة خصبة لانتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة.

ففي ظل انعدام الاستقرار، يبحث الناس عن أي معلومة تساعدهم على فهم ما يحدث من حولهم، ما يجعلهم أكثر عرضة لتصديق الأخبار غير الموثوقة.

وكثيراً ما يتم استغلال هذا الوضع لإثارة الخوف والتوتر أو لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.

من هنا تأتي أهمية التربية الإعلامية في تعزيز وعي الأفراد وتمكينهم من التفكير النقدي حيال ما يُعرض عليهم من معلومات، وخصوصاً في أوقات الصراع.

وعليه، إنّ الأدوات المستخدمة في نشر الشائعات تتنوع بحسب الغاية والهدف منها، ومن أبرزها:

– وسائل التواصل الاجتماعي:

وسائل التواصل الاجتماعي تُعدّ الأداة الأبرز في نشر الشائعات اليوم، حيث يمكن لأي شخص نشر معلومات بسرعة ومن دون تحقّق.

المنصات مثل فايسبوك، تويتر، وإنستغرام تتيح انتشار الشائعات بشكل واسع عبر الإعجابات والمشاركات التي تزيد من انتشار المعلومة بغض النظر عن صحتها.

-تطبيقات الرسائل الفورية: تطبيقات مثل واتساب وتيليغرام تُعدّ من أكثر الوسائل استخداماً لنقل الشائعات، حيث تُرسل الرسائل بسرعة بين المجموعات والأفراد من دون رقابة.

طبيعة هذه التطبيقات التي تعتمد على الخصوصية تجعل من الصعب تتبّع مصدر الشائعة.

– الإعلام التقليدي غير المهني: في بعض الأحيان، تلعب وسائل الإعلام التقليدية غير المسؤولة دوراً في نشر الشائعات، خاصة عند التسرع في نشر أخبار غير مؤكدة من دون التحقق من مصادرها.

– الفيديوهات المزيفة والتقنيات المتقدمة: تقنيات التزييف العميق (Deepfake) تُستخدم لإنشاء فيديوهات وصور مزيفة تبدو حقيقية، ما يزيد من مصداقية الشائعات ويجعل من الصعب كشف زيفها.

-الشخصيات المؤثرة: الشخصيات العامة والمؤثرة على وسائل التواصل أو الإعلام يمكن أن تكون وسيلة لنشر الشائعات سواء بشكل مقصود أو غير مقصود.

كلامهم يلقى قبولاً لدى المتابعين، ما يجعل تأثيرهم كبيراً في نشر أي معلومة.

– الألعاب النفسية والإشارات المبهمة: تُستخدم أدوات تعتمد على الغموض والتلميح لزرع الشكوك ونشر الشائعات من دون ذكرها بشكل صريح.

هذه الطريقة تعمل على دفع الأشخاص إلى استنتاجات خاطئة بأنفسهم.

وبعد عرض بعض هذه الأدوات، يأتي دور التربية الإعلامية التي هي عملية شاملة تهدف إلى تعليم الأفراد كيفية فهم الرسائل الإعلامية وتحليلها.

فهي تركز على بناء قدرات تحليلية تتيح للأفراد تقييم مصداقية الأخبار وفهم السياقات التي تُنشر فيها.

على سبيل المثال، يمكن للتربية الإعلامية أن تعلم الناس كيفية التحقق من مصادر المعلومات، وتمييز الأخبار الحقيقية عن المزيفة، وفهم الأهداف الكامنة وراء نشر أخبار معينة في وقت محدد.

في ظل الأزمات، يمكن أن تلعب المؤسسات التعليمية دوراً جوهرياً في نشر التربية الإعلامية.

إدماجها في المناهج الدراسية منذ المراحل المبكرة يتيح للأجيال القادمة فرصة التعامل مع الوسائط الإعلامية بوعي أكبر.

تخيل طالباً في مدرسة يتعلم كيفية تحليل الأخبار التي تصله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو كيف يفكر نقدياً في المعلومات المتناقضة التي قد يسمعها أثناء نشرة أخبار مسائية.

هذا النوع من التعليم لا يبني أفراداً فقط، بل يسهم في خلق مجتمع واعٍ وقادر على الصمود أمام تيارات التضليل.

كما إنّ تفعيل التربية الإعلامية في ظل الحروب يتطلب نهجاً شاملاً يشمل جميع القطاعات المعنية بتثقيف المجتمع وتعزيز وعيه الإعلامي.

تبدأ الخطوة الأولى من المؤسسات التعليمية، حيث يمكن إدماج التربية الإعلامية في المناهج الدراسية على مختلف المراحل.

هذا النهج يهدف إلى تزويد الطلاب بمهارات التفكير النقدي وتحليل الأخبار، ما يمكّنهم من التعامل مع الكم الهائل من المعلومات التي يتعرضون لها يومياً، وخاصة في أوقات الأزمات.

إلى جانب التعليم الرسمي، يمكن للإعلام أن يكون شريكاً إستراتيجياً في نشر التربية الإعلامية.

على وسائل الإعلام أن تتحمّل مسؤوليتها تجاه المجتمع عبر إنتاج برامج تثقيفية موجّهة لتوضيح كيفية التحقق من الأخبار وتحليلها.

كما يمكنها تقديم نماذج من الشائعات التي انتشرت في أوقات سابقة وكيفية كشف زيفها، ما يعزز ثقة الجمهور ويقلل من فرص تعرضه للتضليل.

أضف إلى ذلك أنّ التكنولوجيا الحديثة تقدم أيضاً إمكانات واسعة لدعم التربية الإعلامية.

يمكن تطوير تطبيقات ذكية تتيح للمستخدمين التحقق من صحة المعلومات بنقرات بسيطة، وتوجيههم إلى مصادر موثوقة.

إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام المنصات الرقمية لتنظيم حملات توعية تستهدف مختلف الفئات، مع التركيز على المناطق المتأثرة بالحروب، حيث يكون الناس في أشد الحاجة إلى مصادر معلومات موثوقة.

أما على مستوى المجتمع المدني، فتلعب الجمعيات والمنظمات غير الحكومية دوراً محورياً في نشر الوعي الإعلامي.

عبر تنظيم ورش عمل وحلقات نقاشية، يمكن لهذه الجهات أن تعزز معرفة الأفراد بكيفية التعامل مع الإعلام بحذر.

كذلك، يمكن لهذه المنظمات العمل على بناء شراكات مع المؤسسات التعليمية والإعلامية لتوحيد الجهود وتوسيع نطاق التأثير.

في نهاية المطاف، تفعيل التربية الإعلامية في زمن الحروب ليس مسؤولية جهة واحدة، بل جهد مشترك يتطلب تعاون المؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والتكنولوجيا، والمجتمع المدني.

هذا التعاون يمكن أن يؤدي إلى خلق مجتمع واعٍ وقادر على مواجهة الشائعات والمعلومات المغلوطة، ما يسهم في تعزيز الاستقرار والتماسك الاجتماعيين حتى في أصعب الظروف.

المصدر: جريدة الأخبار

 

 

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى